النائبة مي كرم جبر تقدم مشروع قانون لإصدار بطاقة رقم قومي للطفل بدءا من سن الخامسة    البابا تواضروس في لقائه مع رئيس فنلندا: "أناشد كل الدول أن تبحث عن صيغة أخرى بديلة للحرب    ارتفاع سعر صرف الدولار في البنوك المصرية (آخر تحديث)    التأمينات تحسم الجدل: لا أعطال في السيستم والبطء مؤقت.. والمعاشات تُصرف بانتظام    أكسيوس عن مسؤول أمريكي: قائد الحرس الثوري عرقل مخرجات الجولة الأولى من المفاوضات    لإنقاذ حياة مسعفين لبنانيين، جريح من حزب الله يسلم نفسه لقوات الاحتلال الإسرائيلي    استبعاد أمين عمر، اتحاد الكرة يعلن طاقم تحكيم مباراة الزمالك وبيراميدز    منذر طمين يقود هجوم المصري أمام إنبي في الدوري الممتاز    ضبط 32 طن مخلل فاسد وتحرير 143 محضر مخالفات تموينية في الدقهلية    الكشف عن تمثال ضخم بمنطقة تل فرعون بمحافظة الشرقية    الفنان محمد التاجي يخضع لعملية جراحية    ترامب: إيران تنهار ماليًا وتريد إعادة فتح مضيق هرمز.. يخسرون 500 مليون دولار يوميًا    عاجل الحكومة توافق على تأسيس شركة جديدة لتعزيز مشروعات التكريك والأعمال البحرية    عروض وزارة الثقافة تتألق مع ذوى الهمم في محطة مترو جمال عبد الناصر    الشيخ خالد الجندى: الظلم طريق هلاك الأمم والقرآن يحدد سنن التاريخ    كاف يعتمد 4 ملاعب مصرية بتصنيفات مختلفة    مجلس الوزراء يوافق على العفو عن بعض المحكوم عليهم بمُناسبة عيد الأضحى    بسبب خناقة دروس.. أمن كفر الشيخ يكشف كواليس فيديو اعتداء سيدة ونجلها على طالب    الطقس غدا.. ارتفاع فى درجات الحرارة وشبورة صباحية والعظمى بالقاهرة 30    رئيس منطقة الإسماعيليّة الأزهرية يتفقد سير امتحانات صفوف النقل بالقنطرة غرب    مجلس النواب يحسم مصير التسعيرة الجبرية بقانون حماية المنافسة    وزارة الأوقاف: الحفاظ على الأرض واجب دينى إنسانى    تعرف على موعد صلاة الجمعة بعد تطبيق التوقيت الصيفي    سلاف فواخرجي: ربنا بيحبنى عشان مصر حبتني.. وعلاقتي بالجمهور أهم مكسب    أشرف زكى ووائل السمرى يحاضرون طلاب جامعة القاهرة حول دور الدراما فى تنمية الوعى    البورصة المصرية تربح 25.9 مليار جنيه بختام تعاملات الأربعاء 22 أبريل 2026    محافظ الغربية يتفقد القافلة الطبية المجانية بقرية دهتوره بمركز زفتى    نجاح جراحة نادرة بمستشفى الزهراء الجامعي علاج متلازمة برادر ويلي بالمنظار    المسلماني في "النواب": لا يزال صوت العرب من القاهرة وملف تطوير إعلام الدولة أولوية    شيخ الأزهر يحذر من خطورة تسليع التعليم ويؤكد: لا لعزل الأبناء عن ماضي أمتهم    الأمم المتحدة: العنف بغزة يسجل أعلى مستوى أسبوعي منذ الهدنة في أكتوبر الماضي    مع نقص الوقود وارتفاع الأسعار.. دعوات لندن بتخفيف قوانين الضوضاء..ما القصة؟    عبد المنعم خارج قائمة نيس لخوض قبل نهائي كأس فرنسا    العريش تخوض تصفيات "المسابقة القرآنية الكبرى" بأكاديمية الأوقاف الدولية    اتحاد الكرة الإماراتي يتضامن مع شباب الأهلي ضد حكم مباراة ماتشيدا    «إيجي بيست» و«برشامة» في الصدارة.. وإيرادات السينما تقترب من 20 مليون جنيه    تموين القاهرة تحرر 144 مخالفة وتضبط سلع غذائية غير صالحة للاستهلاك الآدمى    سيناتور أمريكي يحذر من تدهور الأوضاع في الضفة الغربية: أوقفوا المساعدات العسكرية ل إسرائيل    الحرس الثوري يستهدف سفينتين تجاريتين حاولتا عبور هرمز    رئيس النواب يهنئ أشرف حاتم لانتخابه عضوًا باللجنة المعنية بالصحة بالاتحاد البرلماني الدولي    رئيس الوزراء