تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من التوتر والتصعيد نتيجة الصراعات العسكرية المتلاحقة، ومع تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على مختلف دول المنطقة، خاصة في ظل الارتباط الوثيق بين الأوضاع السياسية والأمنية وبين استقرار الأوضاع الاقتصادية وسلاسل الإمداد العالمية، فهذه الحرب تداعياتها خطيرة على الاقتصاد العالمي في ظل اضطراب سلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية وارتفاع أسعار الطاقة وغيرها. مع هذه الاضطرابات والتوترات تتسع حالة عدم اليقين وتبرز مدى قدرة الدول على مواجهة الأزمة وتداعياتها الخطيرة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ومدى قدرة اقتصادات الدول على امتصاص الصدمات الاقتصادية، كما تتضح مدى قدرة الدولة على اتخاذ خطوات استباقية جادة وملموسة لتخفيف وطأة وآثار الحرب على الأسواق والسلع وأسعارها والتصدي لتجار الأزمات الذين يستغلون الحروب والظروف الصعبة ويتلاعبون في أسعار السلع والمنتجات ويفرضون زيادات غير مبررة في الأسعار. وفي هذا السياق، فإن مصر من الدول التي تتعامل مع هذه المتغيرات بقدر كبير من الوعي والحذر، مستندة إلى رؤية استراتيجية تستهدف حماية الأمن القومي الاقتصادي وضمان استقرار الأسواق وتوافر السلع الأساسية للمواطنين. ولقد أثبتت التجارب أن الأزمات الدولية والصراعات العسكرية تنعكس بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما قد يفتح الباب أمام بعض ضعاف النفوس والجشعين لاستغلال الأوضاع وتحقيق مكاسب غير مشروعة من خلال تخزين السلع أو التلاعب بالأسعار أو نشر الشائعات حول نقص بعض المنتجات، وهنا تبرز أهمية الدور الذي تقوم به الدولة المصرية في إدارة هذه المرحلة الحساسة، سواء من خلال تأمين مخزون استراتيجي كاف من السلع الأساسية، أو عبر متابعة الأسواق بشكل مستمر لضمان عدم حدوث أي ممارسات احتكارية. وقد حرصت الحكومة المصرية خلال السنوات الماضية على بناء منظومة قوية لتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وهو ما انعكس في قدرتها على التعامل مع أزمات عالمية كبرى شهدها العالم مؤخرًا، سواء جائحة كورونا أو تداعيات الحرب في أكثر من منطقة خاصة الحرب الروسية الأوكرانية، والصراعات العسكرية والتوترات في المنطقة خلال الآونة الأخيرة. وتأكيدات الحكومة على أن هناك مخزون آمن من السلع الاستراتيجية يكفي لفترات طويلة، إلى جانب استقرار إمدادات الطاقة والغاز، الأمر الذي يعكس مدى التخطيط المسبق والاستعداد للتعامل مع أي تطورات محتملة، ويوجه رسالة طمأنة المواطن. لكن في المقابل، تبقى مسؤولية ضبط الأسواق ومواجهة "تجار الأزمات" أمراً بالغ الأهمية، فالأزمات لا يجب أن تتحول إلى فرصة للبعض لاستغلال المواطنين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الدقيقة والصعبة التي تشهدها المنطقة حالياً، ومن هنا تأتي ضرورة تشديد الرقابة على الأسواق، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية، وتطبيق القانون بكل حسم على كل من يثبت تورطه في احتكار السلع أو رفع الأسعار دون مبرر. يجب أن يتم تشديد وتكثيف الحملات الرقابية على مدار اليوم في الأسواق للسيطرة على الأسعار ومنع أي ممارسات غير مشروعة وغير أخلاقية للتلاعب في الأسعار واحتكار السلع أو تخزينها لتعطيش السوق ورفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، وأدعو إلى سرعة تفعيل توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإحالة المتلاعبين في أسعار السلع إلى القضاء العسكري ومحاكمتهم عسكرياً، فهذه ستكون خطوة مهمة لتحقيق الردع العام. كما أن المواطن له دور مهم في الرقابة على الأسواق من خلال رصد أي مخالفات وإبلاغ الجهات المختصة بها، حيث إن الوعي المجتمعي يلعب دوراً مهماً في مواجهة هذه الظاهرة، فالمواطن الواعي هو خط الدفاع الأول ضد الشائعات ومحاولات إثارة القلق في الأسواق، وعندما يدرك المواطن أن الدولة تمتلك مخزونا كافياً من السلع وأن هناك متابعة مستمرة للأسواق، فإن ذلك يسهم في منع حالة التهافت أو التخزين غير المبرر التي قد يستغلها بعض التجار. إن مصر، بحكم موقعها ودورها الإقليمي، تدرك جيدًا أن استقرار الداخل هو الركيزة الأساسية لمواجهة أي تحديات خارجية، ولذلك فإن التعامل المتوازن مع تداعيات الصراعات في المنطقة، إلى جانب الحفاظ على استقرار الأسواق وتوفير السلع للمواطنين، يعكس قدرة الدولة على إدارة الأزمات بعقلانية واحترافية. وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن تماسك الجبهة الداخلية، وتكاتف الدولة والمجتمع، وتطبيق القانون بحزم على المتلاعبين بالأسواق، هى العوامل الحاسمة التي تضمن عبور هذه المرحلة بسلام، وتؤكد أن مصر قادرة دائمًا على مواجهة التحديات مهما كانت صعوبتها، وأدعو الحكومة إلى تفعيل توجيهات الرئيس بتخفيف الأعباء عن المواطنين، وتقديم كل سبل الدعم الممكنة للمواطنين خاصة الفئات الأولى بالرعاية وغير القادرين لمعاونتهم على تحمل أعباء المعيشة.