رئيس المحطات النووية ومحافظ مطروح يبحثان دعم مشروع الضبعة    رئيس مياه القناة يشدد على استغلال الأصول غير المستغلة وتقليل تكلفة التشغيل    زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب شينجيانج شمال غربي الصين    أوربان: الأوروبيون سيضرون أنفسهم بتقديم 800 مليار يورو لأوكرانيا    المتهم بقتل حماته يمثل جريمته في مسرح الجريمة بطنطا    حسن مصطفى: منتخب مصر قادر على فرض أسلوبه أمام كوت ديفوار    بيان الجابر وباسندوة: بوصلة سياسية لتعزيز الدولة واستقرار اليمن    بينهما طفلان، ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب الزفاف في المنيا إلى 4 وفيات    بناءًا على توجيهات محافظ المنيا.. نائب المحافظ يزور مستشفى صدر المنيا لمتابعة حالة المصابين    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    صدور «ثلاثية حفل المئوية» للكاتبة رضوى الأسود في معرض القاهرة للكتاب 2026    أحمد مكي يتصدر تريند مواقع التواصل الاجتماعي.. لهذا السبب    إصابات بالاختناق خلال اقتحام الاحتلال بلدة عقابا شمال طوباس    إعلام: فنزويلا والولايات المتحدة تجريان محادثات لتصدير النفط الفنزويلي إلى أمريكا    تير شتيجن يغادر معسكر برشلونة فى السعودية للإصابة    الأسهم الأمريكية تعزز مكاسبها قبل ختام التعاملات    مقتل شخص خلال احتجاجات لليهود المتشددين ضد التجنيد    محافظ مطروح يهنئ الأخوة الأقباط بعيد الميلاد المجيد    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    تقارير: يونيفرسيداد يحدد سعر بيع «هدف الأهلي»    كأس عاصمة مصر - تعادل الاتحاد السكندري وزد في صراع خطف وصافة المجموعة    تقرير: عموتة والشعباني ضمن المرشحين لتدريب منتخب تونس    محافظ الغربية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة ماري جرجس بطنطا    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    متحدث الري يكشف تفاصيل حملات إزالة التعديات على مجرى نهر النيل    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    ستارمر: تحالف الراغبين يعتمد إطارًا لنشر قوات دولية في أوكرانيا بعد السلام    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    تعليق مفاجئ من مصطفى كامل على مشاكل النقابة الأخيرة    ضحك وإشادة من خالد جلال على مشهد ارتجالي طريف في كاستنج.. فيديو    رئيس الوزراء: اجتماع الأسبوع المقبل لمتابعة صعوبات تسجيل الوحدات البديلة للإيجار القديم    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    خاص: حكاية " الليثي" قاتل والده بقنا.. الإدمان رفض ان ينتهي بجولات "الدعوة" والتردد على" العباسية "    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    وفد من «مستقبل وطن» يهنئ كنيسة العذراء بالتل الكبير بعيد الميلاد المجيد    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    محافظ الغربية: استعدادات شاملة لاستقبال عيد الميلاد المجيد ورفع درجة الجاهزية بمحيط الكنائس    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر والكونغو الديمقراطية في مواجهة نارية.. من سينتزع بطاقة دور الثمانية؟    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تنشر لأول مرة عابرة
