حين تتأمل مسيرة مصر عبر قرن من الزمان، تجد أن تاريخها لا يُكتب فقط بالأحداث الكبرى، بل أيضًا بالمؤسسات التي حفظت آمال الناس وساندت تطلعاتهم نحو غدٍ أفضل. ومن بين هذه العلامات المضيئة، تبرز الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، التي وُلدت عام 1950 لا كمجرد مشروع خيري عابر، بل كجزء من قصة وطن يسعى للنهوض، وذاكرة نابضة تحمل حكايات ملايين البسطاء الذين وجدوا فيها يدًا تمتد بالعون، وقلبًا يخفق بالرجاء. لم تولد الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية كفكرة خدمية عابرة، بل كامتداد لرؤية حملها الدكتور القس صموئيل حبيب، أحد رواد النهضة الإنجيلية، الذي آمن أن الإيمان لا يُترجم بالكلمات بل بالفعل. هكذا بدأت خطوات صغيرة: فصل دراسي لمحو الأمية، عيادة طبية بسيطة، مبادرة لدعم أسرة فقيرة. لكنها كانت تحمل في طياتها روحًا أكبر من إمكانياتها، روحًا وطنية ترى في الإنسان قيمة عليا تستحق الرعاية بلا تمييز. منذ اللحظة الأولى، لم ترَ الهيئة نفسها مؤسسة محدودة، بل مشروعًا وطنيًا يشارك في بناء الدولة الحديثة. ومن هنا كان حضورها في أصعب اللحظات: في زمن التحديات، وقت الصراعات الدولية، وأثناء الكوارث الطبيعية وجائحة كورونا، حيث ظهر وجهها الحقيقي ك "ضمير وطني حاضر" لا يتأخر عن أبناء بلده. هذه المواقف لم تكن استثناءً، بل تعبيرًا عن فلسفة متجذرة: الوطن أولًا، والإنسان فوق كل اعتبار. ما يميز الهيئة أنها لم تجمد عند لحظة التأسيس. فمن العمل الخيري البسيط (1950–1970)، انتقلت إلى التنمية المتكاملة في السبعينات والثمانينات، ثم إلى الانفتاح المجتمعي والحوار الثقافي منذ التسعينات، وصولًا إلى التركيز على الاستدامة والرقمنة والبيئة في العقد الأخير. كل مرحلة لم تكن مجرد تعديل في البرامج، بل تجديدًا للرسالة، بحيث تبقى الهيئة معاصرة لتحديات اللحظة المصرية. ومن بين ما يجعل هذه المؤسسة أيقونية، أنها لم تعرف في برامجها أي تصنيف ديني أو اجتماعي. في قرى الصعيد ونجوع الدلتا، عملت مع المسلمين والمسيحيين جنبًا إلى جنب، مؤمنة أن الخدمة الحقيقية لا تُفرّق بين مواطن وآخر. هكذا تحولت إلى جسر عملي للوحدة الإنسانية، تُبرهن بالفعل أن المحبة والعدل والأمل ليست شعارات لاهوتية، بل قيم تتحقق حين تمد يدك إلى أخيك في إنسانيته. لا شك أن التاريخ يُكتب أيضًا بالأسماء. من الدكتور القس صموئيل حبيب، المؤسس وصاحب الرؤية، إلى الدكتور القس أندريه زكي، الرئيس الحالي وقائد النهضة الوطنية للهيئة، الذي رسخ البُعد الوطني للتجربة وأعاد تأكيد حضورها كفاعل أساسي في المشهد العام، مرورًا بعشرات القيادات والعاملين الميدانيين. هؤلاء جميعًا لم يكونوا مجرد إداريين، بل شهودًا على إيمان حي، تركوا بصمتهم في صياغة هوية مؤسسة صارت جزءًا من ضمير مصر. يكفي أن نشير إلى بعض المعالم: ملايين المستفيدين، منهم مئات الآلاف ممن خرجوا من دائرة الأمية بفضل برامجها التعليمية، آلاف الأسر التي حصلت على قروض صغيرة لتبدأ مشروعاتها، حملات الصحة والوقاية التي وصلت إلى المناطق الأكثر احتياجًا، ثم منتدى حوار الثقافات الذي فتح أبواب النقاش بين مختلف التيارات ليصبح منصة وطنية للحوار. أرقام لا تروي كل القصة، لكنها تُثبت أن الكلمات تحولت إلى حياة ملموسة. ولأن الرسالة الصادقة لا تُحبس داخل الحدود، كان للهيئة حضورها في المحافل الإقليمية والدولية. لم تذهب لتعرض إنجازاتها فقط، بل لتُقدّم صورة مصر الحقيقية: بلد التعايش، والمواطنة، والإيمان بالسلام. بهذا المعنى، صارت الهيئة أيضًا سفيرًا شعبيًا لمصر، تنقل للعالم أن التنمية والروح الوطنية يمكن أن يتقاطعا في تجربة واحدة. بعد خمسة وسبعين عامًا، لم تعد الهيئة القبطية الإنجيلية مجرد مؤسسة خدمات، بل ذاكرة وطن ورسالة عابرة للأزمنة. هي برهان على أن الإيمان حين يتحد مع الوطنية يصنع مؤسسة أصيلة وصادقة، وأن الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مسيرة تُكتب بالعرق والعمل والرجاء. في زمن يميل إلى النسيان السريع، تظل الهيئة تذكيرًا دائمًا بأن مصر تبني حاضرها ومستقبلها ليس فقط بالسياسات والخطط، بل أيضًا بالمؤسسات التي تحمل ضميرها الحي، وتكتب بأفعالها صفحات لا تمحى من تاريخها.