شيخ الأزهر يهنئ حكومة الدكتور مصطفى مدبولي الجديدة    انطلاق مبادرة المدينة صديقةً النساء في مراكز شباب دمياط    إيداع طفلة يتيمة في دار رعاية في كفر سعد بدمياط    مجلس أعمال فولكس فاجن يطالب بمكافأة للموظفين بعد انتعاش التدفق النقدي    محافظ الوادى الجديد يتابع التشطيبات بمركز تنمية قدرات العاملين بالجهاز الإدارى    وزراء التضامن والأوقاف والتنمية المحلية يفتتحون مطبخ المحروسة لتقديم 4000 وجبة ساخنة يومياً    اليابان: قلقون بشدة إزاء تسريع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية    غراهام يخاطب الإيرانيين ويؤكد: ترامب يستمع لمطالبكم والضغط على طهران مستمر    وزير البيئة الفلسطيني: ما حدث فى غزة تدمير ممنهج ومحاولة لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم    مانشستر يونايتد يتعادل فى الوقت القاتل مع وست هام فى الدورى الإنجليزى    مانشستر يونايتد يفرض تعادلا متأخرا على وست هام    محمود ناجى حكما للقاء المصري ودجلة.. والغازي لإنبي وبيراميدز    سيراميكا يحسم موقفه من تأجيل صدام الزمالك في كأس مصر    محمود صلاح يجدد تعاقده مع غزل المحلة لمدة 3 سنوات ونصف    "لن يقص شعره الآن".. مانشستر يونايتد يخطف تعادلا قاتلا أمام وست هام    موعد مباريات اليوم الأربعاء 11 فبراير 2026.. إنفوجراف    تشيلسي يفرط في الانتصار ويسقط أمام ليدز يونايتد    الزمالك يفوز على بتروجت في دوري السوبر الممتاز للكرة الطائرة    إخلاء سبيل المتهم في واقعة فتاة الأتوبيس بكفالة 1000 جنيه    فبركة الموت والتشهير بالأعراض.. كواليس سقوط "مبتز" ربات البيوت بمواقع التواصل    رحيل صحفي بطريق عام في طوخ.. والتحريات تؤكد وفاة طبيعية    إخلاء سبيل المتهم بالتحرش بفتاة داخل الأتوبيس بكفالة 1000 جنيه    رامز جلال يُغلق الكاميرات.. ونجوم الفن والكرة في مفاجآت رمضان    شيماء سيف: نفسي اتنقب واعتزل التمثيل    مسلسل قسمة العدل يتصدر تريند مواقع التواصل الاجتماعي.. لهذا السبب    انطلاق مسابقة الحديدي للقرآن الكريم في دمياط    شعبة الدواجن: زيادة الإقبال سبب ارتفاع الأسعار.. ولم نتوقع كسر حاجز ال90 جنيها للكيلو    مصادر: مراحل تسليم سلاح حماس لن تستغرق وقتا طويلا    وست هام ضد مان يونايتد.. شوط أول سلبي في الدوري الإنجليزي    هبة مجدي: المداح من أكثر المسلسلات التي ربطتني بالمشاهد المصري والعربي على مدار 5 سنوات    اندلاع حريق في محطة توليد للكهرباء بالعاصمة الإيرانية طهران    عماد الدين حسين: تأخير إعلان التشكيل الجديد للحكومة حق أصيل لرئيس الوزراء    دعاء استقبال شهر رمضان المبارك.. كلمات تفتح أبواب الرحمة وتُهيئ القلب لأعظم أيام العام    تطوير السكك الحديدية الأبرز.. 5 ملفات على طاولة كامل الوزير بعد تجديد تعيينه    أحمد سالم: منصب وزير الإعلام يحتاج لتوضيح صلاحياته    أحمد موسى: الرئيس السيسي لا يجامل أحدًا ويحرص على متابعة تفاصيل كل ملف بنفسه    جولة تعليمية لطلاب جامعة الدلتا التكنولوجية إلى متحف الجيش الثالث وقناة السويس وعيون موسى    الدعوة تجاوزت المساجد.. 