نشر في أخبار الأدب يوم 07 - 05 - 2016

عصراً، يجتاز المدخل الفسيح، المنظم، إذا كان رحيم الباكستاني جالساً عند المدخل ينطق السلام بالعربية، أحياناً يقوم لوبيز الأرجنتيني ليفتح له الباب، أما آرتين الأرمني فلم يتقن الإنجليزية بعد، لكن التفاهم معه ممكن، إنه يقوم بعمل أي شيء قد يطرأ عليه خلل عدا الأشياء التي تخرج عن إمكانياته مثل تعطل جهاز الثلج في المبردة المثبتة في الجدار، أو في أجهزة التهوية، غير أنه الوحيد الذي يجب إبلاغه بما جري لأنه يعرف كل وسائل الاتصال، يدور حول الناصية متجهاً إلي الشارع الرابع الذي يبدو من الطابق الثامن مستقيماً ممتداً حتي نهاية الحد الشرقي، الطريق السريع الذي يصل كوينز وبروكلين، يري كل تقاطعاته خلال النهار الذي يقضيه جالساً إلي المكتب في ركن الصالة، الجدران زجاجية، لم يتم تركيب الستائر بعد، يمكنه رؤية الحيوات في المبني المقابل؛ لكنه يأبي تدقيق الرؤية أو التلصص، شيء ما يمنعه هنا رغم أنه مارس ذلك في الحارة التي أقام بها عمراً غير هين، كثيراً ما يبدو الطريق خالياً تماماً، أو يعبره رجل واحد، أما السيارات فلا تمكث في مجال البصر، الشوارع العرضية تعرف بأسمائها، الرأسية بأرقامها، أول ما يجب أن يعبره شارع كنت، ممتداً إلي ما بعد الجسر، إلي يمينه مبانٍ ضخمة قديمة أحدها مصنع شهير للسكر، مغلق الآن، يطل علي الريفر سايد مباشرة. تجاوره مبانٍ أخري، بعضها مخازن ومنها مجهول الهوية والاستخدام، لأنها خالية تجسد الفراغ وتبعث علي الشجن مجهول المصدر، كأن حقبة من الوقت لا تزال ماثلة هنا رغم انقضائها، وما يستعاد في غير أوانه جالب للأسي، مبانٍ مفقودة رغم قيامها، اتصالها بالجسر الضخم القائم منذ بداية القرن العشرين يحيل الوضع كله إلي عتاقة في غير أوانها، عندما عبر المنطقة متمهلاً في ظهيرة تالية أدركته خشية أن يفقد في زمن غير زمانه، عندئذ لا يمكنه استئناف الوجود، يستغرقه العدم الذي أصبح متأهباً له أكثر من أي وقت مضي، هذا حاله بعد أن رآه وأدركه، ليس بالحواس، إنما بمصادر أخري لا يدري كنهها أو هويتها، مرة واحدة سرت الحياة في المكان، كان يستعد للمشي موغلاً في الرابع عندما ظهرت أمامه، اجتازته ناثرة أنوثتها علي الفضاء والزمان، علي وجوده، مهرجان عبر، كل ما يتعلق بها منه التمام، شعرها الناعم، الفاحم، المنسدل، صدرها المستفز المتسق مع ردفيها الناهضين، ثمة شيء في خطوها يوحي بخيلاء الفرس، تبتعد عنه لتحاذي بداية المصنع المهجور، غير أن سريانها مفردة في هذه اللحظات الغروبية بدد الوحشة وأسبغت علي الوضع كله حياة ورضا! سيظل هذا الجزء مرتبطاً عنده بتلك المجهولة التي أقامت مشكورة له هذا العرض، لن يستعيده إلا وتظهر هذه الغادة، تماماً مثل