الأردن: استمرار حركة البواخر في العقبة باستثناء السفن السياحية    ضبط سائق ميكروباص بالدقهلية لزيادة الأجرة ومخالفة خط السير.. وغرامة فورية 1200 جنيه    إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل وصفارات الإنذار تدوي في مسغاف    موعد توديع محمد صلاح لجماهير ليفربول في «آنفيلد»    أخبار مصر اليوم: " العدل" تكشف حقيقة الإعلان عن وظائف جديدة، 10 محافظات تحت سيطرة الأمطار الغزيرة والرعدية بداية من الغد، طوارئ بالصحة استعدادا للتقلبات الجوية وتعليق الدراسة    جامعة المنصورة تطمئن الطلاب الوافدين: الدراسة مستمرة دون تأثر والمحاضرات أونلاين    المسيرات تغيّر موازين القوة.. من أبرز المنتجين في الشرق الأوسط؟    هذا هو سبب رحيل المخرج أحمد عاطف درة    المخرج محمد سامي ينعي والد زوجته بكلمات مؤثرة    حاكم الشارقة يفتتح الدورة ال 35 من أيام الشارقة المسرحية    الصحة: نجاح جراحة نادرة لاستخراج مفتاح سيارة من رأس شاب    نجاح جراحة دقيقة بمستشفى شربين المركزي لعلاج كسر مفتت بالقوس الوجني    عبد الرحيم علي: أمن الخليج شرط أمريكي أساسي لوقف الحرب على إيران    عاجل الزراعة تعلن الطوارئ لمواجهة موجة الطقس وتحذر المزارعين ب5 إجراءات عاجلة لحماية المحاصيل    هيئة الإسعاف: 2400 سيارة لتأمين البلاد خلال موجة الطقس السيئ    مع تقلبات الطقس.. إليك "درعك الغذائي" لتعزيز المناعة ومواجهة العدوى    طريقة عمل سناكس خفيفة للدايت والتخلص من الشعور بالجوع    مصدر بالتعليم يحسم الجدل حول إلغاء التقييمات الأسبوعية بالمدارس    عمرو سلامة يشيد ب"برشامة".. ويكشف أسباب نجاحه    تعمدت الاختفاء عن أهلها.. تصريحات صادمة لأقارب ضحايا مذبحة كرموز للفجر    الأهلى.. كيف يعود؟!    محمد صلاح يتفق مع ليفربول على الرحيل بنهاية الموسم    تعطيل الدراسة بجامعتي قنا وجنوب الوادي الأهلية بسبب الطقس السيئ    اكتشاف بقايا دير أثرى بوادى النطرون    جدة تستضيف المواجهات المؤجلة في دوري أبطال آسيا للنخبة بسبب حرب إيران    نظرًا للأحوال الجوية .. تعليق الدراسة حضوريًا بجامعة أسيوط يومي الأربعاء والخميس    اسعار الأرز اليوم في مصر الأحد 22 مارس 2026 استقرار ملحوظ في الأسواق    أدعية الرياح الواردة في السنة.. رددها مع ذروة التقلبات الجوية    منخفض جوي وأمطار غزيرة بجميع المحافظات.. الأرصاد تجدد تحذيراتها من الطقس في الساعات المقبلة    محمد عبد الجليل: الأهلي تعاقد مع زيزو كيدا في الزمالك    الأعلى للإعلام يحفظ شكوى النادي الأهلي ضد شادي عيسى    محافظ الإسماعيلية يوجه برفع درجة الاستعداد لمواجهة التغيرات الجوية المتوقعة    عابدين وكباكا وعبدالله.. أول العائدين للأهلي    البورصة تربح 2 مليار جنيه بختام تعاملات أولى جلساتها عقب إجازة العيد    محافظ الغربية يتفقد مسار العائلة المقدسة وكنيسة السيدة العذراء والشهيد أبانوب الأثرية    دانا أبو شمسية ترصد آخر تطورات مشاورات التهدئة بين طهران وواشنطن    رئيس القومي لحقوق الإنسان ووزير الخارجية يبحثان تعزيز التكامل لتطوير المنظومة الوطنية    ما حقيقة كراهة الزواج في شهر شوال؟.. الإفتاء توضح    رئيس جامعة بنها: تحقيق أعلى درجات الانضباط داخل الحرم الجامعي    عاجل- وزير المالية: استمرار التسهيلات الضريبية والجمركية والعقارية لتخفيف الأعباء عن المواطنين    المجلس البلدى بمصراتة الليبية يدين حادث تفجير زاوية لتحفيظ القرآن الكريم    لجنة مشتركة بين مصر والسودان لتعزيز