القارئ بالضرورة شريك في الإنتاج، وفي الإبداع، جزء من البناء، وجزء من الرؤية والتصور والهدف.. القارئ الحقيقي لا يقرأ رسالة الكاتب كمتفرج محايد، ولكن يشارك فيها ويضيف إليها. "هي تعرف كيف تصمت معي".. قالها يوماً أمل دنقل عن أمه (متعها الله بالصحة).. أو قالها عن الحب في أعمق صورة، ذلك الصمت المبدع، وسادة المتعب، والاطمئنان والهدوء والثقة، والبناء الذي يتجاوز نفسه ممتداً في الآخر، لتكتمل العلاقة وتتنامي.. الكتابة تفعل ذلك، والقراءة أيضاً.. يتجاوز النص الإبداعي نفسه ممتداً في القارئ، ليخرج القارئ من ذاته ممتدا في النص.. يكتب المبدعون لأنفسهم أولاً، الكثير منهم فور الانتهاء من كتابة نص إبداعي يقرأة بصوت مرتفع، لاختبار الإيقاع والموسيقي، ووقع الكلمات علي نفسه، إنه يكتب لتحقيق متعته أولاً.. كان يحيي الطاهر عبد الله، يحفظ قصصه عن ظهر قلب، وكان قادراً علي ترديدها في أي مكان يجلس فيه، وكانت تلك متعته أولاً قبل الآخرين.. ويكتب المبدعون لأشخاص بأعينهم، يعرفونهم جيداً، ويخاطبونهم بالأسماء، يكتبون لأصدقائهم، ولمحبيهم، لهولاء الذين يعرفون كيف يصمتون معهم.. يكتب مصطفي ذكري لثمانية من القراء، يعرف أربعة منهم معرفه شخصية، ولايزال يبحث عن تحديد هوية الأربعة الآخرين! ويكتب المبدعون أيضاً لعابري الطريق، مؤمنين بالضوء الذي يسكن كلماتهم، أو طامحين إليه، حريصين علي انتشاره. تحديد القارئ ليس لفظة للاستهلاك، القارئ نفسه ليس (المستهلك) في مواجهة إنتاجية النص، أو في مواجهة الكاتب (المنتج)، القارئ بالضرورة شريك في الإنتاج، وفي الإبداع، جزء من البناء، وجزء من الرؤية والتصور والهدف.. القارئ الحقيقي لا يقرأ رسالة الكاتب كمتفرج محايد، ولكن يشارك فيها ويضيف إليها. ليست صحيحة أرقام التوزيع.. لا قراء مصطفي ذكري الثمانية، ولا قراء علاء الأسواني المليون.. تلك أرقام خادعة، وغير دقيقة.. الصحيح أن القراء احتمالاتهم متعددة، وحضورهم أبعد كثيراً من خطابات المبدعين المباشرة، أو ظنهم عن أنفسهم وكتاباتهم، أو حتي وسائل الدعاية والترويج والاستهلاك.. القراء حاضرون في فعل الكتابة نفسه، جزء من الرواية، جزء من النص، وثمة دور مقترح للقارئ يقوم به بالضرورة، وهو ما يسمح له دائماً بأن يترك شيئاً لا يقوله النص .