«خزنة الكحك» ب39 ألف جنيه.. هل أصبح الكحك استثمارًا؟    هيئة محلفين أمريكية: إيلون ماسك ضلل المستثمرين أثناء شراء تويتر    الحرس الثوري الإيراني يحذر المواطنين والمقيمين في مدينة رأس الخيمة في الإمارات ويدعوهم للمغادرة فورا    وسائل إعلام إيرانية: هجمات واسعة تستهدف أصفهان وبندر عباس وبوشهر وشابهار    برونو فيرنانديز: قدمنا ما يكفي لحصد ال 3 نقاط ضد بورنموث ولكن    مؤتمر مدرب الجيش الملكي: نريد كتابة صفحة جديدة في تاريخ النادي أمام بيراميدز    بعد نشره صورة مع حاكم دبي، طرد سردار آزمون نجم إيران من منتخب بلاده بتهمة الخيانة    احذروا التقلبات مستمرة، الأرصاد تعلن تفاصيل حالة الطقس ثاني أيام عيد الفطر    مصرع شاب وإصابة اثنين آخرين فى حادث تصادم بصحراوى البحيرة    آثار حريق شقة تفحمت ليلة العيد بدمنهور.. ورب الأسرة: عيالي مالحقوش يفرحوا    تقارير: كانييه ويست يحيي حفل افتتاح كأس العالم 2026    الشركة المنتجة لمسلسل السرايا الصفراء تدرس عرضه في أبريل المقبل    الصحة: الإفراط في تناول الحلويات والأطعمة الدسمة في العيد يسبب مشكلات هضمية ومضاعفات لمرضى السكر    البيت الأبيض يعلن خطة الحسم ضد طهران    في زمن الحروب والأزمات الاقتصادية.. كيف تستثمر أموالك بأمان؟    جهود مكثفة لكشف غموض العثور على جثة عامل بالبحيرة    «صحة الجيزة»: انتشار فرق المبادرات الرئاسية بالساحات العامة خلال عيد الفطر    استخراج ملعقة من معدة فتاة 19 عامًا بمعهد الكبد فى المنوفية    ترامب يوافق السيناتور جراهام في إعادة النظر بمسألة بقاء القواعد الأمريكية في إسبانيا    ترامب: على دول الناتو المساعدة في تأمين مضيق هرمز    روسيا تعلن إسقاط 66 مسيرة أوكرانية فوق أراضيها خلال 3 ساعات    صعود النفط يربك الأسهم عالميا ويبدد رهانات خفض الفيدرالي أسعار الفائدة    العراق.. هجوم صاروخي يستهدف قاعدة فيكتوريا الأمريكية بمحيط مطار بغداد الدولي    «المراكز الطبية» تتابع سير العمل بمستشفى الهرم التخصصي خلال أيام العيد    فيفا يزيح الستار عن أولى أغنيات كأس العالم 2026    أمطار رعدية ورياح قوية تضرب الإسكندرية.. واستعدادات مكثفة لمواجهة الطقس    أخبار × 24 ساعة.. التعليم: لا صحة لعقد امتحان مجمع للصفوف الابتدائية لشهر مارس    إيران: مشاركتنا في كأس العالم 2026 مؤكدة    أليسون يغيب عن قائمة البرازيل أمام فرنسا وكرواتيا    محمد سرى يستقبل عزاء والدة زوجته الإثنين فى مسجد الكواكبى    باسم سمرة يكشف أصعب مشاهده فى عين سحرية.. ويؤكد: المسلسل يناقش قضايا حساسة    رحيل أسطورة الأكشن تشاك نوريس يثير تفاعلا عالميا واسعا.. نتنياهو: فقدنا صديقا مقربا لإسرائيل    هل انتهت مسيرة ألكسندر أرنولد مع منتخب إنجلترا؟    