10 أسباب لتجديد الثقة في الأزهري وزيرًا للأوقاف    وثيقة تكشف: ترامب أبلغ الشرطة مبكرا بأن الجميع يعلم بسلوك إبستين    بلومبرج: فنزويلا ترسل أول شحنة نفط خام إلى إسرائيل منذ سنوات    لعبة وقلبت بجد !    رئيس جامعة دمياط يستقبل وفد "استغاثات مجلس الوزراء" لتعزيز القوافل الطبية    ريجيم الأسبوع الأخير قبل رمضان لتهيئة الجسم بدون حرمان    عبير صبري تروج ل "البخت" استعداداً ل رمضان 2026    الأرصاد: تقلبات في الأحوال الجوية.. وارتفاع درجات الحرارة مستمر حتى منتصف الأسبوع المقبل    مُصلى منزلي وخلوة مع الله.. خالد الجندي يُقدم روشتة دينية للاستعداد لرمضان 2026    بعد تجديد الثقة في خالد عبد الغفار، من هم أطول وزراء الصحة بقاء في تاريخ مصر؟    أول تصريح لوزير العمل الجديد: دعم حقوق العمال وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لهم من أولويات الوزارة    التعديل الوزاري 2026| البرلمان يوافق على 14 وزيرا جديدًا    مصرع شخصين إثر انقلاب تريلا فوق ملاكي بطريق الإسكندرية الصحراوي| صور    جامعة أسيوط تنظم دورات تدريبية لطلاب برنامجي PPIS وETSP    رئيس جامعة بني سويف يشهد حفل تخرج الدفعة 24 لكلية الطب البشري    صحة الإسكندرية: 8 مكاتب للتطعيمات الدولية بعد إضافة منفذين جديدين    إصابة شخصين في حادث تصادم دراجتين ناريتين بسوهاج    وزير الخارجية: اتصالات يومية مع واشنطن وإيران لمنع التصعيد وانزلاق المنطقة إلى الحرب    الإفتاء: يجوز شرعًا تقاضي عمولة على نقل الأموال باتفاق الطرفين    وزارة الصحة تستعرض "المرصد الوطني للإدمان" أمام وفد دولي رفيع    برلماني يحذر: الألعاب الإلكترونية والمراهنات الرقمية تهدد سلوك النشء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نعمان عاشور.. وباليتة الوجوه المسرحية
نشر في أخبار الأدب يوم 07 - 05 - 2011

فى أثناء عقد قران ابنته الكبرى أبدا - وعلي عكس مما قد يظن - لا تمثل الكتابة عن الراحلين مهمة أسهل من الكتابة عن الأحياء بالرغم مما يكتنف هذه الأخيرة من توقعات الرفض والمراجعة والرد العدائي وتوقعات الخصام أو إجراءات الاختصام أدبيا كان أو قانونيا . فيما يظن البعض أن التعرض لمن فارقوا يشبه أن يكون حرثا في أرض مستباحة أو نيلا ممن أصبحوا غير قادرين علي رد التهم أو دحض الأكاذيب أو التصدي للافتراءات ؛ وبخاصة إذا صدرت من بعض من لا يراعون حرمة لذلك الصمت الإجباري المفروض علي الراحلين . من هنا و من هذه النقطة بالذات ؛ تصبح الكتابة عنهم فعلا أخلاقيا ملزما _ حتي لو كان مجهدا _ لكونه يتطلب وبالضرورة نوعا آخر من موضوعية الرؤية وتنزّه الحكم وحيادية التفسير تحاشيا للسقوط في خطيئة الانتقاص أو درءا لاقتراف رذيلة المبالغة في التعظيم والتفخيم !
