Refresh

This website www.masress.com/youm7/7104517 is currently offline. Cloudflare\'s Always Online™ shows a snapshot of this web page from the Internet Archive\'s Wayback Machine. To check for the live version, click Refresh.

 
مصر وقطر تبحثان سبل التعاون في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب    الرئيس السيسي يؤكد عزم مصر وتركيا على توطيد التعاون بمختلف المجالات    أمريكا: قيصر الحدود في إدارة ترامب يعلن سحب 700 من عناصر إدارة الهجرة من مينيسوتا على الفور    البابا يدعو لترسيخ الأخوة الإنسانية.. المحبة طريق مشترك لمواجهة الحروب والانقسامات    إنفانتينو: المغرب مرشح قوي للتتويج بكأس العالم    عصابات الكتعة تستغل الأطفال في التسول بالقاهرة.. والأمن يضبطهم    ضبط سيدة بالغربية سرقت قرط طفلة داخل الحضانة    الدكتور مصطفى يوسف اللداوي يكتب عن : عمار بن ياسر يلقي التحية على أدهم العكر ويطمئنه    برشلونة ل حمزة عبد الكريم: بداية واعدة والقادم أجمل    اليوم الأربعاء.. البورصة المصرية تختتم بارتفاع جماعي وربح 27 مليار جنيه    الهلال السعودي يمدد عقد روبن نيفيز حتى 2029    تفاصيل الجلسة العامة لمجلس النواب.. اليوم    أسعاره تبدأ من 45 جنيها.. تخفيضات كبيرة بمهرجان القاهرة الدولي للتمور بالدقي    تعليق مثير من راندا البحيري على إيقاف عرض مسلسل "روح off"    غادة إبراهيم تبدأ تصوير «إعلام وراثة» استعداداً ل رمضان 2026    لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب ترسم خارطة طريق لتطوير المنظومة    خالد الجندى يوضح الفرق بين الجدل المحمود والمذموم    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : ربنا الله !?    محافظ الشرقية يفتتح وحدتى طب الأسرة ومعرض رمضان ويوجه برفع الإشغالات بالحسينية    جامعة القناة تنظم قافلة تنموية شاملة لخدمة أهالى حى الجناين بالسويس    مش مجرد خس وطماطم.. أطباق من السلطة مفيدة لصحتك تقوى مناعتك    أم كلثوم.. من منصة الغناء إلى استراتيجية القوة الناعمة    اتحاد الكرة الطائرة يوقف ثلاثي الزمالك بسبب المديونية    برلمانية المؤتمر بال«الشيوخ»: حجب «روبلوكس» خطوة حاسمة لحماية الأطفال    وزارة الزراعة: ضبط 91 منشأة بيطرية مخالفة للقانون خلال يناير    ريكورد: رونالدو لم يغادر الرياض ويعود لتدريبات النصر    «هيئة البريد» توفر حزمة خدمات مالية مع «معاهد الجزيرة العليا بالمقطم»    وفقا لجدول محدد.. القاهرة تتحول إلى متحف مفتوح خلال الفترة المقبلة    اليوم العالمي للسرطان.. 