كانت سطح طفولتي منقوشا بمنمنمات هندسية كسطح حبة الكعك، وله نفس مذاق سكر البودرة الذي يذوب سريعا. في سهرة حضرها مجموعة من الأصدقاء من أجيال مختلفة، تذكر الجميع بشغف طقوس صناعة كعك العيد. حدث حكي متشارك بين الجميع، أحدنا يبدأ الخيط والأخر يكمل له ذكرياته. تماما كما كانت كل العائلة، بفروعها المتشابكة، تتشارك في صناعة الكعك، والذي كان يخصص له الأيام الأخيرة من شهر رمضان. في هذه الأيام يصبح هواء الشوارع والبيوت ملكا لرائحة خبيز الكعك، لاينافسه أحد ولايبسط سطوته غيره حتي مطلع الفجر. تمتليء الشوارع بطوابير من الصاجات السوداء التي يحملها أطفال العائلة وعمال المخابز علي رؤوسهم. مسارات متعرجة من الفرحة كانت تتخلق بين البيوت والمخابز. الكعك أبو عجوة والكعك أبو عجمية، وكعك المكسرات. كنا نحن الأطفال ننتظر هذا الاحتفال الموسمي، ونشارك فيه بعمل حيوانات وأشكال أخري من العجين تشغل ركنا قصيا من الصاج الكبير. ربما الحياة الحديثة أضعفت، بقصد أو بدون قصد، تلك الروابط الجماعية، بل وباعدت بين الجماعة وطقوس احتفالاتها التي تحفظ هو يتها. ولكن ماحدث في 25 يناير، أحيا تلك الروابط من جديد، وجعل تلك الطقوس والعادات الجماعية قابلة لأن تستعاد. فوسط كل مظاهرة خرج فيها الملايين، ليستعيدوا صوتهم وإنسانيتهم، كانوا أيضا يستعيدون تلك العادات والروائح المنسية في زوايا الذاكرة. في تلك السهرة التي جمعتني بالأصدقاء، بينما نحن نستعيد طقوس عمل الكعك، تصاعدت رائحته في الهواء وتشممناها جميعا. الرائحة أحد تلك الروابط اللامرئية التي ليس لها زمن محدد، فهي تعيش بالتوازي مع أزمنة حياتنا، تنتظر فقط رابطة الذكري التي ستعبر خلالها لحياتنا، لتتحول إلي رائحة لها جسم ولون وصوت. الملاحظة أن النساء هن من استعدن هذا الطقس المنسي، واتفقن فيما بينهن أن يبدأن من جديد في إحيائه. داخل المرأة كنز من الروائح المنسية، والخيوط المرسلة، تنتظر من يتلصص عليها أو يلتقطها. الجديد في هذا الحوار حول الكعك، أن الحنين كما عهدناه لم يكن هو باعث الذكريات. لم يكن الحنين القديم الذي يخفي وراءه يأس ممض بأننا نتذكر فقط مالن نستعيده كجسم ولون وصوت. بل كان حنينا للمستقبل. اختفت لوعة تذكر الماضي الذي لن يعود، وحلت محله عاطفة لماض يمكن أن يستمر، حتي ولو اختلفت شروطه. ربما الثورة هي السبب، التي غيرت من معني الحنين وزاوية النظر إليه، وجعلت من أي رائحة تهب في هواء الذاكرة جزءا من علاقة أو نسيج يربطك بجماعة لم تعد غائبة. لقد استعدنا في تلك السهرة رائحة الكعك والمخابز، والعجوة والعجمية، والفانيليا، وماء الورد، والقرفة والعجين المخلوط بالسمن. استعدنا رائحة أمهات لن نلتقي بهن إلا وسط طقوس هذا الاحتفال الجماعي.