ولأن نعمان عاشور الكاتب قد نذر نفسه منذ البدء كاتبا مصريا وطنيا مؤمنا ب " حركة " الثالث والعشرين من يوليو 1952 م - وظل مخلصا لمبادئها حتي لو ناله منها الكثير مما يكره ويكرهه الأحرار والوطنيون المخلصون بل يمقته بنو البشر الأسوياء عامة- هذه الحركة التي أيدوها وتعلقوا بها نتيجة شوق حقيقي ولهفة عارمة لأن تكون ثورة بحق وأن تؤتي أكلها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بل "إنسانيا" في المقدمة حين يصبح شعارها الذي صعّدته الحناجر كافة آنذاك "ارفع رأسك يا أخي فقد مضي عهد الاستعباد " حقيقة لا تقبل الشك وواقعا لا يحتمل مظنة التأويل. والتي من أجل ذلك الشوق وتلك اللهفة شفعت الأحلام لما ارتكبته في الواقع من تجاوزات فيما لا يقبل التجاوز وهو الديمقراطية . وتسامحت في تعطيل ما لا يجوز تعطيله وهو حرية ممارسة الفكر وانطلاق التعبير عن الآراء . كنا وكان الكتاب والمفكرون والسياسيون التقدميون بأغلبيتهم يبررون ذلك ملتمسين للسلطة العذر حتي يتم لها البناء . ومقدمين لها الأعذار إلي أن تتحرر فلسطين . لكن لحظة أن وقعت الواقعة .. لحظة التأكد من الهزيمة .. لحظة الاحتراق بنار الخيبة والتمرغ في مذلة الانكسار ؛ لم يكن هناك بدُّ من المراجعة ولا بديل عن إعادة الرؤية كي يكتشف الجميع _ سواء من الذين تحملوا العسف والقهر والتكميم والمصادرة والتمسوا لمقترفيها وبطلها الأعذار ؛ أو من الذين أعلنوا تمردهم عليها ورفضهم لها منذ البداية فتحملوا بالطبع أكثر مما يكرهون _ أنهم خذلوا وأن أعواما عزيزة من أعمارهم قد أهدرت مثلما خدعتهم الأحلام فتهشمت صورة " الأخ الأكبر big brother ومعها نظرية " الطاغية العادل " كي تبدو تحتها عبارة واحدة مؤكدة هي " أنه لا صلاح إلا بالديمقراطية ولا انصلاح بغير حرية التعبير .. هذه العبارة التي تأخر تحققها كثيرا ودفعت مصر بسببها أثمانا وأرواحا غالية خائضة في بركة من الطغيان ظل يتفاقم حتي كانت الثورة الحقيقية ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م تلك التي يسطّر دفتر أحوالها الآن وقد رفع شعلتها شباب " الفيس بوك " ليس كفعل معزول مٌنبتِّ مفاجئ بل نتيجة لكمّ هائل من تراكم الغضب وتراكم التمرد وتراكم محاولات التحريض ودعوات الرفض والتثوير طيلة العقود الماضية التي سبقتها حتي وصلت الحرارة إلي درجة الاشتعال فاشتعلت وأشعلها الثوار في ميدان التحرير !
لماذا أكتب كل ذلك ويوشك أن يستغرقني ويجرفني بعيدا عن مقصدي الأصلي وهو الكتابة شهادة عن شخص نعمان عاشور وفنه؟ .. أظن بل أرجو أن أكون قد بررت ذلك بمفتتحي عن كونه كاتبا مصريا ثوريا تقدميا لم يمنحه القدر العيش حتي يفرح برؤية التحقق هو وزملاؤه الكثر من أصحاب الأقلام المناضلة التي تشوقت للفعل التاريخي العظيم وحلمت وبشرت به كل علي طريقته وحسب نوع إبداعه ونهج أسلوبه الذي هو في حالة نعمان عاشور المسرح في " واقعية اشتراكية " ظل مخلصا لها ولدوره الذي آمن بقدرته علي التحريض والإعداد للتغيير منذ بداياته " البسيطة " في المغماطيس وسينما أونطه. وباللهجة العامية التي اعتقد جازما ليس في ضرورتها بل أيضا في قدرتها علي التعبير عن أفكاره وحمل عالم المعني الذي يهدف إليه والقدرة علي التأثير الجمالي في جمهور المشاهدين من مواطنيه المصريين الذين يعرفهم جيدا ويعرف كيف يمرر مخلوقه الفني - إبداعه إليهم ويجعله قادرا علي التأثير فيهم بتحقيق المتعة ومعها إعمال التفكير !