يستقبل سفير خادم الحرمين الشريفين لدى مصر لبحث تعزيز التعاون المشترك    وزيرة الثقافة ومحافظ البحر الأحمر يبحثان تفاصيل المكتبات المتنقلة والمسرح وأتوبيس الفن الجميل    بسبب حرب إيران، ارتفاع التضخم في بريطانيا إلى 3.3% مع تصاعد أسعار الوقود    قوات أمريكية تسيطر على ناقلة نفط مرتبطة بإيران وخاضعة للعقوبات    مواعيد مباريات الأربعاء 22 أبريل - برشلونة ضد سيلتا فيجو.. ومانشستر سيتي يواجه بيرنلي    إصابة 15 عاملا نتيجة انقلاب سيارة ربع نقل بمنطقة البدرشين    لمرورهما بضائقة مالية.. إحالة أوراق عاملين بتهمة إنهاء حياة آخر بقنا    محافظ أسيوط: التضامن تنظم اللقاء الثاني لتوعية حجاج الجمعيات الأهلية    موعد مباراة برشلونة وسيلتا فيجو في الدوري الإسباني والقناة الناقلة    هل يجوز الحج مع وجود ديون بالتقسيط؟.. الإفتاء توضح الحكم والشروط    إحالة تشكيل عصابي للمحاكمة بتهمة الاتجار بالبشر واستخدام الأطفال في التسول بالقاهرة    انطلاق المؤتمر العلمي الدولي لكلية الصيدلة بجامعة العاصمة حول التغذية العلاجية    وزيرا «الصحة» و«النقل» يبحثان تطوير سلاسل الإمداد الدوائي ودعم الجهود الإنسانية لغزة    لأول مرة في الفيوم.. نجاح عملية نادرة لعلاج كسر مفتت بالكتف    طب قصر العيني يعقد جلسة اختيار الأطباء المقيمين لدفعة نوفمبر 2023 وفق معايير الشفافية وتكافؤ الفرص    إبراهيم عادل: الأهلي تفاوض معي في يناير عن طريق النني    نسي رمي الجمرات لنفسه وزوجته.. ماذا عليه؟    أنغام: بحق اسمك الشافي يارب تشفي حبيبي وأستاذي هاني شاكر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دستور الترضيات السياسية
نشر في اليوم السابع يوم 20 - 12 - 2012

كما هو متوقع، خرج مشروع الدستور الجديد بالكثير من المثالب والعيوب التى تظهر جليا للمتأمل فى نصوصه من جوانبها المختلفة، أحد هذه الجوانب أن عددا من المواد الواردة بذلك المشروع جاءت كترضية سياسية لفئات أو جهات محددة. وقد تمثلت هذه الترضية السياسية فى عدة أشكال، فتارة هى استرضاء طائفى زائف كالمادة الثالثة، وتارة هى منحة غير مستحقة كالمادة 195، وفى موضع آخر كانت الترضية فى شكل رشوة انتخابية كالمادة رقم 229، ولبيان ذلك سنفرد السطور التالية.
نصت المادة الثالثة من مشروع الدستور على أن مبادئ شرائع المسيحيين هى المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية واختيار قياداتهم الروحية. المتابع لشئون المسيحيين المصريين، فى كافة جوانبها، يدرك تماماً أن هذه المادة ما وضعت فى الدستور إلا كاسترضاء طائفى مصطنع للمسيحيين المصريين. فالمعلوم يقينا أن للمسيحيين المصريين، على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، قوانينهم الخاصة التى تنظم أحوالهم الشخصية منذ عشرات السنين، وهى القوانين المطبقة فى المحاكم المصرية بشكل مضطرد مستقر وبلا أى منازعة من أى طرف. وهذا هو الحال نفسه بشأن اختيار القيادات الروحية للطوائف المسيحية المختلفة، إذ للكنيسة مطلق الحرية فى تنظيم شئونها الداخلية. فما هو الجديد الذى أتت به هذه المادة؟ المشكلة فى هذا النص أمران أساسيان، الأول أن هذا النص يعد تدليسا لإيهام المسيحيين أن ثمة جديد أتى به ليضمن حقوقهم، فى حين أن، وهذا هو الأمر الثانى، ما يحتاج إليه المسيحيون بشكل حقيقى، شأنهم فى ذلك شأن المسلمين، هو الإقرار الكامل بحقوقهم وحرياتهم إقرار ينتقل من صفحات الدستور إلى واقع حى يعيشه الناس، واقع يسوده عدل حقيقى وحرية حقيقية ومساواة حقيقية.