وزير الخارجية يشارك فى اجتماع رباعي مع وزراء خارجية السعودية وتركيا وجمهورية باكستان الإسلامية    في حضرة الحكمة والخدمة | المطران ذمسكينوس في حواره مع "البوابة نيوز": محبتي لمصر ليست مجرد إعجاب بل ارتباط عميق بأرض احتضنت التاريخ واحتضنت الإيمان    نجمتا وادى دجلة نادين الحمامى وهنا معتز تتأهلان إلى الدور نصف النهائي لبطولة JSW الهند المفتوحة 2026    في أول أيام العيد.. ميناء الإسكندرية يستقبل أحدث عبارات الرورو    الشوربجى: الصحافة القومية الأمين على الذاكرة الوطنية بما تملكه من كنوز صحفية وثائقية أرشيفية    الحماية المدنية تخمد حريقا بمخزن خردة في الفيوم    عيد الفطر المبارك .. حلول سريعة لمعالجة مشكلة حموضة المعدة    السفير عاطف سالم ل "الجلسة سرية": 900 ألف مهاجر غادروا إسرائيل منذ عام 1948    مجدي حجازي يكتب: «للصائم فرحتان»    أحمد عزت يكتب: كلنا واحد    عيد الأم 2026.. من أين جاءت الفكرة وكيف انتشرت حول العالم؟    طلاب جامعة العاصمة يشاركون في احتفالية "عيد_سعيد" بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي    تشكيل غرفة عمليات مركزية بالمجلس الأعلى للآثار خلال أيام عيد الفطر    تخفيض سرعة القطارات بسبب الأتربة وانخفاض مستوى الرؤية    القابضه للكهرباء تكشف حقيقة استدعاء 10 آلاف مهندس وفني من الخارج    الذهب المصري يتماسك في عيد الفطر مع ثبات الأسعار العالمية    وسط آلاف المصلين.. محافظ الأقصر يؤدي صلاة عيد الفطر بساحة سيدي «أبو الحجاج»    بعد صلاة العيد .. مصرع شاب في مشاجرة مسلحة بقنا    بالجلباب الأبيض.. الصغار يتصدرون المشهد في صلاة العيد بكفر الشيخ    الرئيس السيسي يشهد خطبة عيد الفطر.. والإمام: يا شعب مصر سيروا ولا تلفتوا أبدا لصناع الشر    الآلاف يؤدون صلاة عيد الفطر المبارك داخل الساحات والمساجد بالمنيا (صور)    الرئيس السيسى يؤدى صلاة عيد الفطر المبارك فى مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الجديدة.. رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وعدد من المسئولين فى استقباله.. وخطيب المسجد: العفو والتسامح طريق بناء الأوطان    فجر العيد في كفر الشيخ.. روحانية وتكبيرات تعانق السماء (فيديو)    حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم العيد؟.. دار الإفتاء تجيب    صندوق النقد الدولى: مرونة سعر الصرف مكنت مصر من الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خريف باريسي
نشر في أخبار الأدب يوم 27 - 11 - 2010


Photo:John Crosley 1
هل كنتُ أقرأ شيئا ما في ذلك اليوم؟ هل كان جريدة أم كتابا؟ لا زلت لا أعرف لِمَ تزداد شراهتي للقراءة حين أتحرّك. لا أكفّ عن قراءة الكتب والصحف التي أمامي(صفحتي الرياضة والاقتصاد أيضا أقرأهما سطرا سطرا وقت السفر وأتعجّب من نفسي )..أقرأ الوجوه والعلامات والأفكار حتي يُهيّأ لي بأنني مجنون. يحدثُ في مرات عديدة أن أقرأ كتابا وأتأمّل في الوقت ذاته صمت امرأة تشاطرني مقصورة قطار ما وأفكّر في وجهتها التي يُحتمل أن تكون منزل حبيب يصطاد اللذة أو جنازة تبكي عندها فقيدا أو أسرة تعانقها ويهنأ بالها.. أحيانا أدندنُ في سري بأغنية أكتشف أنها تُلائمُ وضعاً ما عشته قبل لحظات أو سأعيشه بعد لحظة وأحيانا تمرّ بخاطري ذكري مِنْ تهيّج الحواس برائحة خفيفة أو صوت بعيد أو تفصيل صغير..كلها أمور داخلية وبوح حميم،فما المهم في كل هذا؟ لا شيء تقريبا، لا شيء تقريبا، لكنها سكة الحياة..