هنا لا بد أن أعترف أو علي الأقل لا أنكر " تاريخية " هذه الأعمال الأولي لنعمان عاشور . وأعني بهذه التاريخية قيمتها الفنية في زمنها " المختلفة عن قيمتها الآن " وقد كانت بالفعل تساوي الكثير في وطن تحرر ونهضة يبشر بقدومها وعدالة اجتماعية في طريقها إلي التحقيق حتي لو تأخر تيار الديمقراطية أو أعيق " مؤقتا " كأولوية قيل إنه ينبغي تأجيلها من أجل مشروع التحرر الكبير ! بل - إنصافا للكاتب _ فقد كان لا بد لقيمة الأعمال البادئة الأولي أن تتراجع مع حراك نضجه المطرد الذي توج بصيحته المسرحية المدوية في " الناس اللي تحت " متأثرا برواية مكسيم جوركي الشهيرة " الحضيض " : تأثرا شرعيا وليس سرقة ولا نقلا . ثم تماما مثلما تأثرت " الأرض " تحفة معاصره الكبير عبد الرحمن الشرقاوي برواية "فونتامارا _ إينازيو سيلوني" الإيطالية. ومثل ما تأثر صلاح عبد الصبور _ في الحلاج _ بجريمة قتل في الكاتدرائية ت.س.إليوت!
وهكذا تدافعت انطلاقة مسرح نعمان عاشور الواقعي الاشتراكي مجسدة صراعاته وهمومه باختيار أشخاصه من واقع المجتمع المصري خروجا من القاع بمشاكله إلي الطبقة المتوسطة المبشرة بأحلامها والطبقة الأعلي المخلوعة بتفاهتها وتأخرها وتقادم ملامحها وانتهاء دورها في أعمال قدر لها أن تري النور علي أهم خشبات المسارح المصرية سواء مع فرقة المسرح الحر أو مع مسارح الدولة المدعومة بكامل طاقاتها واحتياجاتها وتألقها بالمشاهير بفنانين مشاهير _ أو أصبحوا بفضلها من المشاهير حيث تجلت مواهبهم وقدراتهم مثل عيلة الدوغري وبلاد بره والجيل الطالع وبشير التقدم رفاعة رافع الطهطاوي وإثر حادث أليم . وقد انتظمت جميعها في سياق نابض فعال يمثل " حركة مسرحية " مهما قيل في تقييمها مبالغة أو انتقاصا . حركة حقيقية وليست مجرد " هوجة " أو زخم في الإنتاج عشوائي لا يعرف خطة ولا يسير حسب منهج مثلما هو ضال للطريق لكونه لا يعرف له جمهورا ولا يريد أن يتعرف إليه أو هو عاجز عن ذلك بالفعل . ولأن الحركة تعني وجود اتجاه غالب واتجاهات متفرعة تسير في ظله وتوازيه وتجد جمهورها معه مثلما تحمل طموحا فنيا وسمات تجديدية فنية علاوة علي »هموم عامة « وأحلام مشتركة للبشر الذين يشاهدونها معبرة عنهم وممثلة لنماذجهم وأنماطهم حاملة لاتفاقاتهم وأمينة علي تجسيد اختلافاتهم كذلك . وهكذا كان مسرح الستينيات مسرحا " ذا توجه عام " يمثل قاسما مشتركا مهما كانت اختلافات المناهج وتباينات الأساليب . بل هو خصب بسبب ما حمله من تنوع وما جسده من تباين . علاوة علي اقترانه
بحركة نقدية نشطة وإثماره لإصدارات ورقية من مجلات ومطبوعات ونصوص . إضافة إلي تعدد الفرق المسرحية مع وضوح توجهاتها ودقة خياراتها الممثلة لتلك التوجهات . فمثلما كان المسرح القومي يعرف دوره ونوعية نماذجه وكذلك بقية الدور المسرحية : الحديث والجيب والحكيم . كان جمهور المسرحيين المتخصصين ومعهم عشاق المسرح - من عامة المشاهدين أو من رواد المسرح الجامعي والمدرسي والجيوب المسرحية الطليعية المهمة مثل : مسرح العلبة والورشة ونادي المسرح .. إلخ - يتابعون الحركة النقدية ويعرفون أسماء نقادها مثل لويس عوض ومحمد مندور ورشاد رشدي وأنور المعداوي ولطيفة الزيات وشكري عياد من جيل الأساتذة، وعبد القادر القط وفاروق عبد القادر وسمير سرحان ومحمد عناني وفاروق عبد الوهاب وغيرهم من الجيل الأصغر سنا . بل أكثر من ذلك يعون اختلاف مناهجهم وفروق أفكارهم وينتصرون لآرائهم أو يضادونها . وبما كان يمكن له أن يمثل حركة مسرحية حقيقية وناضجة لولا اعتراضه بهزيمة 1967 ثم الانشغال العام عنه بمحو آثاره وإزالتها، إلي أن تم التحول التدريجي ثم الانصراف شبه الكامل مع الاتجاه العشوائي المعروف إلي سياسة الانفتاح وما أدي إليه عداء الدولة الشهير في السبعينيات للمثقفين !
