في صعيد مصر، بين رمال الأقصر الذهبية ونيلها الهادئ، ولد في السادس من يناير عام 1946 الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، رجلٌ جمع بين علم واسع، وخلق رفيع، وقلب نقي، حتى صار أيقونة للوسطية والمحبة، وسفيرًا حقيقيًا للإسلام المعتدل. ثمانون عامًا مضت، وما زالت سيرته العطرة تضيء القلوب كما يضيء الفجر أفق الصعيد، وما زال الورع والهدوء يكتنفانه كعباءة لا تفارقه. لم يكن الطيب مجرد عالمٍ من علماء الأزهر، بل كان روحًا صوفية تنبض بالإنسانية، رجلًا يعرف الناس قبل أن يعرفوه، يستمع قبل أن يتحدث، ويعطي قبل أن يُطلب منه. منزله في صعيد مصر مفتوح لكل قاصد، يطعم المحتاج، ويستقبل الزائر بابتسامة دافئة وكلمة طيبة، ليظل التواضع والكرم جزءًا من منهجه الحيّ، كما هو علمه العميق، الذي امتد من جامعة الأزهر إلى المحاضرات في فرنسا، ومن مؤلفاته الفقهية والصوفية إلى ترجمة المراجع الفرنسية، مع إتقان اللغتين الفرنسية والإنجليزية. عرف الطيب بالورع والوسطية، وبحكمته التي جمعت بين الرزانة والهدوء، فلم يكن علمه فقط بضاعة أكاديمية، بل أداة للتواصل الإنساني، وللقرب من الناس، وإعلاء قيم الخير والمحبة، بعيدًا عن الصخب والمظاهر، وكان بذلك خير سفير للأزهر والمسلمين، يعلم أن القوة الحقيقية في القدرة على الوصول إلى القلوب بالكلمة الصادقة والفعل النبيل. ومع مرور ثمانين ربيعًا على ميلاده، نقف اليوم لتحية هذه السيرة العطرة، التي لم يذبل وردها، والتي تبقى درسًا حيًا لكل من يسعى إلى العلم والخلق والإنسانية. الطيب ليس مجرد شيخ أو عالم، بل رمز للوسطية التي تحتضن الجميع، للهدوء الذي يملأ القلوب، وللمحبة التي تتجاوز كل حدود، أيقونة صافية في عالم أحيانًا يضج بالضجيج، وأسطورة حيّة تُعلّمنا أن الإنسان بالعلم والخلق يستطيع أن يصنع الفرق، وأن يبقى أثره خالدًا في القلوب قبل العيون.