حسنا. في المسافات دائما أفكّر وأدبّر و أحْسِبُ الحساب فما الذي يحدث في هذه اللحظة؟ يحدث الأمر ذاته علي الأرجح. حساب وخلقٌ وتفكير.أنا في مطار "أورلي" بباريس، متعبٌ من البحث عن وسيلة نقل لأنني لا أعرف الأمور.ثم أجد نفسي فجأة رفقة خلقٍ كثير في باص، في الطريق إلي داخل المدينة. أركبُ الأتوبيس باتجاه محطة الشمال، لأستقلّ القطار بعدها إلي وجهتي. وعلي مقعدي، أتفرّس في امرأة ملامحها مغربية، تخاطب ابنها البعيد قليلا عن مقعدها وتطلب منه شيئا،تُحرّف اسمه قليلا .هو لا يسمعها فتناديه:
- ضْغِيسْ..ضْغِييسْ.(تريد إدريس) .
قد يكون نداؤها عاديا؛ نداء امرأة يصعب عليها نطق كلمة "إدريس"، لكنني بقيتُ أفكّر بأن دمج الاسم في المنظومة اللغوية السائدة ينبغي أن يجعله شبه منحرف. ثم ربطتُ ذلك بأفكاري حول الاندماج ومشاكله قبل أن يتوقّف الباص (عالم داخلي أجوف ناقص ممدود).. وعندما نزلتُ من الباص ظلّ صدي "ضْغِيس" يتردد بداخلي...
في القطار من باريس باتجاه "نوجون سير سان"، البلدة البعيدة، يرتسم هدوء يكاد المرءُ يتحسّسه بظاهر اليد.وحشةٌ في الطريق ووحشة في المكان.الخريف ظاهر بلا مجهود.لا شيء يكسِر الوحشة غير موسيقاي جنب الأذن. ناس الغيوان الذين ترافقني أنغامهم طوال الرحلة وأنا أردّد في داخلي معهم :
"ارْفَقْ يَا مَالْكِي بْعَبْدَكْ وَعْطَفْ يَا صَابْغْ النّيَامْ
يَا بَدْرْ نْبَا مَنْ لَغْياَمْ
يَهْدِيكْ الله لاَ تْعَذَّبْ قَلْبِي قَاسِيتْ مَا كْفَا"
سوف يرافقني ناس الغيوان بعد ذلك لمدة طويلة وسأكتشفُ أنّ ما خططتُ له من الانغماس في موسيقي أخري ،ولو لوقت، لن يكون ممكنا بشكل دقيق. علي الأقل، سأحافظ علي الموسيقي لأن ما حدث من تغييرات كان كافيا بالنسبة لي..راكب اسباني بقربي يداعب حاسوبه الأنيق ويتحدث في الهاتف بهدوء..أتذكر فاتورة الهاتف في المغرب وشركات الاتصال التي تسرقُنا فأحسّ برعشة في الظهر...
في "نوجون سير سان"، المنطقة التي تبعد عن باريس خمسين دقيقة عبر القطار وعشرين أورو تقريبا، توقّفت بنا الدّابة الحديدية. المنازل علي الطريق قليلة واطئة أنيقة ككل أرياف أوروبا الجميلة.خضرة الحقول والقرميد الذي يغطّي الأسطح تطغي علي المشهد كلّه وتعاكسُ الصورة المعتادة لصحراء تربّت عليها المخيلة. مطر خفيف يُفترض أن يبعث البهجة لكنه هذه المرة يزرع الكثير من الشك والخوف والوحشة والإحساس المبهم باليتم. العالم أصبح فارغا فجأة وغابت بهجة الأسواق الشعبية والصراخ والعالم الحي.أدركتُ بعد السفر لمرات عديدة أن كل بلدان العالم وإن كانت جميلة لا يمكن أن تُقارن بالمغرب، ولا يتعلّق الأمر هنا بمحبة البلد أو الحنين الذي ينتاب كل غريب أو حتي بادعاء وطنية زائفة.الأمر حقيقي مجرّب، ولعلّه السبب الذي يدعو الكثير من الناس إلي الاستقرار بالمغرب حتي ضاقت بنا نحن أبناء البلد سبُل الحياة..أصبحتُ أفهم أيضا (عالم أجوف من جديد) بأنني كائن لابد له من القليل من الحزن عند كل تغيّر، وبعدها أنسجم مع الإيقاع ويكون ما يكون..