وكي لا تجرفني الرغبة في التحليل العلمي وتتبع النظر المتعمق في خارطة المسرح المصري - منذ الستينيات والتي كان لا بد من وضع ما يشبه رسما تخطيطيا لها كي نتوقف عند نعمان عاشور _ أعود لصورة الرجل كاتبا وإنسانا مسجلا ما ظننت في البداية أنه كان لا بد أن أبدأ به حينما رأيته للمرة الأولي أواخر عام 1967م حينما قدم إلينا أستاذا زائرا بقسم النقد بالمعهد العالي للفنون المسرحية فتدفقنا علي مكان محاضرته ننتظره قبل موعدها. كنا قد استبقنا رؤيته بالقراءة له وربما بمشاهدة بعضنا لإحدي مسرحياته . بينما البعض الآخر وأنا منهم كنا قد شاركنا في تمثيل مسرحيته " الناس اللي تحت " مع فرق المسرح الجامعي المزدهرة . وجاء : رأيناه بملامحه الخاصة جدا والمميزة.. الأنف الغريب المضغوط بشدة والوجه المسحوب بتفرد . لم يكن شابا وسيما يسحرنا مثلما كان نجيب سرور الشاعر والثوري المتمرد والمناضل والعاشق . كما أنه لم يكن لينافس أيا من النجوم الذين فتنا بهم في ذلك الوقت . هكذا قلنا لأنفسنا متهامسين : زميلنا لينين الرملي وصديقي الكاتب المسرحي الراحل محمد زهدي وأنا : " ليس في كتابنا أو شعرائنا من هو في وسامة نزار قباني أو محمود درويش وسميح القاسم ؟! لا صلاح عبد الصبور حزين الوجه ولا محمد عفيفي مطر بسحنة الفلاح المصري الذي أضنته المعاناة وناهيك عن وجه أمل دنقل ضمن فصيلة الشعراء الكبار . أما الآخرون أصحاب الوجوه الحالمة والسحن الرومانسية فضعفاء أو محدودو الموهبة. لم يخرج نعمان عاشور إذن عن " باليتة " الوجوه المسرحية : ألفريد فرج وميخائيل رومان. لكن ما إن بدا صاحب ذلك الوجه المميز في الحديث حتي خيم السحر علي الجميع . إنه يعرف كيف يتحدث !!! كيف يخرج منه الكلام دافئا وإن كان عصبيا .. فهو يتدفق طيبة _ في سمة هي أكثر سمات شخصه تميزا _ وحنونا فيتملكنا جميعا ونحبه إلي درجة دفعتنا " نحن ديوك المسرح الفتية المغرورين العصبيين " أن نؤجل هجومنا أو نقدنا " المعد سلفا " عليه . ونظرنا إلي أكثرنا دوجماطيقية وتوترا : زميلنا المرحوم عادل العليمي الماركسي المتعصب في عجرفة وغير القابل للمناقشة نرجوه أن يهدأ لأن الرجل رقيق وينضح طيبة . لكن العليمي لم يعجبه ترفقنا ولا ميوعة موقفنا حسب تعبيراته المؤدلجة فاصطدم بالأستاذ نعمان ناقدا أعماله دون أن يسمح سياق الدرس بذلك فقد كنا في محاضرة من محاضرات مادة فن الكتابة المسرحية !
