في الوقت الذي تتزاحم فيه إعلانات «الكمبوندات» الفاخرة والمدن الجديدة بصور الحياة المثالية، والحدائق الغنّاء، وحمّامات السباحة الممتدة، تختبئ خلف كواليس مكاتب المبيعات أزمة حقيقية تُعرف ب«عقد البيع الموحد». هذا العقد الذى يمتد لعشرات الصفحات لا يملك المشترى فيه حق التفاوض أو التعديل، ليجد نفسه أمام منظومة عقارية أقرب إلى «الإذعان»، تضع كامل القوة فى يد الشركات العقارية، بينما يظل العميل أسير الوعود والأحلام. ومن بين أبرز الشكاوى المرتبطة بعقود الإذعان الشروط التى يصفها خبراء قانونيون بأنها «تعسفية». وفى هذا الإطار يقول الخبير القانوني أحمد عبدالقوي إن أحد أخطر هذه البنود هو «مساحة الوحدة التقريبية»، وهو بند يمنح الشركة الحق فى زيادة أو إنقاص المساحة بنسبة قد تصل ل5% أو 10%. ويوضح عبدالقوى أن الإشكالية لا تتوقف عند حدود التغيير فى المساحة، بل تمتد إلى إلزام المشتري بسداد فرق السعر حال زيادة المساحة، فى مقابل عدم حصوله على تعويض عادل إذا تم إنقاصها، وإلى جانب ذلك هناك بند «وديعة الصيانة»، الذي يُلزم المشترى بدفع مبالغ مالية للصيانة دون تقديم كشف حساب تفصيلى، مع احتفاظ الشركة بحق زيادة قيمة الوديعة فى المستقبل دون الرجوع إلى اتحاد الملاك أو الحصول على موافقتهم. ◄ اقرأ أيضًا | فوضى السوق العقارية| حلم امتلاك وحدة سكنية يتحول إلى وهم ◄ تسليم مؤجل وغرامات ويتابع الخبير القانونى أن من أبرز المعوقات الناتجة عن عقود الإذعان عدم الالتزام بتسليم المشروع فى الموعد المحدد، ففى الوقت الذى يتم فرض غرامات تأخير صارمة على المشترى إذا تأخر عن سداد أى قسط، قد تصل فى بعض العقود إلى سحب الوحدة بالكامل. ويشير إلى مفارقة واضحة، إذ تمنح بعض الشركات نفسها فترات سماح قد تمتد إلى عام أو أكثر فى حال تأخر التنفيذ، دون أن تلتزم بتقديم أى تعويض للعميل، مما يعكس وجود اختلال واضح فى ميزان الالتزامات بين الطرفين. ◄ حظر التنازل ومن جانبه، يؤكد حسن حسن السيد الخبير القانونى أن عقد الإذعان يتضمن بندًا خطيرًا يتمثل فى «حظر التنازل أو البيع»، وهو شرط يمنع العميل من إعادة بيع وحدته إلا بعد الحصول على موافقة الشركة المالكة للمشروع. ولا يتوقف الأمر عند حدود الموافقة، بل يمتد إلى اشتراط سداد نسبة تتراوح بين 5% و10% من ثمن الوحدة كمصاريف تنازل، وهو ما يعتبره العديد من القانونيين تقييدًا لحق الملكية، وتجميدًا فعليًا لأموال المشترى. ◄ فخ العقد الابتدائي ويتابع حسن أن هناك ما يُعرف ب«فخ العقد الابتدائى»، الذى يتضمن فى كثير من الأحيان وعودًا شفهية لا تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلى. فعلى سبيل المثال، قد ينص العقد أو العرض التسويقى على وجود حديقة أمام المنزل، وبعد ذلك يفاجأ العميل عند الاستلام بوجود جدار خرسانى. وعند الرجوع إلى العقد يجد المشترى بندًا ينص على أن «المخططات والرسومات استرشادية، وللشركة الحق فى تعديلها وفقًا لمقتضيات التنفيذ»، وهو ما يمنح الشركة تفويضًا شبه مطلق فى تعديل المخطط العام للمشروع، ويُفرغ العقد من مضمونه القانونى الفعلى. ◄ مخارج قضائية فيما يرى الخبير القانونى ياسين زريق أن قوة الموقف التعاقدى للشركات لا تعنى