أوقاف الوادي الجديد تستضيف رواد المساجد لترسيخ التلاوة الصحيحة ب«مقارئ الجمهور»    تعاون حكومي ودولي لدعم مشروعات ذوي الإعاقة وتعزيز الإتاحة والدمج    بعد تجاوز الأوقية 4500 دولار .. أسعار الذهب تواصل الصعود محلياً    جيل من الجامعات المتخصصة لمواكبة الثورة الصناعية    محافظة الجيزة: افتتاح محور عمرو بن العاص أعلى الطريق الدائري خلال العام الجاري    «التخطيط» تبحث دمج الاستراتيجية الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقة    تقارير: أكثر من 50 قتيلا في الاحتجاجات بإيران    نتائج مباريات الجولة الثامنة عشرة في دوري المحترفين    قائمة بيراميدز ل مباراة وادي دجلة في كأس عاصمة مصر    بدء امتحانات اللغة العربية بصفوف النقل الابتدائي والإعدادي والثانوي بالجيزة غدًا    مسلسلات رمضان 2026، عرض "على قد الحب" ل نيلي كريم وشريف سلامة بهذه القنوات (فيديو)    صحة الفيوم تطلق منصة لخدمة مرضي العيون    WATCH IT تطرح بوسترات مسلسل لعبة وقلبت بجد    كواليس مران الزمالك لمواجهة زد تحت قيادة معتمد جمال    بسبب امتناعها عن الأكل العثور على جثة طالبة داخل منزلها بقنا    وزيرا خارجية مصر ومالى يبحثان جهود مكافحة الإرهاب فى منطقة الساحل    التحفظ على كاميرات مراقبة لكشف تفاصيل تحرش عاطل بفتاة في الدقي    عاجل- الجيش السوري يمنح مهلة أخيرة لإخلاء حي الشيخ مقصود تمهيدًا لعملية عسكرية محتملة    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    بجهود أبوريدة.. تسريع تأشيرة محمد حمدي للعلاج في ألمانيا بعد إصابته بالرباط الصليبي    تراجع العملات المشفرة مع ترقب بيانات سوق العمل الأمريكية    الدفاع الروسية: إسقاط 5 طائرات مسيرة أوكرانية    وزير الخارجية يشدد على رفض أي ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية أو تقسيم قطاع غزة    محافظ الجيزة يعتمد المخططات التفصيلية لهذه الأحياء.. تعرف عليها    رامي إمام يشيد بمايا أشرف زكي: فخر حقيقي وتابعت رحلتها من أول خطوة    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    فتح باب القبول للطلاب الوافدين ببرامج تجارة عين شمس المهنية    الجيش السورى يطالب أهالى حى الشيخ مقصود بإخلاء 3 مواقع تابعة لقسد لقصفها    رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح فى علاج المرضى الأجانب    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    جوارديولا: الجميع يعرف قدرات سيمينيو    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    «دمنهور» تحصد المركز 104 على خريطة تصنيف الجامعات العربية خلال 4 مؤشرات    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    ترامب: ألغيت موجة ثانية من الهجمات العسكرية على فنزويلا بعد عملية السبت    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    حالة وفاة و13 مصابا.. نائب محافظ المنيا يطمئن على مصابي حادث انقلاب ميكروباص بمستشفى الصدر    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    شريف عبد الفضيل: مستوى إبراهيم عادل مع المنتخب «متذبذب»    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المنشد
نشر في أخبار الأدب يوم 25 - 09 - 2011

رأيته، ودوماً كنت أراه كرجع الصدي. يمرق كشبح أزلي علي عربته الكارو بروح مقاتل انسحب من الأساطير القديمة. مجلجلاً بعريض صوت يموج في حلقات تتسع وتتصاعد بهالات من رؤي تتخايل بملامح غائمة، وتتلاشي. هائماً ومخترقاً كوناً ضاق به، كأنه يطارد شبحاً إلي زاوية العالم. نوع من دفء ينضح من جسده كأنه البخار يجعله يتخفف، كأنما يهج من جسده العفي .