الشرافة التي تستدعي ويليامزبرج كافة، في المركز منها ذلك الزنجي بقلاداته وسلاسله وأدوات صيده ونطقه «السلام عليكم» مع لمسه موضع القلب براحة اليد، أما الشارع الرابع فسيمكث أبداً وفي القلب منه تلك اللحيظات وما حوت. يوم وسط الأسبوع، قبل الخامسة تخلو الطرقات تقريباً، ثمة حياة ليلية لا تبدأ إلا بعد العاشرة، لا يعرف ملامحها لالتزامه النوم قبيل منتصف الليل بعد قراءة ثقيلة، أي مواصلة الاطلاع علي النصوص العميقة التي تقتضي جهداً، قراءة الورقة والقلم كما يسميها، لا بد أن يدون الملاحظات والعلامات، ما يستوقفه وما يستغلق عليه، ينتبه إلي ما يبذله من جهد، خاصة عند جلوسه إلي المكتب، يسري خيط من اللهب فجأة، يتخذ مساره داخل العمود الفقري أو بمحاذاته، عندما شكا أمره إلي الطبيب اللبناني في كليفلاند، أجابه بضرورة التزام الحرص عند الجلوس والتمدد، لن يستقر وضع القفص الصدري الذي شق للمرة الثانية إلا بعد ستة شهور، لم يمر علي إجراء الجراحة إلا ثلاثة أسابيع، غير أن الزمن يضغط عليه، كلمات الطبيب ذلك العصر قبل توقيع كل منهما عقد القبول والتراضي، خاصة هو، أياً كانت النتيجة لا تزال تتردد عنده وستظل، قال الدكتور سبيك هادئ الملامح إن الصلاحية من عشر إلي اثني عشر عاماً، يفكر في هذين الرقمين، يعرف أنه سينتبه فجأة ليجد نفسه عند المشارف، كيف ستمضي الأمور عندئذ؟ لا يمكنه التنبؤ، لكن ما يعرفه أن وقتاً ثميناً ضاع منه في مشاغل والتزامات كان يمكنه أن يتجنبها، لديه ما يلح عليه للتدوين، مشاريعه المؤجلة تفوق تلك المنجزة، عليه أن ينتبه، ألا يستسلم كما جري أول مرة، عاد منذ أربعة عشر عاماً بعزم بالغ المدي، لكنه شيئاً فشيئاً راح ينزلق إلي ما حاول تجنبه ولهذا حديث يطول، أحياناً يقدم الإنسان بوعي كامل علي ممارسة ما يضره، يذكر عندما كسر نظامه الغذائي، أيضاً رياضة المشي، كان يقدم بمفرده علي التهام أنواع يقتضي تجنبها، يتورط في انفعالات قصوي رداً علي أمور صغري، كيف استسلم لذلك؟ النتيجة بعد أربعة عشر عاماً، سدت الشرايين وتداعي الصمامان الرئيسيان، ماذا سيحدث بعد عشرة أعوام؟ عليه يعني بالآن، ما لديه، ما يكمن في رصيده بالفعل، هو الذي قطع عمره محاوراً الآن، فثمة ما يمضي وما سيأتي، لم يعترف بوجود حاضر، الآن يتطلع إلي الآني قبل إفلاته، بالأمس انتبه إلي نفسه إذ يردد بحسرة، ضاع من عمري خمس دقائق لو أنه مضي هكذا علي امتداد الحقب المولية، يقول ذلك هو الذي أخذ نفسه بالشدة، لكنه أهمل كثيراً، هكذا يري ما فات. عليه أن يمشي حوالي ساعة، المكان مساعد، مساند للسعي، الأرصفة خالية، الأشجار تتأهب لخريف دانٍ، الشوارع المؤدية إلي بدفورد سواء عرضية أو طولية خالية تقريباً، في أيام العمل يتكاتف الزحام مع وصول العاملين في مانهاتن والضواحي عبر قطار الأنفاق، يتدفقون خارجين من المحطة التي توجد مخارجها في الشارع السابع، السبت والأحد يبدأ الزحام بالمقاهي والمطاعم في الحادية عشرة لتناول المشروبات ووجبة الطعام التي تعد وسطاً بين