في محطة القطار ستزداد الصورة اتّضاحا: كائنٌ ينزل بمنطقة صغيرة باردة اسمها "نوجون سير سين"، وسط خلق سرعان ما تفرقوا، مرتدين معاطف وممسكين بحقائب أنيقة كما لو كانوا ممثّلين في فيلم، بينما تركّز عليه الكاميرا فتراه وحيدا وسط الخريف والمطر الخفيف. يا لطيف !.. تدور الكاميرا في الاتجاه الثاني وتركّز علي وجوههم المغتبطة وهم يتجهون نحو سيارات تنتظرهم في شوق، بينما الغريب يغالب حقيبته الكبيرة العامرة بالكتب وملابس الشتاء.لا أحد في انتظارك لكن ضوءاً نازلا من الهضبة الصغيرة للمحطة وسيارة تتحرك باتجاهك يغيّران الصورة التي جعلتك تقطع اللحظة عن مسار الزمن وتضع الكاميرا علي الرّف. يسألك صاحب الطاكسي إن كنتَ الكاتبَ المقصودَ وكأن ثمة أحدا غيرك في المحطة !!
2
لأيام، ظللتُ أقرأ وأكتب وأعيش إيقاع الجماعة. ثم خرجتُ أتجوّلُ و أكتشف المكان، وعند ممّر يطلّ علي نهر السين، وجدتُ بابا عليه عبارة "closed keep it ". و كما حدث في الحكاية القديمة تماما أكَلَنِي الفضول ففتحتُ الباب.. ثمة حكاية في ألف ليلة وليلة يفتح بطلها بابا محظورا فيطير به طائر عظيم ويرميه بعيدا عن المكان.أما أنا فلم يظهر لي طائر الرّخ الكبير بل ظهرت امرأةٌ عجوز تمسك بمفتاح، وقرأتُ في عينيها ما يفيدُ أنني اقتحمت خلوتها.في الاتجاه الثاني وجدتُ نهر السين، ورغم البرد والريح كان المشهد صادما وموحيّا؛ مركب صغير مكسور يرسو بهدوء علي الضفة المليئة بالطين وقطع الأشجار الصغيرة وأنا لا أستطيع رسمَ كلّ هذا الجمال..
أتذكّر الآن اسم الجميلة البرازيلية. اسمها "فيرا". وها هي الآن تتكيء علي جدار المطبخ وتحدثّني عن المغرب وما تعرفه عنه،وحين أختلف معها تغضب. "فيرا" تكلّمني عن المغرب فتخطيء وتسترسل في الحكي دون توقّف فأصحّحُ لها وأقول إن لدينا عمارات وسيارات و بنوكًا وسياسيين ولصوصا بربطات عنق أنيقة و معاهد وجامعات وإنه لا وجود لجِمَالٍ تسير في كل مكان ولا لصحراء تمتد بلا نهاية. لكن "فيرا" تصرّ علي ما حكتهُ لها صديقتها. تقول لي إن المغربي إذا راقتْ له امرأة يعطيها مئة جمل ويتزوّجها بعد أن ينحر مئة جمل أخري، و إذا تمنّعت عليه يختطفها ويتوغّل في الصحراء فلا يعود لهما أثر."فيرا" تريد أن تزور المغرب لكنها تخاف أن يختطفها بدويّ علي ظهر جمل..في الحقيقة، مع ذلك الشعر الطويل الذي يكاد يلامس الأرض، وذلك الدم اللاتيني الحارق، يستطيع الإنسان أن يعود إلي العصور الغابرة ويتّصف بكل الصفات أقلّها أن يختطف امرأة..كنت أدافع بحماس وأفسّر لها الأمور لكنها لا تقتنع، ثم يصل "مارتن"، الموسيقي الألماني الذي لا يُحبّ أن يتواجد في مكان لا يفهمه، فيُؤمِّنُ علي كلامي ويشرح لها من جديد فتُنصت مكرهة. "مارتن" زار المغرب وتجوّل في أنحاء الجنوب ورأي مدينة " زاكورة" الصحراوية وشاهد شروق وغروب الشمس في" تنفو"، البلدة الصغيرة المعروفة بكثبانها الرملية الرائعة..