ودعم التعاون فى مجال التعليم    تعرف على مزايا قناة النيابة الإدارية على تطبيق تليجرام    تصنيف أفريقيا الأسبوعى.. الزمالك يصعد للوصافة وخروج الأهلى وبيراميدز    عصمت يجتمع بالنائب الأول لمدير المؤسسة الحكومية الروسية للطاقة الذرية "روسآتوم"    وزارة التعليم تعلن انطلاق فرع جديد لمبادرة المدارس المصرية الألمانية    كرة السلة، الأهلي يواجه الاتصالات في أولى جولات نصف نهائي دوري السوبر    مباحثات قطرية فرنسية حول التعاون الدفاعي وتطورات المنطقة    بيع عقود نفط ضخمة قبل تغريدة مفاوضات ترامب وإيران بدقائق    ضبط 93 سلاحا ناريا و640 كيلو مخدرات خلال حملات أمنية    هل يجوز الجمع بين صيام السِّت من شوال وصيام القضاء الواجب؟ الأزهر يُجيب    إحالة عاطل لاتهامه بحيازة سلاح ناري واستعراض القوة في عين شمس للمحاكمة    يوم كشفي لمجموعة "العجائبي" بطموه لتعزيز روح الخدمة والانتماء    البترول: كشف جديد لأباتشي يضيف 26 مليون قدم مكعب غاز و2700 برميل متكثفات يوميا    انفجار مصفاة نفط فى ولاية تكساس الأمريكية    قرية سقارة تكافئ أوائل حفظة القرآن الكريم ب15 رحلة عمرة.. صور    سفارة أمريكا فى لبنان تبدى استعداداتها لمساعدة رعاياها الراغبين فى مغادرة المنطقة    مقتل 8 أشخاص على الأقل في تحطم طائرة عسكرية كولومبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لا تأتِ الآن، فلسْنا أهلاً لك!
نشر في اليوم السابع يوم 23 - 04 - 2009

كلّما اصطدمتُ بعقل جامدٍ كالصخر، أو أشدّ قساوةً، كلما دهمتنى ظُلمةٌ صمّاءُ لا قِبَل لشموع العالم باختراقِها، كلّما راعنى أن عقلاً يحيا فى القرن الحادى والعشرين، لكنَّ بداوةَ الصحراء بنوقِها وخيامِها وقحَْطِها وجدْبِها ويباسِها لم تزل تعشِّشُ بين أركانه، كلما صادفتْنى أمخاخٌ كسولٌ تقول: لكى أعيشَ أنا؛ لابدَ أنت تموتَ أنت، أنا صحٌّ وأنت خطأ، أنا خيرٌ وأنتَ لا شكَّ ضلال، الله يحبُّنى أنا ويمقتُكَ أنت، (وهذا مضحكٌ لأن اللهَ خالقٌ الجميعَ يحبُّ الجميعَ، حتى عبادَه العاصين)، كلّما أحزننى استشراءُ النَقْلِ على حسابِ العقْل، وغيابُ النورِ لصالح العتمة، فكّرتُ فى ابن رشد! ويتردّد السؤال فى عُمْقى: ماذا لو أنه ظهر الآن بكل ثِقَلِه وفِكْره ونورِه ونارِه؟ أكنّا سنكتفى بحرق كتبه ونفيه إلى حيث يُنْفَون؟ أم كنّا سنحرق الرأسَ الذى أنتج تلك الكتبَ وذلك الفِكرَ وذاك النور؟ الإجابةُ يعرفُها الجميع. على أن قرعَ النواقيس، ولو فى الفراغ، الذى لا ينقل الصوتَ مهما علا وعَظُمَ، أكثرُ نُبْلاً من الصمتِ والاستسلام، حتى وإن توّحدتِ النتائجُ.
لكنه لمن نكد الدهر وسوء الطالع بحق، أن يرتقى ابن رشد تلك المكانة الرفيعة لدى الغرب، بينما لا يكادُ الشابُّ العربىُّ الراهن يعرف عنه شيئًا! فضلاً عن سَيْرنا، بدأبٍ وإصرارٍ وعماء، على خطٍّ نقيض لكلِّ ما وصل إليه ابن رشد بالتأمل وإعمال العقل! تُرجمت شروحه لفكر أرسطو إلى اللاتينية فى القرن الثالث عشر، على يد الاسكتلندى ميشيل سكوت والألمانىّ هيرمانوس أليمانوس، وكانت شروحُه بمثابة البعث للأرسطية الحقيقية فى الغرب، ثم أقرَّ روجر بيكون أن سكوت هو صاحبُ التحوُّل الفعلىّ فى تاريخ أوروبا الغربية بسبب المقدمة الرُّشدية لأرسطو.
عبر تلك الترجمات تسرب مبدأ المزاوجة بين العقل والإيمان إلى الفكر المسيحىّ فى أوروبا مما أطلق شرارة المذهب العقلانىّ الذى أدى بدوره إلى التحرر التدريجى من الفكر الأفلاطونى الذى كان أقل وطأةً فى الشرق المسلم عنه فى الغرب المسيحىّ.