6 لفتات إنسانية تصنع فارقًا في رحلة المحاربين    احتفالية الأزهر باليوم العالمي للأخوة الإنسانية تؤكد مركزية القيم الأخلاقية في بناء السلم المجتمعي    شركات السكر تتوقف عن التوريد للأسواق.. والطن يرتفع 4 آلاف جنيه خلال يومين    محامون يتهمون وزير خارجية سويسرا بالتواطؤ في جرائم حرب غزة    وزيرا الدفاع اليوناني والأمريكي يناقشان أسس التعاون الدفاعي الاستراتيجي    أحمد عبدالقادر يعلن رحيله عن الأهلي وينتقل رسميًا إلى الكرمة العراقي    متابعات دورية لإلزام التجار بأسعار السلع المخفضة في معارض أهلا رمضان بالشرقية    عاجل- الأمير أندرو يغادر منزله الملكي بعد الكشف ملفات جديدة ل "جيفري إبستين"    وزارة العمل تُعلن عن فرص عمل بالأردن في مجال المقاولات الإنشائية.. ورابط للتقديم    خالد محمود يكتب : برلين السينمائي 2026: افتتاح أفغاني يكسر منطق «الأفلام الآمنة»    تشييع جنازة والد علا رشدى من مسجد الشرطة.. وأحمد السعدنى أبرز الحاضرين    رئيس «هيئة الاستثمار»: منتدى الأعمال المصري-التركي فرصة لإطلاق شراكات اقتصادية جديدة    الجزائر: التجارة الحرة الكبرى والاتحاد الجمركى ركيزتين للتنمية العربية    محافظ أسيوط يكرم حفظة القرآن الكريم بمركز أبنوب فى مسابقة الفرقان    إعلان القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها ال19    الإدارة والجدارة    محافظ كفرالشيخ يهنئ رئيس الجامعة الجديد ويبحثان عدد من الملفات المشتركة    إحالة أوراق متهمين بقتل شخص بسبب خصومة ثأرية فى سوهاج إلى فضيلة المفتى    وزير الصحة يبحث مع رئيس العربية للتصنيع تسريع مشروعات تطوير المستشفيات والمنشآت الصحية    تشاهدون اليوم.. الزمالك يلتقي بكهرباء الإسماعيلية ومانشستر سيتي يصطدم بنيوكاسل    لإعادة المظهر الحضاري.. رفع 40 سيارة ودراجة نارية متهالكة    ضبط 12 متهما في مشاجرة بالأسلحة النارية بقنا    إصابة 13 شخصًا في انقلاب ميكروباص بطريق الدواويس - الإسماعيلية    سبورت: تشيزني يتقبل واقعه في برشلونة دون افتعال الأزمات    الحكومة تقرر سحب مشروع قانون المرور الجديد من مجلس النواب    إيبارشية حلوان والمعصرة توضح ملابسات أحداث كنيسة 15 مايو: لا تنساقوا وراء الشائعات    التشكيل المتوقع للزمالك أمام كهرباء الإسماعيلية بالدوري    إسلام الكتاتني يكتب: 25 يناير المظلومة والظالمة «3»    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    بعد منعه من الظهور.. هاني مهنا يعتذر عن تصريحاته: تداخلت المواقف والأسماء بحكم السنين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غزة تعزف رغم الانكسار.. شباب من قلب المعركة يجعلون من الموسيقى والرسم والقراءة علاجا جماعيا للأطفال..يمنحهم متنفسا آمنا وسط صخب الحرب.. ويزرع فيهم شعورا بأن الحياة يمكن أن تستمر رغم الصعوبات
نشر في اليوم السابع يوم 29 - 08 - 2025