الدار تسير الحياة بإيقاعها الجميل وأنا أتعب أحيانا من العمل فأهرب..أركبُ الدرّاجة ،كعادتي في كل سفر، وأتّجه إلي اللاّمكان، تحفّني أشجار كثيفة علي ضفة نهر السين المبلول وترعي بجانبي أبقار بيضاء سمينة حين تُشرق شمس خفيفة لا تلبث أن تنمحي ويحلّ الضباب،أحرّك ساقاي وأسير في اتجاهات مختلفة والبرد الخفيف يشتد مع التوغل بين الأشجار ويملأ طين الطريق ملابسي. أُزاوج بين موسيقي ناس الغيوان وموسيقي "يئيز طلائي" الممتعة.البيانو المجنون يبلّلني وأنا أسوق ويخلُق لي حالة لا توصف. أعرف أنني أستمتع الآن أكثر مما أتخيّل، وأنه بقدر ما يلائمني الحزن المتطرّف في لحظات تلائمني السعادة المتطرّفة في لحظات أخري وهذا محزنٌ ويدعو للسعادة في نفس الوقت. يسقط المطر في الخارج والأشجار تحته تتحرك وتُصدر الأصوات.. أتذكّرُ شعراء الأندلس الذين حكوا عن عناق الإنسان بالطبيعة في أوروبا.قلت لنفسي إن شعراء الأندلس محقّون كثيرا في كل ما أنشدوا وما حكوا عن هذا الجمال. من حقهم أن يُغرموا بالحياة علي أرض أوروبا، فقد جاءوا من الصحراء وارتموا في حضن الجميلات والماء والخضرة. ولعلّ ما يراودني الآن تماما هو ما راودهم قبل قرون. ثم كان أن توغلت يوما في المسارات الملتوية علي الدرّاجة، و تهت وسط الغابة الكثيفة، لكن لحسن الحظ، ورغم الطريق الطويلة، لم ألتق أي شخص ولم يتربّص بي سوي هدوء ضفاف السين العذب. قال لي صديقي ضاحكا مشاكسا:
- لو تهتَ في غابة المعمورة بالرباط لفاجَأَك شخص يمسك مطرقة أو سكينا، ويُسمي نفسه "مْحِيريشة". يشرب لترات من الكحول الحارق ويطلب منك أن تُفرغ جيوبك...
3
في الطريق بين "نوجون" وباريس، عبر القطار، تتحرّك الصور. تري تلالا وورودا وبشرا. وسواء بخارطة في اليد أو بدونها، سوف تكون يا ولدي غريبا فلا تتردّد و"عِشْ اومَتَحْضيش" كما يقول المثل السّائر..