استقرت الدول والنظم الديمقراطية على أن القوات المسلحة يجب أن تخضع خضوعا كاملا للإدارة المدنية المنتخبة، ولذلك فالمستقر عليه أن رئيس الدولة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وأن وزير الدفاع يعين من الشخصيات المدنية لا العسكرية. نتيجة للحكم العسكرى لمصر - منذ العام 1952 - فقد استقر العرف (لم ينص على ذلك فى دستور أو قانون) أن وزير الدفاع يكون دائما من العسكريين. وإذ نجحت الثورة المصرية فى إزاحة الحكم العسكرى، إلا أن واضعو مشروع الدستور أصروا على أن يعود الزمن للوراء، فلم يكن يكفى أن وزير الدفاع المصرى، بطبيعة الحال وبحكم ظروف المرحلة الانتقالية، من العسكريين بل وضعوا تلك القاعدة (المادة 195) فى صلب الدستور نفسه؟؟ قد يقول قائل إن الظروف السياسية لا تسمح باختيار مدنى كوزير للدفاع، فإذا وافقنا على ذلك كافتراض جدلى لمدة انتقالية معينة فما هو الدافع للنص على ضرورة أن يختار وزير الدفاع من العسكريين فى متن الدستور؟ لا أرى فى ذلك غير استرضاء للعسكريين، من جانب السلطة السياسية، أريد به اتقاء شر المؤسسة العسكرية، وبديهى أن الوثائق الدستورية توضع من الشعب ليحكم نفسه بنفسه، ولا توضع لتكون محلا لصفقات أو مساومات سياسية.
كانت الدساتير المصرية، منذ دستور العام 1964 إلى الإعلان الدستورى الصادر فى مارس من العام 2011، تنص على تخصيص نصف مقاعد البرلمان للعمال والفلاحين. وقد كان هذا الوضع محل انتقاد شديد من غالبية القانونيين والسياسيين على السواء، انصب النقد لهذه القاعدة على مسألتين؛ أن فى ذلك النص تمييزا صارخا وإخلالا بمبدأ المساواة بين المواطنين، إذ إن تخصيص نسبة معينة من مقاعد البرلمان على أساس الدين أو المهنة أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية إنما يمثل اعتداء على حق الفئات الأخرى فى المساواة من ناحية وإهداراً للقاعدة الأهم فى مجال الممارسة الديمقراطية وهى "الانتخاب على أساس الكفاءة" لا على أى أساس آخر من ناحية أخرى. أما المسألة الثانية فهى أن ذلك النص لم يضمن أى حماية حقيقية للعمال والفلاحين الذين تدهورت أحوالهم، كسائر المصريين، على امتداد نصف القرن الفائت. كما أن هذه النسبة المخصصة للعمال والفلاحين كان يساء تطبيقها من الناحية العملية فكان يدخل فى هاتين الفئتين (العمال والفلاحين) من ليس منهم فى الوقت الذى يصعب بشدة على العامل أو الفلاح الحقيقى أن يدخل إلى البرلمان لضعف إمكانياته ولفساد العملية الانتخابية برمتها.
لكل ما تقدم كانت الجمعية التأسيسية قد استقرت على استبعاد هذه النسبة المخصصة للعمال والفلاحين من مشروع الدستور الجديد، غير أن المفاجئة جاءت، لا فى الأسابيع أو الأيام الأخيرة، بل فى الساعات الأخيرة من عمر الجمعية، حيث اقترح أحد الأعضاء فى الثالثة من صباح اليوم الأخير للجمعية أن يعاد النص على هذه النسبة فى مشروع الدستور، وفى دقائق معدودة وبعد مناقشات قليلة وسطحية للغاية أعيد النص على تلك النسبة وذلك لدورة برلمانية واحدة حسب ما جاء فى المادة رقم 229 من مشروع الدستور. لا أستطيع أن أفهم، أو أقبل، الطريقة التى أعيدت بها هذه المادة إلى الدستور، أو السبب الذى أعيدت من أجله، إلا بأنها محاولة، غير مقبولة بكل المقاييس، لاسترضاء قطاع عريض من المجتمع المصرى وهو استرضاء يمثل رشوة انتخابية وذلك لضمان تمرير مشروع الدستور والتصويت عليه بنعم. فقد فطن واضعو الدستور، فى اللحظة الأخيرة، أن استبعاد نسبة الخمسين بالمائة للعمال والفلاحين قد تعرض المشروع بكامله للرفض عند الاستفتاء عليه. يؤيد هذه الوجهة من النظر أن المادة 229 قررت أن يطبق ذلك النظام لدورة انتخابية واحدة وهو ما يكفى للتدليس على العمال والفلاحين وضمان تمرير الدستور. من غير المقبول أن يكون العقد الاجتماعى الجديد للأمة المصرية محلاً لرشى سياسية وتلاعبات من هذا النوع، وهو ما يكفى، فى تقديرى، لا لرفض مشروع الدستور فحسب، بل لإدانة واضعيه أيضاً.
* باحث دكتوراه فى القانون الدستورى والنظم السياسية- جامعة القاهرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.