له بنية تمثال ميداني بهيئة سرمدية، وملامح صادرتها أزمنة قديمة رشحت بظمأ صحراوي وتركت للندي أن يرطبها كنوع من توبة أبدية. وفيما يمرق بعربته أراه كجمع غفير كأنما أصوات خفية تزاحمه إذ يتحد بصوته. شيء يزغرد في الأرض بمكنونها علي سكون لحظتها، كأنها عثرت علي سره الدفين، فتقفز أشباح من تراب تثير زوبعة. وفيما يبتعد إلي نهاية الشارع وقبل أن ينعطف إلي ناصية الشارع أراه طفلاً يشاكس رؤاه، ودوماً هناك طائر يحط علي عربته. يحلق حوله وينقر شيئاً خفياً حول رأسه ، يحوم ، ويعاود، ويغيب.
كثيراً ما صادفته علي النواصي يقف وينشد للاأحد كأنما يردد صوتاً خفياً بصوت حي. والذي لم أدركه أكان يمتص الأصوات من حوله ويعيد صورتها بصوته؟ أم كان يدفع بصوته كي يخترق الأصوات. عالم من دهاليز تراوح ما بين النور والظلمة، تتماوج علي ملامحه وتتلاون بصوته كاحتمال مؤجل للحظة قادمة. في الموالد ينشد وحيداً كأنه القصيدة واللحن والرؤي القادمة، غير عابئ بالضجيج من حوله. أو وحيداً علي أطراف البلدة يمتد بصوته في الفراغ كامتداد لجسده في الطلق، فيتسامي. وبالقرب من الجبل الشرقي للمدينة، الرق في يده يصلصل طارداً غبش الضجيج إذ تصفو الروح وتحلق. مفسحاً الطريق لنغمات إنشاد ويتمايل، وأحلام تتداعي أراها في جفنيه المثقلين وقد أنهكه هدير علي شفاه ظلت ترتعش برف حواف شاخت قبل أن تبلغ طفولتها .
يدمدم في كياني صوتي الضائع في جسدي. شيء من الارتجاج الذي يعاودني، وأنا طفل لقيط علي عتبة بناية لم أدرك ملامحها حين كنت قطعة لحم ضئيلة. كلما لمسني شخص ما يعاودني حس اليد التي التقطتني طفلاً. متي أدركت ذلك؟.لا أدري!. كلما بكي طفل يترجع داخلي نباح جوعي. وذلك البرد يعتري قطعة من ورم لها نفس إنساني طازج بعيداً عن صدر ُيرضع أو يحتضن ما بعد ظلمة الرحم. ذلك الفراغ الواسع وقد أفزعني. فزع بلا ملامح. وأصوات تتدافع واشباح تتراءي كوهم لم أدرك مداه بعد. جسدي الصغير يمتص الأصوات ويدفعها. وأنا أطلق الصوت الأول مني كنوع من النور يضيء ما بعد ظلمتي والرحم الطارد، وقد أصبح خاوياً ينادي العود. أنا بلا سائل يحتويني والعالم بارد.
لابد أن نساء كثيرات تداولن رضاعتي ومنحنني دفء احتضان لم يبرأ من أمومة فياضة. صوت خفي يسوخ في روحي كلما رأيت امرأة ترضع طفلاً. وللنساء شف الأطفال علي رؤي الخبيء. حس من لمس مسرف في حميميته يتواصل بلغة خرساء . حمي من أنوثة تحتمي بأمومة وتسحب من نخاعها عصير جسد تخلي عن أنانيته لبناً. ومن قبض طفل جائع علي حلمة الحياة تنسحب بشبق العودة إلي طفولتها الأولي ، فتتجدد. جوع يشبع جوعاً. وصمت يرضع صمتاً. نساء من حس صامت يتجلين كروح هائمة.
حين بدأ صوتي يتشكل تمنيت أن يعبّر صوتي عن ملامحي التي لم أطالعها إلا رؤي علي غيم. وكنت أحاول أن أستبدل وجهي بصوتي. صوتي بملامحي التي كان الرجال يرونها فظة، فيما تنجذب النساء إليها ويتحسسنها كلفح ريح علي رغبة. أكان صوتي ملامحي التي أصبحت رجع صدي لكركرة اللبن في حلقي. ذلك النهم للامتصاص لطفل جائع وقع علي صدر فائض بين طارد وماص. أكان متعة صامتة متواطئة علي رغبة برية لم ولن تبلغها امرأة من رجل؟ خيط من مصيدة الصمت يتواصل في مراوحة بين خيط سُري لم ينقطع بالولادة ظل محوماً كقدر، فاعلاً كموهبة لا تحتمل انقطاعاً. جوهرة صوتي تلك التي خرج منها أول مصافحة لعالم مجهول سيطاردني، جعل عري الصوت يستبيح فضاءً مباحاً يحملني علي الريح ويهدهد وجعاً لم يبح. صمت، واستراح.