ولأن الرجل _ مرة أخري _ كان رقيقا ولينا ودمثا _ مع صغاره الواعدين في قاعة الدرس _ فقد أخجلت رقته وصبره وهدوؤه زميلنا فانقلبنا جميعا عليه وصرنا كلنا نحب نعمان عاشور حتي لو اختلفنا مع ما يكتبه أو تعالينا بقراءاتنا العالمية عليه. ( للعلم كان الرجل يعرف المسرح العالمي جيدا.. يتحدث عن شكسبير كعالم ويتعرض لإبسن وتشيكوف وجورج برنارد شو كمتخصص ويعلمنا فن الكتابة بحرفية متقنة لم نندهش حينما أخبرنا أستاذنا الحنون الجليل أحمد عباس صالح أن نعمان عاشور متخرج في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب ) ..! لكن هذه الرقة كانت تفور دائما وتشتعل بعد كل عرض لعمل مسرحي جديد يكتبه . ثورة يجابه بها المخرج " الذي لم يفهمه ولم تعثر فطنته علي عالم المعني الذي قصده أو الذي انحرف بكلماته عنه وأخرجها عن مقاصدها أو الذي لم يقم بواجبه في تعريف الممثلين بأدوارهم كما كتبها مثلما أخطأ في فهم ما يتضمنه المعني الذي قصده وخبأه مضمرا بين السطور" !
نعم كان نعمان عاشور المؤلف المسرحي يتحدث عن منهج نقدي لما يكتشف آنذاك بعد . يتحدث عن " الهرمنيوتيكا " التي لم نكن نعرفها .. عن التأويل الضال أو المضلل في فهم النص وتناوله دون أن يعرف هو نفسه ذلك المصطلح ؛ وقبل أن يصل إلينا مفهوم الدراماتورج والدراماتورجي أو يعرف طريقه إلي قاموس مصطلحاته حتي لو كان قد سمع به آنذاك!
ولم نكن بالطبع نولي قدرا من العناية المناسبة لتلك الإشكاليات المهمة "إشكالية المؤلف في مواجهة المخرج ... التجسيد في مواجهة التأويل .. معرفتنا وقدرتنا علي استنطاق العمل الفني المسرحي وسبر أغواره واستخراج كنوزه .. تعدد الرؤي بتعدد زويا التناول .. الأوجه المتعددة للنص .. المخرج المنفذ والمخرج المفسر والمخرج المبدع المضيف" التي تقدم البحث فيها مؤخرا أو بالأصح وصلتنا متأخرة علي يد المبعوثين أو المترجمين الذين طالما وضعت معرفتنا وثقافتنا تحت صدفة خياراتهم لما ينقولونه إلي لغتنا!.. وهكذا كنا ننقسم ونتشيع في مواقفنا من أطراف معركة نعمان عاشور مع المخرج ..وياله من انقسام رائع وتشيع رفيع ! .. ترتفع فيه حرارة الندوات وتشتعل المناقشات وتتصدر الآراء الموالية والمعارضة صفحات الصحف _ وليس مجلة المسرح المتخصصة وحدها فحسب _ فقد كان لكل صحيفة ناقدها الأدبي والمسرحي المتخصص : لويس عوض يكتب في الأهرام وأحمد عباس صالح في الجمهورية ونعمان عاشور وأحمد رشدي صالح في الأخبار ورشاد رشدي في المسرح ... إلخ . وقبلهم جميعا كان يكتب شيخ النقاد محمد مندور وكذلك كان يكتب عبد القادر القط وكانت تكتب لطيفة الزيات وخلفهما كتيبة الواعدين .