تمشي وتتأمّل بعد سفرك من الريف باتجاه المدينة. تقتنع بعد مدة بأن كل الناس غرباء في هذه المدينة. الباريسيون أنفسهم يستعملون الخريطة للوصول إلي كلّ مكان. تبدو لك الفكرة غريبة في البداية لكنك تسير علي الدّرب. احمِلْ خريطتك بيمينك وزر المسارح والساحات والمتاحف..إذهب إلي "سان ميشيل" مثلا لتشرب قهوة، راقب الساحة والطيور المائية والعشّاق الذين يقبّلون بعضهم، اذهب إلي البرج العظيم و"الشانزلزيه" و متحف "اللوفر" و"نوتردام" ثم قل لنفسك إن الحديث سيطول عن هذه الأمكنة، وأنك ستتحدث عنها في أوقات لاحقة وفي نص طويل ستكتُبُه خلال الصيف، حين يكون مزاجك ملائما. الآن تريد التأمّل في شيء واحد، فتكلّم ولا تتردّد..
حسنا،إنك تري باريس وضّاءة ومناسبة، وبوجودك أو عدمه ستكون باريس ما شاء لها الله أن تكون ولن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا، لكنك بصراحة لست سعيدا بباريس في هذا الخريف. أنت سعيد بباريس قليلا فقط.لأن المدينة تكون سعيدة بك ومرحّبة طوال اليوم، وعندما يحلّ الليل ويكثر المشردون في كل مكان ويشتدّ البرد تقلبُ وجهها.لذلك لن تستطيع هذه المرة سوي رؤية وجهها المقلوب.وأنتَ تتتبّع هذا الوجه وتركّز عليه فتري كيفَ يهرُب الناس من محطات القطار و "الميترو"، يكاد يظهر علي وجوههم ذعر بيّن عند حلول الليل. يستعجلون الوصول إلي أمكنتهم الخاصة ليختبؤوا من البرد والمفاجأة. تراهم في كل "ميترو" ساهمين غير منصتين للموسيقي التي يعزفُها رجال ونساء يصعدون عند المحطات. في كل محطة "ميترو" موسيقي. ينفتح الباب فجأة فيطلع رجل أو امرأة بثياب تكاد تكون رثّة و يعزفُ لحنا حزينا ب"الساكسفون" أو الكمان ثم يمرّ علي الركاب ليجمع المال القليل..
في كل الأمكنة يكثر المشردون ويظهرون فجأة مثل الأفكار الغريبة التي تراودك. تراهم يغنّون ليطلبوا أكلا أو مساعدة أو سجائر أو يعلّقون أحيانا لافتة واحدة بكلمتين فريدتين: أنا جائع. بعضهم يتسوّل في الشارع صحبة كلبه ويكتب علي ورقة أمامه: نحن جائعان. ربما لأنه يدرك أن ثمة من سيرأف بالكلب. تصعد سلالم "الميترو" هاربا من أحشاء باريس فتفاجئك اللافتة الصغيرة المعلّقة علي صدر امرأة أو رجل. و بعد أن تخرج من المحطة، قد تلتقي فتاة صغيرة تساعدك علي حمل حقيبتك وتطلب منك المال ولا تكلّمك سوي بالإشارات و هي تدّعي بأنها عضو في جمعية الصمّ والبكم. يصعد رجل بملامح لاتينية ليعزف الغيتار ويغنّي، و حين ينتهي يدور علي مقاعد الركاب السّاهمين المدوّخين بكأس بلاستيكي أصفر ليجمع القطع الصغيرة. تصعد في ذات المحطة امرأة تعزفُ علي آلة إيقاع صغيرة. يليها رجل يحمل آلات تكاد تشكّل جوقا؛ يشغّل في البداية مسجّلة تعزفُ إيقاعا جاهزا رتيبا ثم يبدأ العزف علي الغيتار ويغني بصوت أخنّ أغنية كلاسيكية، يزيده الظلام الخفيف النازل باكرا علي أحشاء باريس قتامة وبؤسا.. وعندما لا يحصل المغني علي المال لا يتوسّل كما يفعل المتسوّلون في المغرب بل يواصل الغناء فقط حتي يرضي عنه الزبون. لا استجداء.لا كلمات. لا يقول: الله ارحم الوالدين، بل ينسحب في النهاية عند محطة ما راضيا أو غير راض.