وفيما الصوت يتسلل مني إلي وسع العالم. ثمة ضوء ينبثق داخلي وتتسع دائرته، وتتخلل خلايا كنت أتصور أنها ماتت. وكلما حاولت محاصرة صوتي كي لا أضيع في عالم يتسع إلي حافة الغامض، يطاردني فراغ ينسحب بي إلي مشاعر أحسها تنبض كرجع صدي لتاريخ قديم يعبرني في صور تتماهي ألوانها، وتتكاثف وتتداخل كهاتف بعيد حتي لا أدرك المسافة بين الصوت والصورة والحيوة في اللحظة التي كانت يوماً.
دبيب قدمي علي الأرض الصلبة وأنا أنشد يمتح من الأرض عمرها اللازمني، وأنا أدق الأديم كي أثبت لحظتي أو أنتزعها من الزمن السائل بي عبر جمود جسدي وهو يتحلل في زمن سحيق إلي ظل رائحة هفت لها نفسي فصارت أريجاً في لحظتي التائهة. نفسي إلي نفسي، مني إلي وقد باحت بالرؤي.
لا تشبع نفسي من الرؤي، فكلما ارتوت عطشت، وكلما امتلأت استباحت المدي ولا تكف عن التحديق في الآتي، أو مداعبة لمس الأشياء التي لم اعتبرها. لا تتصوروا أنني هائم لم يلامس الضحك. حياتي عبث وحياة من حولي وإن كانوا يتوهمون. أحدق في البشر فأراهم يسخرون من أنفسهم كي لا ينفجروا، ويضاحكون الحياة كي تضحك لهم ولو بالوهم. كنت أدرك أنني لست أكثر من زائدة دودية في عالم تغني بغرورفيروسي. سميت نفسي (لا بأس) وصرت أردده دون خجل فتخففت من أحمال أثقلتهم. وكانوا يضحكون، وأنا أضحك من نفسي وعليها. وكنت أعرف أنني علي الهامش وسأظل، ولم تداعبني يوماً أحلام ما بعد. وكنت أردد في نفسي (المتغطي بالأيام عريان والمتلحف بالأحلام دفيان). وبشكل غائم ادركت أن للروح رهافتها فإذا ثقلت فالوطء موت علي استحياء. وشيء يدفعني بالموت رغبة حياة تدافع بالوجود طالما هو موجود.
من فرط اتساع مدي صوتي وتمدده في أنحائي، حاولت أن أطرده في فقاعات تحرره من جسدي. وبقدر تحرر جسدي من أسر صوتي خلق جسداً شفافاً داخل هيكلي وأحكم أسري. حين يدمدم دقاته الأولي أستشعر كياني يدبدب علي أرض احاول أن أنتمي إليها. وأتوق أن أسقط في كثافة لحمي وعظامي. وأدرك كأنه لم يكن حقيقة. كم هما كثيفان؟ وأرغب لو أبلغ بهيميتي المؤهلة للذبح. صوتي المطارد للحمي الحي خاصم جسدي وجعله كشفٍ علي نفس. وصرت روحاً مطاردة. وفي كل مرة أُنشد أشعر أن صوتي ضرير يتلمس حواس الضوء دون أن أبلغها. فأنشد أكثر عليِّ أبلغ النشوة وألمس حافة الضوء القادم. شيء ما يرق وينحني إجلالاً لِمَ لم أدرك من الأيام.
وأنا أحاول الانفلات من خرس طفولتي الأولي. وبجهد لا يقدر عليه إلا طفل ينتزع نفسه من براءة الصمت إلي خطأ الكلمات أو خطيئتها. بجهد أن يتكون الحرف علي الحرف ليمتلك زهرة الكلمة الأولي. تدبدب الحروف في فضاء أرغب من رف جناحات الفراشات، وأوسع من مدي لحظتها، فيحاصر الارتجافات علي أوائلها كي يقتنص الحرف علي رؤي تتبدي. وحين تلفه لحظة الصمت إلي الخلق تتكون الكلمة من دَهَش جرح هالة تنطبع كبصمة أبدية لن تمحي.
