عشنا أيامًا كثيرة بين الأخبار الحقيقية والتكهنات والتوقعات والأماني، انتظارًا لإعلان حركة المحافظين الجديدة، التى انتهت بأداء 20 محافظًا جديدًا أو منقولًا من محافظة لأخرى، اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، إضافة إلى 12 نائبًا للمحافظين. حركة المحافظين الجديدة ليست مجرد تغيير أسماء، بل هى أداة لإعادة ضبط الأداء التنفيذى المحلي، وتسريع تنفيذ المشروعات القومية، ومعالجة المشكلات الخدمية أو الإدارية فى بعض المحافظات، فالمحافظ، ببساطة، يمكن اعتباره "رئيس جمهورية" فى محافظته، يختار ويحدد المشاريع التنموية والخدمية، ويتخذ قرارات حاسمة لضبط العمل الإدارى والمحلى والتنموي، لخدمة المواطنين فى النهاية. أكثر ما لفت انتباهى فى حركة المحافظين، هو تصعيد نواب محافظين للعمل كمحافظين، ما يؤكد نجاح تجربة نواب المحافظين واكتسابهم الخبرة والكفاءة اللازمة للعمل كمحافظين بعد سنوات من الخدمة فى العمل المحلي، كما أن نقل بعض المحافظين للعمل فى محافظات أخرى يؤكد نجاح هؤلاء فى محافظاتهم الأصلية، ما جعل القيادة السياسية ترى ضرورة نقل خبراتهم وتجاربهم إلى محافظات أخرى ربما كانت تفتقد مثل هذه الخبرات. من واقع خبرتى فى العمل الصحفي، وتحديدًا فى تغطية أخبار المحليات وأنشطة وزارة التنمية المحلية ورئاستى لقسم المحافظات فى "اليوم السابع"، أرى أن السطور التالية قد تكون نصائح مهمة أو على الأقل دليلًا استرشاديًا للمحافظين الجدد فى عملهم. اترك مكتبك وانزل الشارع مع كامل ثقتنا واحترامنا للتقارير المكتبية التى يكتبها مسئولى الإدارات ورؤساء الأحياء والمدن، لكن يجب على المحافظ ألا يعتمدها دليلا قاطعا على انتظام العمل المحلى ورضاء المواطنين، لذلك أول ما أنصح به المحافظ هو النزول إلى الشارع فى جولات ميدانية "مفاجئة أحيانا"، ورصد المخالفات على أرض الواقع واتخاذ قرارات فورية لإزالتها ومتابعة المخالفة بعد فترة أخرى ميدانيا أيضًا. الاستماع للمواطنين خصص يومًا أسبوعيًا للقاء المواطنين، وفى الواقع الكثير من المحافظين كانوا يعملون بهذا المبدأ لكن لم أرى منهم إلا أخبار منمقة وصور فاضحة لمواطنين استفادوا من اللقاء ببضع جنيهات كمساعدات مالية، لكن ما أقصده هنا هو الاستماع للشكاوى الحقيقية ولا داعٍ لتصوير المواطنين الذين تقدم لهم مساعدات أو دعم. إلى جانب اللقاء الأسبوعى الذى ربما فى كثير من الأحيان يتم تأجيله لأى سبب، أنصح المحافظين بتفعيل قنوات التواصل المباشر مع المواطنين من خلال تشكيل وحدة مختصة للرد على شكاوى المواطنين وحلها أولا بأول ورفع تقارير دورية للمحافظ بالشكاوى الواردة والتى تم حلها أو التى تنتظر تدخل رسمى من المحافظ، على غرار المبادرة الناجحة فى وزارة التنمية المحلية "صوتك مسموع". الاستماع للمواطنين والجولات الميدانية فى الشارع تكشف الواقع الحقيقى وتبنى الثقة مع المواطنين. تشكيل فريق عمل قوي اختر معاونين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة وسرعة الاستجابة، ولا داعٍ لاستبعاد القدامى، اختبرهم أولاً واختر منهم من يثبت أن ولاؤه للعمل لا لشخص بعينه، وابدأ من خلال جولاتك الميدانية ومراقبة الأداء فى المحليات تصعيد المتميزين وضمهم لفرق العمل المعاونين المباشرين لك، وقطعًا استبعاد المقصرين. ترتيب الأولويات أولويات المحافظات تختلف من محافظة لأخرى، وهذه الأولويات يحددها المحافظ بالتنسيق والتشاور مع نوابه ومعاونيه، ورؤساء المدن والأحياء، وأيضا لقاءات المواطنين، لكن بشكل عام يمكن القول أن هناك أولويات لا غنى لأى محافظة عنها، وهى التى وجّه بها الرئيس عبد الفتاح السيسى المحافظون ونوابهم، سواء تقنين المخالفات، ومحطات الصرف الصحى ومياه الشرب والكهرباء، والمدارس وانتظام الدراسة، إلى جانب نشر ثقافة الرياضة وتعزيز التعاون مع المجتمع المدني. الشفافية فى القرارات قد يواجه المحافظ بسبب قرارات بعينها، انتقادات لاذعة سواء من المواطنين أو أعضاء مجلس النواب والشيوخ، والمجالس المحلية المرتقبة، لذلك أنصح دائمًا بالشفافية فى اتخاذ القرارات وشرحها للمواطنين مباشرة، فالمصارحة والشفافية تعزز الثقة وتدعمك فى اتخاذ القرار. ختامًا، يمكن القول أن نجاح أى محافظ يعتمد باختصار على قدرته فى الجمع بين الحسم الإداري، والقرب من المواطن، والرؤية التنموية طويلة المدى.