امرأة واحدة رأيتُها يوما مختلفة. راقبتُها تصعد للتسوّل علي الطريقة المغربية التقليدية؛ تضع بين يديك ورقة عليها كلام معتاد منمّق تكاد تحفظه: أخي أنا أرملة، مات زوجي وترك لي أولادا الخ الخ الخ...وقتها تساءلتَ بينك وبين نفسك هل أنت فعلا في "ميترو" باريس أم في "أتوبيس" يربط بين سلا و الرباط؟
وها انك تري كل هذا الكم من المشردين، في مدينة الأنوار، فتهرب صورة الجغرافيا منك و تنسي قيّم الجمهورية وكل فلاسفة النور الذين دافعوا عن الحق في خيالك، ولا تترد في داخلك غير كلمة انجليزية واحدة هي "homeless " . لهذا، في طريقك إلي قراءة الحالة، تنحت كعادتك كلمة تعبّر بها عن حال الناس هنا: "الهَمْلَسَة" .
لقد ابتكرتَ كلمة "الهَمْلسة" فلم تعُد باريس بالنسبة لك مدينة الأنوار بل أصبحت مدينة الألم رغم جمالها البرّاق المفزع. أصبَحتْ باريس مدينة "النّْوَارْ". وها إنك تكسرُ صورتها بعد أن كسرتَ صورة العديد من المدن الأخري.أصبحتَ تذكُرُ الأمكنة بحنين مشوب برضي العارف وخيبة المخدوع علي ضياع الحلم. لقد أصاب باريسك الخاصة خريفٌ طاعن غطّي علي كل شيء، وراودتك من جديد فكرةَ أن الأجمل دائما هو ما لا نراه..
ثم تَجُول في باريس. بعد وقت تصبح الأمور أكثر واقعية. أصبحتَ أكثر إذعانا للمنطق. وبعد السفر منها وإليها عابرا إلي مدن ومحطات ولغات وسحنات كثيرة، أصبحتَ معتادا علي الفوارق و أصبح المشرّدون جزءا من لوحة لا تكتمل دونهم.أصبحتَ تنظر بعين الواقع. ألِفْتَ المطارين الذيْن يربط بينهما في الخريطة خط المترو الأزرق من "أنتوني" حتي "لوبوغجي" قبل أن يتفرّع باتجاه "متري كلاي" أو مطار" شارل دوغول". أصبحتَ أكثر راحة في مطار "أورلي" ولا تبذل مجهودا كبيرا في معاشرته حين تسافر منه وإليه عكس مطار "شارل دوغول" الذي تلزمك ساعات للوصول إلي أي مكان فيه..
تشعُر بألم الناس في الشارع وتخرج إلي المطر فتري الليل وشجونه وتشعر بأنك تستطيع أن تكتب إلياذة أخري عن باريس إذا ظللتَ ليلة واحدة مع هذا الكم من المشرّدين المحتمين بالجدار. تقف خارج المحطّة يا صاحبي لتبحث عن حل.لا تفكّر في الفنادق الباردة ولا في غرف الأصدقاء الضيقة ولا في زوجاتهن المتأفّفات من الغرباء..كل ما يقودك إليه فهمك هو أن العظام شاخت وأن ما أمضيتَه من عمرك في الدروب والزوايا كاف وأنّك امتلأتَ في تلك اللحظة بالذات تماما، ليس قبلها ولا بعدها، وأن الحياةُ المغامِرة لم تعد تصلح لعظامك النخرة التي أكَلَتْهَا دودة الكتب والتفكّر في شئون الحياة. وحين تدفع مئة يورو للوصول إلي مستقرّ لك، و ترتاح في الغرفة الأليفة كمن فاز بنعيم الدنيا والآخرة، تفتح "الامسئن" وتحكي لصديقك عبد الرحيم عمّا جري فيقول لك ضاحكا من وصفك للأمور:
-حتي في باريس يا عزيز؟ هناك إذن شيء ما مشترك بين قريتي و باريس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.