تلتصق الكلمات بهوام شهواتها فتتوالد. تصطخب الكلمات في بئري. وفي لحظة لا أدركها ولن، تنزلق الجملة الأولي من عماء الصوت علي مطلقه ودون عائق. فأقفز وكأن الكون قبضتي. أمضي بطفولتي والكلمات تطارد بعضها وتطاردني. لكن أحداً لا يسأل الكلمات الخارجة. حمقاء، رعناء، أو مدهشة. للطفولة مجونها
البريء، وكل الخطايا مغفورة. فجأة أصحو علي الكلمة الحرام، والكلمة الخطيئة بلا مغفرة، علي الكلمة الجريمة. أرتبك وتصبح الأيام هي الاختبار لصوتي الحي. والكلمات تتدافع إلي أن أنطوي عليها. أخاف من معرفتي فيحتبس الصوت ويصير اللسان خرقة في فم متهدل، وكلما زاد الصمت اعتقد الآخرون أنها الحكمة. لكني كنت أخبئ صوتي للحظتي .
لا ندرك معني الصمت كما ندرك معني الصوت. مازلت أذكر الرجل الوحيد الذي احتوي غربة طفولتي وقد شُل وتهدل لسانه. وهو ينتزع الثأثآت من جسده العاجز. كانما يعود طفلاً يستخرج أوائل الحروف من خلاياه. الفارق شاسع بين طفل يستنطق عالمه من خلايا تتكون فيطرد دفئها الوليد ليستقبل برداً يطرده بدافق دفء لا ينتهي، ينضح ولا يكف. وبين عجوز يجاهد أن يدفع برودة أيامه وجلط الدم لا يستكمل دورته. جسد عاجز يستجدي دمدمات الحروف المختزنة تدفئ الأيام القليلة الباقية.
امرأة حياتي كانت صوتي الذي خبأته للحظتي، وإنشادي الأول في دمي. عبر جسدها تعلمت تصفير الشفاة في الجسد الحي. بأبأة جسدها النابض حين اجتاحتني بوهجها. كنت أجوس بشفتي ولساني الساكن. تُري كيف يصير أفعي طيبة منزوعة السم تريق دسم العطر وتستنطق الخلايا. أنفي المستنشق لبخرها صار نبتة برية، فحلق إلي لغة غير مستعادة وغادر جذوره. أزحف وأتحسس مواضع الرؤي إلي الجسد الزاحف علي زحفي. حس جسدها ضوء يبرق في القلب لغة لم أعهد. ورؤي تفتح للوجود زخماً ضاق عن خبيء كهوفه. كانت طفلي علي حروفه الأولي، وكنت ثأثأتي علي أعتابها. كيف ينطق الحرف في الجسد روحاً تسح في الخلايا؟ أيصير اللحم في اللحم آية تتمجد ببخر أشباح تنفي أجسادها لتقاوم الفناء؟ كأن الجسد ينتحر بالجسد ليتجلي إلي صوت يتلاشي في رحيل الدمدمة.
حين نظرت في عينيها كانت خجلي. كأن جسدها لم يكن زبدي. كأني لم أكن منذ لحظات في لجتها. حين أطلت كنت قد أطرقت، لكني كنت أسبح فيها وأدرك اطلالتها وأحتمي. فإذا الصمت أطل أحبو إلي موضعها. امرأتي. بهجتي والحمأ الذي أطلق صوتي.
هي صوتي الأول والقرار والمنتهي. حين تمازجني وأمازجها. تراوحني وأراوحها. ترتكز علي أشواقي، أرسخ علي محورها، وننتفض علي مغاراتنا الدفينة. يتواتر منا عواء حيواني بهيج. عواء براري لم تمس. نقي. زهري. له اللون الذي لم يخلق للألوان. ومجن التجلي إذ تنسكب الأرواح في صمت بقعة الحياء، فتنطق الآه الدفينة بطعم الصلاة.