لكن المثير بالفعل والمعجب الرائع هو شكل الاختلافات وتجسدات الاختلاف . كان محمد مندور ورشاد رشدي علي طرفي النقيض : محورين متنافرين في الرؤية وفي الرأي . ولكل منهما جبهته وأنصاره ومريدوه . مندور التقدمي الذي يؤمن بأن الفن للمجتمع ويمسك بدفة هذا الاتجاه . ورشاد رشدي في الطرف المقابل يبشر بالفن للفن ويروج له . وبينهما يتحزب الباقون ويقف نعمان عاشور ضمن جبهة مندور والتقدميين الاشتراكيين مدافعا عن غائية الفن والوظيفة الاجتماعية الثورية ومطلب التغيير بالمسرح . لكن كل ذلك _ وهو الأروع _ يدور في احترام رفيع وضمن إطار أخلاقي محتشم كما يليق ب " أولاد الأصول " كما كان يحب المصريون أن يعلقوا . يتشاجرون علي صفحات الجرائد والمجلات وفي الندوات ثم يأخذون بعضهم بعضا بأحضان حقيقية ويذهبون معا إلي »نايت آند دي« في فندق سميراميس القديم أو إلي مقهي إيزافيتش بميدان التحرير أو ريش بشارع طلعت حرب . فيتسامرون ويضحكون وقد يقضي أحدهم بقية الليلة أو ليالي وأياما أخر في صحبة مباحث أمن الدولة أو يلتقون معا في سجن القلعة أو سجن طرة. ففي عهد مصر "الاشتراكية" لم يكن أحد بمنجي من المعتقلات سوي القليل حيث لا بد وأن يكون واردها أو ساعيا إلي ورودها كي يدمغ بخاتم المعتقل ويكتب عنه أنه "مناضل"! ولهذا حديث آخر فكه ولكنه أيضا ذو شجون.
ما الذي يتبقي من نعمان عاشور الكاتب المسرحي الآن؟ هل يمكن إعادة عرض أعماله ورؤيتها مرة أخري ؟.. هل يعاود الاستمتاع بها ثانية ؟؟.. أي نقد سوف يوجه إليها أو كيف تبدو في عين الناقد الآن بعد كل ما أصاب العالم من تغير وحدث للوطن من تغيير ؟ كيف سيتم تلقيها، وأي جمهور سوف يتحمس لها أو يعرض عنها ؟؟... هل تحتمل إحداث تعديلات أو تغييرات فيها، وما هي إذن؟.. هل يمكن أن تلعب طرائق الإخراج المسرحي وتقنياته العصرية المنجزة دورا في إعادة عرضها الآن ؟
أسئلة لا بد من طرحها أولا في قاعات الدرس المتخصصة وضمن ورش العمل الخاصة وعلي جمهور تجريبي ذي عينات عشوائية وعينات منتقاة. وقد طرح مثلها مسبقا ولا يزال يطرح حول أعمال كتاب كبار مثل برتولت بريخت ومكسيم جوركي وجورج برنارد شو وآخرين لهم أهميتهم من الكتاب الأيديولوجيين وغيرهم . بل هي أسئلة أزعم أنه لا بد من إثارتها بين الحين والآخر وبخاصة في ظل التغيرات المطردة في الذوق والتوجهات والتفضيلات فناَّ وفكرا علي مستوي العالم كافة. إنهم يعيدون تقييم ثقافتهم ومخرجات إبداعهم فلم لا نفعل ذلك نحن أيضا ؟.. إن إعادة الرؤية مطلوبة وإعادة التقييم لازمة وفق منهج علمي مدروس ليس لنعمان عاشور وحده أو لكتاب جيله معه بل لعصورنا الأدبية والفنية كافة بمبدعيها وصنوف إبداعها. ومن مثل ذلك التقييم يحدث التجدد .. تخرج الأرض ثمارها كنتيجة للتفاعل بين الموروث والمستحدث . بين التقاليد والمواهب الفردية. وبفضله أيضا نكتشف أن أجدادنا الراحلين لا يزالون أحياء مؤثرين فينا يضيفون إلي إبداعنا برغم حداثته. مثلما نضيف إلي إبداعهم بتجديد اكتشافنا له . إنها دعوة إذن لتعريض مسرح نعمان عاشور لضوء نقدي أحدث وتقديمه وفق إبداع جديد. ولكي يرد غيابه إلي أسبابه الحقيقية فنعرف إن كان هو غياب الكاتب أم غياب المسرح : غياب المؤسسة أم غياب المفكرين لها؟.. غياب المسرحيين الحقيقيين أم تغييبهم المتعمد وتغييب حركة النقد الباعث المحرك الذي بإمكانه أن ينقذ الساحة من الأدعياء والمرتزقة وأرباع الموهوبين حتي لو علقوا علي جباههم الشهادات وجأروا بأصواتهم في زفة الثورة وسبحوا في اتجاه أمواجها مدعين المطالبة بالتغيير؟!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.
مواضيع ذات صلة