فى القرون السابقة لابن رشد كان ثمة تشويش فى استيعاب الأرسطية من قِبَل المفكرين المسلمين ولهذا تمَّ تشويهُ فكره على يد العديد منهم، وكان ابن رشد أولَ من استعاد أرسطو الأصل الذى تم اكتشافه من جديد فى الغرب عبر ترجمات شروحه.
وفيما تلا من قرون أصبحت أعمال ابن رشد تُدرّس فى جامعات أوروبا؛ الأمر الذى أرهص لحركة انتصار الأرسطية وإزاحة الفكر الأفلاطونىّ الراسخ فى الغرب وقتئذ. ولذا يعتبر الغربُ الآن آفيروس، أو ابن رشد، واحدًا ممن لعبوا دورًا رائدًا فى إحياء تطوير الإسكولائيية المسيحية.
وفى حين أخذ كثيرٌ من المفكرين المسلمين على فكر ابن رشد استغراقه الشديد فى العقلانية، إلا أن كتاباته ظلت منجمًا للأفكار والمعلومات لفلاسفة المسيحية ومحركًا لتحرير عقول المثقفين الغربيين على مدى قرون أربعة منذ ق12 حتى ق16، وظلَّتْ أعمالُه مثارًا لجدل وسجالات حادة بين إسكولائيى أوروبا فى مواجهة الكنيسة من أجل تعديل تعاليمها.
تأثرت أدبياتُ اللاهوتية فى القرون الوسيطة بالرشدية، مثل دراسات توما الإكوينى. واعتبره كثيرٌ من مستنيرى الفكر من مسيحيى أوروبا واحدًا منهم إلى حدّ أن (أسْبَنوا) اسمه فجعلوه »آفين رويز« Avén Ruiz، غير أن آراءه كانت غيرَ مقبولةٍ من قِبل المسيحية الأرثوذوكسية الكلاسيكية؛ حيث كانت معظمُ نظرياته معاكسةً لتعاليم الكنيسة المتطرفة.
لكن ذلك لم يلغِ الأثرَ البالغَ الذى لعبته أفكارُه على لاهوت مسيحيةِ العصر الوسيط. وعلى الجانب الآخر، درَسَ بعضُ المسيحيين أعمالَه على نحو منفرد لاقتناص أخطائه، مثلما فعل آرنولد فيلا نوفا (1240- 1311)، حين استنكر اعتمادَ الفكر المسيحىّ على تعاليمَ مُلحدةٍ كهذه. ومن أجل تأكيد قوله، قام بتحريف أفكار ابن رشد. فى ذات الوقت قامت مجموعة من الباحثين، فى ق13، وقائدهم سيجر باربنت، بإعلان ولائهم التام لابن رشد، ما أثار هياجَ الكنيسة وغضبتها.
كذلك أخطأ بعضُ الدارسين الأوروبيين فَهْمَ فكرِ الرجل، ما أدى إلى اختلاق خطٍّ فلسفىٍّ يسمى بالرُّشدية Averroism وهو ما كان يدلُّ، أول الأمر، على اتجاهٍ فكرىٍّ يذهب إلى أن الفلسفةَ حقٌ والدينَ الموحَى به باطلٌ. تلك الرشدية رفضها الإكوينيون، وبطبيعة الحال كان سيتبرأ منها ابن رشد نفسُه لو عاصرها. سوءُ تأويلِ ابن رشد هذا هو ما دعا الكنيسةَ لاتهام المذهبِ كاملاً بتدنيس المقدَّس ومن ثَمَّ استنكاره عالميًّا. على أن معتقدَ ابن رشد عن خلود المادة وعن اتصال الله بالموجودات عبر وسيط العقل الفعّال ظلَّ العاملَ الحيوىَّ فى المعتقد الأوروبىّ حتى فجْر عصر العلم التجريبىّ الحديث. وظل ابن رشد والرشدية مادةَ جدلٍ فى الدوائر الأكاديمية الأوروبية لمئات السنين. وبالرغم من ظهور الكثير من المفكرين فى العالم العربى والإسلامى مثل ابن خلدون وغيره، فقد ظل ابن رشد الأشهرَ ولُقِّبَ ب »الشارح« فى العالميْن العربىّ والغربىّ.
ونظرًا لامتلاكه عقلاً منطقيًّا فارقًا، آمن ابن رشد بمقدرة العقل على سبْر الأسرار الكبرى للكون، سوى أنه جاء متأخرًا جدًّا عن أن يتمكن من إحداث إحياء حقيقىّ للفلسفة فى بلاد الشرق الإسلامية نظرًا لسيادة نظريات الغزالى. فيا من قلتَ يومًا: »والحقُّ لا يضادُّ الحقَّ، بل يوافقُه ويشهدُ له«، رجاءً لا تأتِ الآن، فلم نعد أهلاً لك!
المَراجِع:
• “Moorish Culture in Spain”, Burckhardt, T. George Allen & Unwin, Ltd., London, 1972.
• ” Islamic Contributions to Civilization”, Cobb, S.,Avalon Press, Washington, 1963.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.