تساربني بمس لمساتها، تُنبت شعرة الصوت الأولي. صوت لم يخرج من قبل. كأنما خروج رأس طفل من رحم ضيق إلي وسع الحياة. شيء يعتصر الروح كي يخرج الصوت عن صمت مقيم. وهم كامل لشبح يقفز فجأة إلي لغة هي داخلي تبحث، فيترقرق لسان ويردد. جسدها عميق الغور في جسدي ينطق أصواتاً كانت تتهامس في كهوفي وتنضح بأغشيتها. تتسارب الكلمات الخارجة مني تصادم الكلمات المحفوظة. والمدائح المتدافعة شعراً تعلو علي كلمات حياتي المنهمرة وتتصافي علي طراوة اللحظة، فيتقاطر من صفوي لحظ شعر لم أدركه وظل يلاحقني. أعرف أني رجل بسيط. الإنشاد علمني عالي الكلمات فلم أسافلها، واللحن ضبط إيقاعي. رغم بساطة حالي لم أشبه أحداً، ولم أرغب. ربما كانت تلك غربتي أو مأساتي. بساطة اغتنت بحواس استشعرت الخوافي، وتواطأت علي رقائقها في حواشيّ وحواسي.
كهف الأصوات ينضح. لا أعرف مكمنه. أيأتيني من كون لم أدرك خفاياه؟ أم ينضح من سحيقي؟. شيء يهمس لي وأنا التمس غرس يدي في تراب حياتي "أنت الرؤي، والكون لا يكون إلا بك". أراني ضئيلاً لكن قلبي يتسع للعالم إذا تناغمت الأصوات. منذ زمن لم تعد تأتيني الأصوات علي اكتمال حروفها. رجع الأصوات علي صفائحها الأولي يرشح من شروخ بصمة الصوت فتتدافع غمغمات، طقطقات، سهسهات، رغرغات الطفل الأولي تصافح خشخشات عجوز أكلته الأيام. أنا لست نفسي إذ ينطلق الصوت. كائن خرافي يسكنني ويستبيح كوناً لم أمتلك سوي حجمي في فراغه، وذوبان حروفي في فضاء ليس أكثر من نقطة تناجي نجمة في ظلمة ليل حالك كي تتبدي.
في الحضرة كنت بقدر توحد الأصوات أشعر أنني نبتة برية. شيء ما في الأصوات المتوحدة يصاعد غربتي. ظمأ يمتص زوايا جسدي ولا يرتوي. شيء يرتد بي عن نفسي ويفصل صوتي عن جسدي. أكان جسدي ينفصل عن صوتي أم هلامي؟ تلك الحركة اللاهثة لجمع الأجساد في تطوحها خلاصاً من رعب الأصوات المتزاحمة والمتزاخمة في الأجساد. تدافع يتعارك خارجاً من زفير كأنه عراك اختزن دم العالم، وحاول أن ينفجر.
اللحظة التي انفصلت عن الحضرة كانت أعلي مراحل التجلي. وفيما كنت أطوح برأسي وجسدي رأيت من حولي أصناماً. تماثيل تثبتت في لحظتها. أتوقف الزمن أم انفتح جرح العالم في حدقة عيني؟ أذكر أن صرختي كانت هائلة. ورأيتني كائناً من بخار، وكنت أتلاشي. غبت زمناً قبل أن أستعيد، ولم أعد للحضرة.
من وقتها لم أدرك انسلاخ الضوء عن جسدي. ذلك الهلام بين لحمي الحي والضباب الخارج منه يتشكل. صوتي الخارج مني والذبذبات في ترجعاته، والأصوات في تردداتها من حولي. لا ينقذني إلا رجع صوتي إلي لهاث حلقي. أخرج. أنشد في الأسواق. في المقاهي. أشرب الينسون فتغتسل حنجرتي. أقف. أغمض عيني. يتوه العالم. ومن الظلمة يبدأ البصيص كفرز العرق. شيء ينضح زاحفاً، وكلما اتسع أتلاشي. والنبر يصاعد هش قلبي. أحاول أن أتماسك كي لا يغيب، فأعوي تحت حواسي محاولاً القبض عليها. تهرب وألاحقها. تباغتني النغمة الأولي والحرف الأول. يقفز الموت أمام عيني كأول الحياة أو احتمالها الراحل في الثنايا.