انعدام الحماية القانونية للمشترى، إذ توجد مخارج قضائية ورقابية يمكن اللجوء إليها. ويشير زريق إلى إمكانية الدفع ب«بطلان شرط التنازل»، موضحًا أن هناك أحكامًا قضائية اعتبرت تقاضى الشركة نسبة من إعادة البيع إجراءً غير قانونى، بما يتيح للمشترى استرداد هذه المبالغ عبر القضاء. كما لفت إلى التطورات المرتبطة بقانون التطوير العقارى الجديد، الذى بدأ العديد من الشركات فى تطبيق ضوابطه خلال عامى 2024 و2025، ومن بينها منع بيع الوحدات قبل الوصول إلى نسبة تنفيذ معينة - مثل 40% - مع إلزام الشركات بإيداع أموال المشترين فى حسابات ضمان، بما يحد من توجيه السيولة إلى مشروعات أخرى ويحمى حقوق العملاء. ويضيف زريق: يمكن أن يتم تحويل عقد الإذعان إلى عقد آمن من خلال عدة خطوات مثل بند الملحق الفنى (نوع المصعد، جودة التشطيب، خامات الواجهة) بتوقيع صاحب الشركة والختم الخاص بها وليكون جزءا لا يتجزء من العقد، بالإضافة لتثبيت سعر الوحدة بحيث لا يُسمح لصاحب الشركة بزيادة سعر الوحدة بعد التعاقد بسبب ارتفاع مواد البناء، وعدم القبول بالعبارات المطاطة فى كتابة بنود العقد مثل موعد الاستلام «موعد تقديرى»، بل يجب المطالبة بتاريخ محدد ويوضع فيه غرامة تلزم الشركة بعدم التأخير ومساوية لغرامة تأخير العميل فى دفع الأقساط. ◄ غرامات التأخير ومن جانبها تقول عبير عصام عضو مجلس إدارة شعبة الاستثمار العقارى بالغرفة التجارية: بالفعل هناك بعض الشركات التى تقوم بوضع بنود داخل العقود لضمان كافة حقوقها دون مراعاة حقوق العملاء، فى حين أن العميل يعانى على سبيل المثال من تأخر التسليم، لذا أدعو العملاء لأن ينظروا جيدًا فى بنود العقود التى يوقعون على بنودها والتأكيد على وجود بند غرامات لتأخير التسليم أو مخالفة المتفق عليه من مواصفات الوحدة المتعاقد عليها. وأضافت عبير: تشهد السوق العقارية أيضًا فوضى عارمة بسبب أوضاع مهنة السمسرة العقارية وأزمة العمولات غير المقننة، وهو ما تعانى منه الأسواق منذ سنوات نتيجة لغياب الرقابة التنظيمية وظهور ما يسمى ب«الممارسات غير المهنية»، لافتة إلى أن هناك بعض الشكاوى ترد من قبل العملاء مفادها أن أحد السماسرة قام بطلب عمولة تصل إلى 20%، بينما العمولات المتعارف عليها أقل من ذلك بكثير وبنسب محددة تضمن حق السمسار ولا تؤثر سلبًا على العميل، كما أن التوجه الحالى الذى تقوم به شعبة الاستثمار العقارى هو أن تتحول "السمسرة" من ممارسة عشوائية إلى مهنة رسمية مرخصة ولديها سجل تجارى، بحيث يتعامل المواطن مع وسيط معتمد يمكن محاسبته قانونيًا فى حال وقوع أى تجاوزات، وهو ما يجعل العميل يشعر بالأمان والثقة فى التعاملات داخل السوق العقارية. ◄ غرامة كبيرة وفي السياق ذاته، يرى داكر عبد اللاه عضو شعبة الاستثمار العقارى بالغرفة التجارية أن من بين الحلول التى يمكن أن تنهى مشكلة تأخر بعض الشركات فى مواعيد تسليم الوحدات للعملاء أن يتفق صاحب الشركة العقارية مع العميل أثناء التعاقد على شراء الوحدة على تحمل العميل جزءًا من فروق تكلفة الإنشاءات مقابل الالتزام القانونى ووضع غرامة مالية كبيرة من قبل العميل على صاحب الشركة فى حالة عدم الالتزام بتسليم الوحدة فى الموعد المتفق عليه.