الإفطار والغداء - برانش- منذ وصوله لم يتخلف عن الطواف، يبدو المكان بسيطاً، خلواً من الأعماق، غير أنه شيئاً فشيئاً اكتشف خطأ ذلك كما سيأتي. في هذه الساعة يبدأ تغير الضوء، يقوي عليه حضور المحيط القريب، لا يقف علي شاطئه كما لزم في المغرب عندما مكث ساعات في باب الوداية، وفي البرتغال شمال لشبونة حيث طاله الموج القادم من الأقاصي، المرتد من الصخور، لكنه نال منها، رغم بعد الشاطئ إلي حد ما يتدفق حوله بفراغه اللانهائي ومجهولية منافذه وعواصفه وتياراته وسائر أحواله. توقف ليعبر شارع كنت، نظر يميناً ثم شمالاً، يخشي الدراجات، ثمة حارة تتدفق فيها، كذلك من يمارسون الركض، يضعون في آذانهم سماعات صغيرة، يخشي اصطدام دراجة به، لن يحتمل ذلك، لا يعرف ما سيترتب، يتجنب الزحام، قبل الجراحة كان يمشي في الشارع الخامس بعد أن أمضي ساعات في متحف الفن الحديث -الموما- اتجه إلي السنترال بارك، ينفرد بخضرتها، بالموسيقي التي تعزفها الفرق الصغيرة، بعضها يضم مهارات فريدة، كان القوم يتدفقون في تلك الخطوات النيويوركية السريعة، فجأة اصطدمت به سيدة ترتدي معطفاً خفيفاً، بمرفق ذراعها في جنبه الأيسر، لا يدري كيف طالت ضلوعه؟ لم تلمس ذراعه، نفذت إليه مباشرة، استمرت متدفقة عكس اتجاهه، لماذا؟ ضربة مسددة بإتقان وحرفية، لم يتعقبها، أطلق آهة ثم مشي متمهلاً، لم ينتبه، لم يتوقف أحد، تمهلت خطاه حتي أول دكة في الحديقة، لو أن هذه الضربة طالته بعد الجراحة لفتتت عظامه، عليه الحذر، في زيارته الأولي لألمانيا عام ثمانية وثمانين، ياه.. اثنتان وعشرون سنة، لا يرد عليه يوم أو شهر أو سنة إلا ويحسب ويضيف، وغالباً ما يبدي الدهشة، يردد: ما أسرع ما مرت الأوقات!، كان ذلك في مدينة آرلنجن، لم يعرف أن وسيلة الانتقال الرئيسية العجلة، وأن حارة مخصصة لها، نزل من الرصيف، لم يصغ إلي دقات الجرس، لم يعتده ولم يتوقعه، لولا أن قائدها علي مهارة عالية، مر علي ما لا يتجاوز سنتيمتراً، حاد في اللحظة الأخيرة، لا يجب استعادة تلك اللحظة خشية احتمالاتها، السرعة تزيد حدة الاصطدام، أخشي ما يرهبه في أسفاره أن يسقط، أن يصطدم به شيء مما يؤدي إلي رقاده، أن يجري له مكروه وهو مجرد، بلا قدرة علي المواجهة.
يميناً ويساراً، ثم يعبر شارع كنت، يمسك بالمسافة، الرصيف منطلق، الأشجار متتالية، إلي اليسار منزل قديم تعاد صياغته، يتبدل شكل جدرانه ونوافذه، كذلك لون الطلاء، يكتسب حداثة ليست من أصوله الأولي، يلحق ذلك بأقسامه الداخلية أيضاً، الغرفة تقسم إلي اثنتين أو ثلاث، الصالة المستطيلة تصبح مربعة، عرف مثل ذلك، أول مرة في بولونيا الإيطالية، عندما بلغ الفندق رأي الواجهة القديمة والمضمون الحديث، من الخارج أربعة طوابق ومن الداخل ثمانية، كيف تتحقق المعادلة؟ عندما زار الفندق الذي اعتاد النزول فيه بشارع راسين، المكان الذي اعتاده تبدل تماماً، صعد إلي الطابق الأول، الغرفة التي كان سقفها مرتفعاً محرضاً علي التأمل، انخفض حتي يمكن لليد أن تلامسه إذا مدها علي أقصاها، صحيح أن الفراش أحدث، وسائل الراحة متوفرة، لكن المساحة تشبه صندوقاً محكماً، الفراغ ضروري له رغم أنه أمضي أوقاتاً غير قليلة في أماكن محكمة، قادر علي التكيف، لكنه لا يعرف كيف. ستمضي الفترة التالية، هذه السنوات العشر، إذا امتدت ستصبح اثنتي عشرة، يبدأ سيره بطيئاً، يسرع شيئاً فشيئاً، هكذا شرحت له الحكيمة المكلفة بشرح ما سيلي الجراحة. قبل وصوله إلي الناصية التالية بدأ تغير طفيف عنده، كأن تياراً خفياً يهب أدركه، شمله، بدأ يتسرب إليه، ثمة وجود آخر، هنا بدأ يتخيل نفسه مرئياً من نقطة ما مرتفعة، يبدو صغير الحجم من بعيد، يميل إلي الأمام منحنياً، كأنه ينظر إلي الأرض، إلي الوقت الذي يولي، حوله المباني التي انتظمت علي الجانبين، رغم أن كلاً منها من طابقين أو ثلاثة، فإنها تبدو مرتفعة بالنسبة للمباني الحديثة، الطابق منها يوازي طابقين، لكل منها سلم يؤدي إلي المدخل، شغله أمر هذه السلالم، فيما بعد عندما علم أن ويليامزبرج كانت مستقراً للمهاجرين البولنديين، بعضهم جاء وأقام، تاجر وصاحب من نفس جنسه وتعامل مع البنك البولندي القريب في النقطة الخضراء، الحي المجاور، لم يدخل في علاقة مع المختلفين عنه، وبعضهم لم يتكلم الإنجليزية، تماماً مثل بعض الصينيين الذين يعملون في المدينة الصينية جنوب نيويورك، يولدون ويشبون ويعملون ولا يخرجون من المنطقة التي توجد فيها الصين أكثر مما توجد في بكين أو شنغهاي، يري من نقطة في الفراغ توازي المسافة التي يمكن أن ترتفع إليها طائرة مروحية، يبدو نقطة صغيرة ربما تستمر ثابتة لحيظات قبل انتقالها، لا ملامح، لا يعرف الرائي إن كان ذكراً أم أنثي، آدمياً أم حيواناً أم كائناً لم تحدد هويته بعد، عند نقطة أعلي، أكثر ارتفاعاً يختفي مع أنه موجود، عندما يخلو الفضاء من السحب فوق المحيط يبدو السطح الأزرق مستوياً ممتداً، إذ تلوح تجاعيد خفيفة، فتلك نذر عاصفة، أمواج مرتفعة، هذا ما قاله أحد المجربين. يكتمل إدراكه أن ثمة من يسعي فوق نفس الرصيف، بدأ دبيب الخطوات يصل إليه، لا يمكنه أن يخطئ سعي الأنثي، يري نفسه بعينيها، رجل يمشي، واضح من خطوه أنه غريب، لا يتقدم بثقة، لكن هذا التعثر مصدره الأقوي تلك المحدودية التي تقيد حركته، يبدو أنه يجب الاعتياد علي ذلك، إذا هم تخفق دقات قلبه عندئذ يهدئ، كما أنه يخشي السقوط فجأة أو الاصطدام بشخص يظهر بغتة، أو تتعثر قدماه لأي سبب، يرتفع صوت الخطوات، رغم وضوحها، فإنها تبدو بعيدة بدرجة ما، بل نائية، قصية، كان موقناً أنها ستدركه، ستتوازي معه خلال دقائق. لا.. بل ثوان، هل يمكن أن يتخذ الوقت صيغة مغايرة في هذا الوقت الخريفي، في ذلك الشارع الذي يألفه مع كل مشي يستغرق فيه، لكن رغم الألفة السريعة يظل ذلك التأكيد أنه عابر، مؤقت، غريب، مع أن الكل هنا غرباء، لكنْ ثمة غريب مقيم، وآخر عابر، يحدق أمامه مقطباً عينيه محاولاً النفاذ إلي صميم الطريق، إلي جوهره، مكان مألوف لكنه في مكان أشمل غريب عنه، ألفة وغربة يستعصي عليه فهمها أو الوقوف من بعيد علي كنهها. تقترب الخطي منه.. خلفه تماماً، تمضي في أثره تماماً، ماذا.. هل ستصطدم به أم تتجاوزه؟ يدركه حذر، إنه لا يحتمل دفعة، يلتفت، أنثي، تماماً كما توقع، لم يتمكن من ملامحها، غير أنها فارهة، تتجاوزه طولاً، قميص أبيض، قصير الكمين، بنطلون أسود طويل، مع اقترابها منه تبدو أسرع، رغم رسوخها فإنها تتقدم برشاقة، حتي كأنها لا تلمس الأرض، دقات كعبها تحفر آثاراً، كيف تتوافق المتناقضات؟ كيف سيتذكر هذه اللحظة؟ اليوم، غداً، بعد عودته إلي الديار، تلح عليه أماكن عاش فيها أو بلغها أثناء ترحاله، بعضها لم يتوقع أنه سيعلق بذاكرته، واجهة ما، مدخل، نافذة، منحني، ناصية، لون معين، عندما خرج من مطار وارسو في أول مرة يبلغ فيها القارة الأوروبية اتسعت حدقتاه ليستوعب درجة الخضرة المضيئة المنبعثة من الأشجار، رغم أنه تنقل كثيراً فيما تلي ذلك، أقلع وبلغ، جال ورأي، فإنه لم يقف علي هذه الدرجة، لا يعرف إن كان سيتذكر ما يمضي عبره الآن، غير أنه يثق من استعادته مراراً، لن تنطوي تلك المسافات من وعيه، لكن ماذا سيبقي بالضبط؟ لا يدري. تحاذيه.. في اللحظة المناسبة حادت، أطول منه، هكذا ظن وقت مجاورتها له مع الحركة، تمكن من ملامحها الجانبية، أنف مستقيم وذقن مشرع، رآها للمحة، إلي متي سيمضيان بجوار بعضهما، نفس الخطي، عين الإيقاع، لو رآهما أحد من الخلف أو من إحدي هذه النوافذ أو الشرفات لقدر أنهما صحبة، يخجل من ذلك، لو أنه وراءها لأسرع محاولاً تجاوزها حتي لا يظن راءٍ أو متعقب أنه يقتفي أثرها لسبب ما، هذا ما درج عليه منذ مشيه صبياً في المدينة القديمة، رغم أنه موله برؤية الإناث يتموجن من الخلف، يبهره القوام المتناسق والأرداف المتميزة، المرسلة، المرأة المقبلة لا يدوم النظر إليها إلا لحيظات، أما المقتفاة فيطول تمعنها وتدقيق أنحائها، خطواتها نشطة ومتساوية، تضرب الأرض بثقة، فليلزمها، يقويه الحافز، وذلك الدبيب الخفي منذ عودته من كليفلاند، هل تسري الرغبة أقوي مع تدفق الدم من الصمامين الجديدين، أنسجتهما من الحيوان، خنزير أو بقر؟ علي الأرجح خنزير، رأي فيلماً في قناة الجغرافيا الدولية عن مزارع متخصصة في تربية الحيوانات التي تؤخذ منها الصمامات، ما زال يذكر تعليق المذيع، وتسهم هذه الحيوانات في إنقاذ العديد من المرضي، غير أن ما لم يقله إنها تموت فور انتزاع صمامات القلب منها، هل يصنع الصمام من حيوان واحد أم من مجموعة؟ لا يعرف التفاصيل، لكنه تواق إلي رؤية هذا المخلوق الذي راح ليتجدد هو، تري.. في أي مكان عاش وسعي، تطالعه عينان مجهولتان من العدم، يتساءل: هل تنتقل إليه بعض خصائص هذا الحيوان. أو تلك الحيوانات؟ هل سيفقد بعضاً من مكوناته، من عالمه الداخلي الذي لا يعرف عنه شيئاً؟ يوقن أن كل جزء ينفصل عن صاحبه يأخذ معه شيئاً فماذا تواري مع الأورطي والميترالي، يري الجراح يقلب قلبه ذات اليمين وذات الشمال، يشقه ويبتر الصمامين، أين مستقرهما الآن؟ إلي متي يصح وضع هذين الضيفين؟ يلتفت إليها. هل تدرك تلك التساؤلات التي تنصهر عليه، تروح وتجيء، لا تزال تمشي بموازاته، وما زال قادراً علي مجاراته غير أنه قبل ناصية الشارع الثاني بدأ يتمهل، يرصد رجفات في توالي دقات قلبه، يصغي عبر هذا العرض الذي يمثل في أذنه اليسري، قال الطبيب المصري في الضاحية مبتسماً عن قلة حيلة: يجب أن نتعايش معه، قال الطبيب في كليفلاند بنفس اللهجة ولكن غير مبتسم: يجب أن تتعايش معه، أشد ما يخشاه هنا وقوع حدث مفاجئ في مكان غريب عنه، يحرص قبل نزوله الطريق أن يحمل ورقة كتب عليها هاتف ابنه، أو ابنته، وزوجته، إضافة إلي الصفحتين الأولي والثانية من جواز سفره، صورة ضوئية منهما، يتذكر بعض المرضي أو المتخلفين عقلياً يسعون في الشوارع المؤدية إلي ضريح سيدنا ومولانا الحسين، كتبت علي ظهورهم أسماؤهم والعناوين التي يمكن الاتصال بها عند وقوع خلل، يبتسم ويتطلع أمامه. تجاوزته، فاتت بخطوتين، ضوء النهار المتبقي والمصابيح المتقاربة تمكن بصره منها، رهافة قميصها تبرز حمالتي المشد، قوام يؤثره، ممشوقة كغصن، بنطلون عملي، لا يلتصق فيبرز، إنما يفضفض فيريح، من قماش أسود غطيس، لعله من الصوف، غض، البنطلون لا يحدد معالم الردفين، إنهما عاملان، أرداف عاملة، لكنها غير مكدودة، يطلق أوصافاً علي ما يري، فتلك أثداء عابثة وهذه شاردة وتلك جسورة، هذه أرداف جسورة، وتلك موسيقية وهذه محاورة وتلك مستعصية، هذه ساعية والأخري دانية، لكم تحاور مع أجساد لا يعرف صاحباتها، ينم مع نفسه، يقول ما لا ينطقه، يمد الخطي، يحاول الاحتفاظ بالمسافة الفاصلة، رغم أنها دقيقة في الحفاظ علي سرعتها، علي المسافات الفاصلة لا يقدر علي المحافظة، التقصير منه هو، مهما قال الطبيب عن استعادته الإمكانية، عن قلب الطفل الذي سيعود به، لكن يظل شيء يستعصي علي الفهم، يفاجأ به، يخذله فجأة وهو في الأوج، يلتفت خلفه، إنهما بمفردهما، فوق الرصيف الممتد، كأن الشارع كله ديكور في مسرحية لم تبدأ بعد، خال تماماً، يتقوي عزمه بالفراغ، لا بد أن يقترب منها إلي أقصي حد، ثمة ما يحضه، لكم يبدو هذا القوام دانياً منه، حاضاً له، هشهاشاً تتمكن منه رغبة مشحونة، يذكر هبوبه منذ أربعة وثلاثين عاماً في مطار بودابست عندما رأي فارهة مثلها، ترتدي بنطلوناً أزرق، فتحته من الخلف علي امتداد مفرق الكرتين المضبوطتين بإحكام، لا تعلو إحداهما عن الأخري مثل تساوي الحاجبين تستكين السوستة، لا يذكر الآن تفاصيل وجهها، لكنه يكاد يري شعرها الهفهاف الطويل، وقوامها السرح، يطول الحديث عما صارا إليه، لكنه يتجاوز إلي انفرادهما، مفاجأته بردفيها المكتملين، أخفاهما البنطلون تماماً، ليس شرطاً ما رآه، ربما يبدو عاملاً وعند المواجهة يجده لعوباً مستقلاً عن الصرح بتكوينه ونفرته، الليل والفراغ يضفي بعداً ينتبه إليه الآن، رغم أنه في حركة، فإنهما بمفردهما حتي الآن في الشارع كله. يهم، يتقدم، لا يأبه لهذا الخفقان، سيهدأ عندما يقترب منها، فاته أن يتمكن ويتملي عند مرورها إلي جواره، لعن الله خجله الذي أفقده الفرص، وتسبب في توريطه وإقحامه في أمور صعبة يطول