أساقط لحظتي في وجودي الحي ، فتضرب أصابعي لحم الجلد الميت للرق فيطل بصيص الحياة. تشب منابت الشعر في جسدي وترعي. أنداح إلي لحن لا يتوقف بي. لا أرغب سوي امتصاص صوتي في الآخرين. خروجي من حلقي. وتلاشي بخاري في أفق يمتد بي أبعد من حدودي إلي كون بقدر ما يجعلني أتلاشي يختزل نفسه في صفق الروح، ولا يتجلي إلا نفثات من لحن خبيء.
أهرب من الأصوات الزجاجية والرخامية إلي صوتي. أحب الزجاج إذ تتراءي صورتي عليه . ملمس بارد لكنه يستدفئ بالبشر ويشف بالصور. لكن الأصوات الزجاجية لا تشف. تنكسر كحطامه، وهناك من يعشق الحطام. أهم من حطام يعشق حطاماً؟ أنا لا اتوهم الأصوات فقد دمدمت في جوانحي واصطخبت. وأعشق لحم الرخام علي لحمي الآدمي. لكن الزجاج يختبئ في حنجرتي ، فيجرح وجدي ويبطئ الضوء ويتبدد زغب، إن لم أمتصه أصير غشاء في فراغ. والرخام علي كريم برودته لا يجلجل في الحنايا لينطق رغب همس. شيء بارد فيهما لا ينطق دمعاً أو يرف جفناً أو يطلق جلجلة ضحكي مني. من أيامي، وارتحالاتي، أو الضوء الصغير يفتتح يومي كي أغلقه علي ظلمة جفني والحلم الآتي، فأستريح.
أنشد نفسي لنفسي كي يصير صوتي كالهواء السارح في اللامدي وأضيع في اللامنتهي. وتراءت لي مشكلتي. أنني كلما أطلقته في المنتهي عاد لي. وأعثر علي نفسي فأضيعها من جديد فترتد إليَّ. وأحاول أن أعثر علي قدري، فأعثر فيه. يشيخ الزمان في لحظتي العاثرة. وأخالص رعبي من لحظتي، فأعاود الإنشاد علّ روحي تفارقني وأنتهي من عذب وعذاب جسدي وانكسارات الأصوات، وأنتهي في المنتهي بلا انتهاء. لا الصمت يرحم الصوت عن مفارقه، ولا الصوت يصامت الصمت علي كوامن حروفه. والنفس عرافة تبحث رؤاها. جرح في الزمن يعطي للأيام شرخ الصوت، ليس لحنه أو القادم من مداه.
كلما أطلقت صوتي عاد إلي جسدي انطفاء. لم أتحد بالمنتهي ولم يفارقني. أعود إلي لحمي الحي. أدافئ امرأتي وتدفئ وحدتي وتستدفئ بي. تحيطنا هالة من دفء ترتج بنا. رشح ساخن يخارجني ويتخارج منها. ينفتح وسع حياة أدركناها بالحواس شبق تقدس علي آهة أخيرة. أدركناها أو لم ندرك. تبدت كسحابة عملاقة تتمازج وتنفرط. لا نري. نعود إلي صوت ملامحنا الأولي ونندهش. ننظر في وسع عيوننا إلي بريق الأحداق. لا تري. تحس. ترتعش. أنحن؟! ومعلق سؤال يعاود رقصته الأخيرة. كي تنبت زهرة تشم روعة أحشاء روائحها، إن لم تصمت قليلاً. أتقدر.
أصامتها في اللحظة المقتدرة. تصامتني. وحس العيون ينطق بالرؤي تجس الرؤي. تفتح عبر أجسادنا رائحة من صوت دفين لم يشهق من قبل. نلتصق في ابتداء هو انتهاء. لحظة قدر تنداح بآخر خيط من صوتي في إنشاد لم يتجلّ من قبل، ولن.
كان صوتي حافتي الأخيرة كنوع من السقوط في فورتي، وجسد امرأتي يتلقفني ويرحل بي إلي سماواته. رغبة الأشواك علي سن إبرتها. إغراء غز الصوت في انطلاقته، أو ارتعاشته. كأنما هو شبح يختبر المسافة بين هلامه ووقعه. وأنا هلام يداعب ملمسه كي ينتفض إيقاعاً، ربما يتحقق علي بساطته فتنداح مساحة مظلمة وألتمس النور في عميقي. بئري الذي لم أدركه. واتدفأ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.