أكد خبراء تحدثوا خلال جلسة "من الرؤية إلى التأثير: بناء قوة عاملة مالية جاهزة للذكاء الاصطناعي في مصر"، التي انعقد ضمن فعاليات معرض PAFIX على هامش Cairo ICT 2025، ضرورة إعادة تصميم المناهج التدريبية وربط مشروعات الذكاء الاصطناعي بأهداف تجارية واضحة، مع تشديد قواعد حوكمة البيانات والشفافية لإزالة وصف النماذج بأنها "صناديق سوداء". أدار الجلسة الرئيس التنفيذي لشركة I-Career، أكرم مروان، وشارك فيها نخبة من القيادات الأكاديمية والمصرفية والتنفيذية. وقد أجمعت الرؤى خلال الجلسة على أن الإنسان يظل محور القيمة في عصر الذكاء الاصطناعي، وأن التحدي يكمن في تأهيل الكوادر المالية ليس فقط على استخدام الأدوات، ولكن على فهم مخرجاتها وتحليلها واستخدامها في اتخاذ القرار. وشدد الخبراء على أن نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي مرهون بتحقيق التكامل بين أهداف وحدات الأعمال والجهود التقنية، وإلزام النماذج بمعايير حوكمة وشفافية صارمة لزيادة ثقة المستخدمين وتقليل الرفض داخل المؤسسات. افتتح عميد كلية الإدارة بجامعة نيو جيزة، الدكتور خالد عبدالعزيز حجازي، حديثه بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم المحرك الأهم لوتيرة التغيير داخل الأسواق، غير أن الإنسان يظل محور القيمة والقدرة على التميز. وأوضح أن تأهيل خريجي كليات الأعمال للعمل في القطاع المالي يتطلب التركيز على مجموعة من المهارات العملية الجوهرية بعيدًا عن الاقتصار على البرمجة، وفي مقدمتها التفكير النقدي والتحليلي اللازم لفهم مخرجات النماذج وقراءتها بشكل مهني، إلى جانب القدرة على تحويل تلك المخرجات إلى تقارير عملية يمكن استخدامها في الإدارة واتخاذ القرار عبر أدوات ال Data Storytelling، فضلاً عن أهمية الالتزام السلوكي وحوكمة الاستخدام لتجنب الغش وسوء توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي داخل البيئات التعليمية والمهنية، وهي منظومة مهارية اعتبرها حجازي شرطًا أساسيًا لتخريج جيل قادر على التعامل مع اقتصاد يعتمد بدرجة متزايدة على التكنولوجيا الذكية. وأشار حجازي إلى أن جامعة نيو جيزة تمضي بخطى متسارعة لاعتماد برامج أكاديمية متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الأعمال، إلى جانب إنشاء بيئات تدريبية مشتركة مع الصناعة على غرار industry–academia sandboxes، بما يتيح للطلاب التعامل عمليًا مع مجموعات بيانات حقيقية وتطوير مهارات هندسة المطالبات وفق احتياجات كل تخصص. تسارع كبير في تقنيات الذكاء وأوضح المدير التنفيذي للمعهد المصرفي المصري، الدكتور عبدالعزيز نصير، أن التسارع الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي فرض ضرورة إعادة هيكلة منهجية إعداد المحتوى التدريبي داخل المؤسسات التعليمية والمصرفية، مشيرًا إلى أن المواد التي كانت تخضع للمراجعة سنوياً أو كل عامين باتت تحتاج اليوم إلى مراجعة دورية كل أسبوعين لضمان مواكبة الإيقاع المتسارع للتطور التكنولوجي. وأضاف نصير أن المعهد المصرفي تبنى استراتيجية تدريب رقمية موسعة تستهدف توفير محتوى تعليمي قابل للوصول من أي مكان، حيث جرى تحويل جميع البرامج التدريبية إلى صيغ إلكترونية متعددة اللغات، بما يتيح وصولها إلى المحافظات المصرية والمناطق النائية، فضلاً عن نشرها في 44 دولة أفريقية من خلال منصات تعليمية تفاعلية تتيح للمتلقي التعلم بالوتيرة المناسبة له دون عوائق لغوية أو جغرافية. واستعرضت رئيس قطاع التكنولوجيا الرقمية بالبنك الأهلي المصري، نانسي بيباوي، تجربة البنك في دمج محرك ذكاء اصطناعي متقدم داخل نظام إدارة علاقات العملاء (CRM) بالفروع، موضحة أن هذا التكامل مكن موظفي الخدمة من الحصول على توصيات فورية ودقيقة بشأن المنتجات الأنسب لكل عميل لحظة دخوله الفرع. وقالت بيباوي إن هذه المنظومة، التي جاءت بعد فترة طويلة من البناء والتدريب واعتماد بنية معلوماتية قوية في مستودع البيانات، أسهمت في رفع معدلات البيع المتقاطع داخل الفروع بأكثر من 50%، مؤكدة أن جودة البيانات واتساقها كانتا الركيزة الأساسية لنجاح هذا التطبيق وتحقيق نتائج قابلة للقياس على مستوى الأداء التجاري. وأوضح مدير قطاع البيانات والذكاء الاصطناعي بالشركة المصرية للاستعلام الائتماني «آي-سكور»، أحمد سمير رشدي، أن توفر البنية التكنولوجية داخل المؤسسات لم يعد العقبة الأساسية أمام تبني حلول الذكاء الاصطناعي، بل يكمن التحدي الحقيقي في حوكمة البيانات وغياب الكوادر القادرة على تفسير مخرجات النماذج وشرح منطق عملها للمستخدمين داخل المؤسسة. وأشار سمير إلى أن عدم قدرة العاملين على فهم كيفية توليد النتائج يجعلهم يميلون إلى رفضها أو التشكيك فيها، معتبرين هذه النماذج «صندوق أسود» يصعب التنبؤ بآلياته، وهو ما يعيق دمج الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال في عمليات اتخاذ القرار داخل القطاع المالي. وشدد الرئيس التنفيذي لمجموعة إنجاز للاستشارات، محمد الشريف، على أن نجاح مشروعات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات المالية يتطلب قيادة مباشرة من وحدات الأعمال وليس من فرق التكنولوجيا وحدها، موضحاً أن أي مشروع ذكاء اصطناعي يجب أن يرتبط منذ بدايته بأهداف تشغيلية ومالية واضحة، سواء زيادة الإيرادات، أو خفض التكلفة، أو تحسين إدارة مخاطر الائتمان. وحذر الشريف من أن التعامل مع مشروعات الذكاء الاصطناعي بوصفها "مشروعات تقنية منفصلة" يعد أحد الأسباب الجوهرية لفشل نحو 95% من المشروعات المشابهة عالميًا، مؤكدًا أن دمج الأدوات الذكية داخل سير العمل الفعلي وربطها بمؤشرات أداء قابلة للقياس هو العامل الحاسم لنجاحها واستدامتها في القطاع المصرفي.