الحديث فيها أو عنها، يكاد يتعثر، منخفض من الأرض لم ينتبه إليه، غير أنه يواصل مبدياً دهشته لنفسه، يوقن من بذله المجهود، من مد خطوه، لكن المسافة لا تتناقص، بل تزداد اتساعاً مع أنه لم يلمح أي تغيير علي سرعتها، قوامها مثل الصاري كاشف - منبئ بحركتها، أي ميل إلي الأمام، الخلف يمكنه رصده، لم يعد منتبهاً إلي مداخل البيوت، ولا الشجر المنضبط، المتراص، والطريق الذي يبدو ماثلاً في الواقع والوهم بدرجة ما، كأنه يمتد في الذاكرة. تجتاز منطقة معتمة، أحد البيوت لا يضيء مصباحاً، يسرع حتي ليكاد يعدو غير أنه يبطئ مع ظهورها، عند هذا الحد تبدو بعيدة، نائية، لا يمكنه الإسراع أكثر من ذلك، يستعيد تحذير الطبيب لبناني الأصل الذي ترفق به وهش له وبش وأبدي العناية القصوي، طلب منه الاعتدال، كلما زاد انضباطاً طال عمر الصمامين، قال بصيغة الجمع: كلما كسبنا وقتاً أكثر هنا مع عبوره الطريق العرضي، الممتد قبل شارع بدفورد الرئيسي، يقع تناقض بين ما أبداه من همة وما ينطوي عليه من إمكانية، يضطر إلي التمهل مع ظهور العلامة المقضة، ذلك الألم في الناحية اليسري الملازم لتلاحق النبض في أذنه، مرصد ما يجري في قلبه، لا.. حتي الزحف لا يقدر عليه، يستند إلي الشجرة القريبة، رغم انتباهه إلي ما يجري داخله فإنه لم يحد ببصره عنها، تنأي بثبات لا يتأثر بأي سبب، ظهر رجل وامرأة بالقرب منها، كلما اقتربت من بدفورد تتزايد الحركة، في لحظة بحينها تتوه بين العابرين، لماذا لم ينطق عندما حاذته، لماذا لم يحيها؟ لماذا لم يقل كلمة واحدة تنبئ بوده، لكن.. هل من المعقول أن يتحدث إلي من لا يعرفها؟ هنا يحذر القوم من محادثات الطريق، يخشونها، للتقارب والتعارف أماكن وأيضاً أصول، لو أنه نطق ربما مضت بدون أن تلتفت، وربما جاوبته غير أنه لزم الصمت فمرّت، مع غيابها عن بصره، مع انتفاء قدرته علي اللحاق بها، يبدو ما كان مستحيلاً ممكناً، لكن.. ألا يبالغ في التوهم؟ مجرد عابرة يدور حولها هذا كله؟ يتعلق بوهم، يشرع إلي داخله ولا يجرؤ علي خطوة خارجه، ألم يحاذها لثوانٍ، ألم تمتد بينهما صلة غامضة، لا بد أنها فكرت بهذا الرجل غريب الملامح، الممسك بعصا مقبضها قناع مكسيكي، ذلك الوقت من النهار، الضوء الغامق الآخذ في الانحسار، صمت الطريق، كلها عوالم تؤدي إلي
التباعد إلي الحذر من الآخرين، لكن.. هذا كله لا يبرر صمته، لو أنه نطق تجاهها. يمسك بصدره، يتوقف، لن يتحرك إلا إذا هدأ ذاك الألم، يتطلع في اتجاهها، أهي تلك المولية؟ لا يمكنه القطع، المسافة بعيدة، والضوء خافت، مني نفسه أثناء محاولته إدراكها، توازي سعيه مع خطواتها، يستند بيده اليمني إلي الشجرة واليسري إلي العصا، يتطلع، فقط، لو أن بصره وقع عليها، إلي هذا الحد تبلغ الرغبة الغامضة، التعلق بمن يجهلها تماماً. الشارع ممتد، حركة الناس في بدفورد العرضي بادية، غير أنها اختفت تماماً، نأت عن مجال بصره، يكف، لم تعد. تجاوزته، يبطئ، يتمهل محاولاً لملمة حاله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.