حسام حسونة حوّل الجيتار إلى درع نفسى للأطفال ليقيهم من اليأس ويمنحهم ثقة جديدة بالحياة
محمود مبروك اختار أن يكون صوته ملاذا للبراءة وسط الرعب ويضفى الفرح على وجوه الأطفال فى لحظات يندر فيها الابتسام
سامر النواجحة وجد فى الإيقاع لغة حياة تصدح بالفرح رغم كل شىء ليعلّم الأطفال أن الأمل أقوى من القصف والدمار وأن الموسيقى يمكن أن تكون سلاحا للصمود

فى غزة، حيث تختلط أصوات الانفجارات بصرخات الأطفال، وحيث يذوب الحلم فى عيون الصغار قبل أن يكتمل، يطل الفن كنافذة صغيرة للحياة وسط كل هذا الخراب... هنا، لا يعنى الغناء مجرد تسلية، ولا يصبح الرسم مجرد هواية، بل يتحول إلى أداة مقاومة وسلاح مختلف يحمى الروح من الانكسار.
بين الجوع والحصار وانقطاع الكهرباء، نشأت مبادرات فردية قادها شبان أمنوا بأن الموسيقى والألوان والصوت يمكن أن تكون خطوط دفاعية لحماية إنسانية الأطفال، حتى لو لم توقف صاروخا واحدا، فقد كان لديهم ما هو أعظم، حيث الإصرار على أن الحياة تستحق أن تُعاش، حتى فى أقسى الظروف.
هنا فى هذا الملف نفتح نافذة على أربعة تجارب ملهمة من غزة، لأشخاص قرروا مواجهة الدمار بالأمل، وزرع لمحات من الطفولة فى قلوب الأطفال التى تحاول الحرب انتزاعها؛ فهناك من جعل من الموسيقى والرسم والقراءة علاجا جماعيا للأطفال، ليمنحهم متنفسا وسط الخراب، ومن حول الجيتار إلى درع نفسى يقيهم من اليأس ويزرع فيهم شعورا جديدا بالأمان، وهناك من اختار أن يكون صوته ملاذا للبراءة وسط الرعب، ليضفى الفرح على وجوه الأطفال فى لحظات يندر فيها الابتسام، وليعلّم الأطفال أن الأمل أقوى من القصف والدمار.
جابر ثابت يروى حكايته مع أطفال غزة
بين دخان الحرب وأصوات القصف التى لا تهدأ يعيش أطفال غزة واقعا قاسيا يفوق طاقتهم، لكن وسط هذا السواد تولد أحيانا مبادرات صغيرة قادرة على إعادة شىء من الطفولة والأمل، لذا قرر جابر ثابت، الناشط المجتمعى والنازح من النصيرات، مع مجموعة من أصدقائه أن يجعلوا من الموسيقى والرسم والقراءة وسيلة لمداواة الجراح وصوتا يواجه الحرب بالإنسانية.
ويقول جابر ل«اليوم السابع» إن البداية كانت من صديقه حمادة الهباش، الذى يعمل فى معهد الموسيقى، حيث اقترح تنظيم ورش موسيقية للأطفال فى المخيمات، ويضيف أنه استغرب فى البداية كيف يمكن أن يتقبل الناس الفكرة بينما يعيشون بين الدمار والجوع، لكنه سرعان ما اقتنع أن الأطفال بحاجة إلى شىء يرد لهم الضحكة. وهكذا انطلقت أول ورشة موسيقية بمشاركة 10 أطفال شكلوا جوقة صغيرة، غنوا معا، وكان المشهد مؤثرا للغاية. بعد ذلك انضم معلمون آخرون من معهد إدوارد سعيد لتصبح الورش أكثر احترافية وانتظاما.
ويؤكد أن الأطفال لم يكونوا قادرين على التعبير بالكلام عن مشاعرهم، فمن فقد والده كان يصمت حين يُسأل عن إحساسه، لكن حين يغنى أو يعزف يظهر ما بداخله من دموع أو ضحكات لم يعرفها منذ شهور، وهكذا أصبحت الموسيقى لغة جديدة لهم.

وأضاف «جابر» أن تجربة الرسم مع الأطفال كانت مذهلة، إذ رسم طفل بيتا كاملا ملونا، وقال إنه بيته الذى دُمر ويريد أن يحتفظ به على الورق كى لا ينساه، بينما رسمت طفلة أخرى شجرة مليئة بالعصافير، وقالت إنها تحلم بمكان تسمع فيه تغريد الطيور بدلا من أصوات الطائرات، لقد وجد الأطفال فى الرسم علاجا بصريا يخرجون فيه ما لا يستطيعون قوله بالكلمات، ومع مرور الوقت تغيرت ألوان رسوماتهم من القاتمة إلى الزاهية، وامتلأت أوراقهم بالشمس والزهور والبحر.
القراءة جاءت كرحلة أخرى للخيال، فقد جمع «جابر» قصصا للأطفال بعضها جاء من تبرعات، وبدأ يقرأها بصوت مرتفع أمامهم، وكانت عيونهم تلمع وهم يتخيلون أنفسهم أبطال تلك الحكايات، أحد الأطفال قال إنه حين يقرأ يشعر أنه لم يعد فى الخيمة بل فى مكان آخر، ومع تمثيل الأدوار وتقليد الأصوات تحولت جلسات القراءة إلى مساحات للضحك والتفاعل الجماعى.
ويؤكد «جابر» أن الأنشطة لم تقتصر على الأطفال، بل شارك فيها الكبار أيضا، ففى ورش الموسيقى كان بعض الآباء يعزفون مع أبنائهم، وفى الرسم جلست الأمهات بجانب بناتهن، وفى القراءة ساعد الشباب فى إلقاء القصص بصوت عالٍ، وهذا خلق جسرا بين الأجيال ومنح المخيم جوا أكثر دفئا. الأطفال الذين كانوا صامتين ويعانون من الانطواء صاروا أكثر ابتسامة وثقة، وبدأوا يضحكون ويشاركون، كما أخبره الأهالى أن أبنائهم عادوا يضحكون فى البيت، وهو الأمر الذى اعتبره أثمن من أى شىء آخر.
ويشير «جابر» إلى أن التحديات لم توقفهم، رغم أن المعدات كانت قليلة والكتب نادرة والألوان والدفاتر شبه معدومة، فاضطروا أحيانا لاستخدام الكرتون كأوراق رسم أو طباعة قصص من الإنترنت، لكن رغم شح الإمكانيات كان الأطفال سعداء بأى شىء يُقدم لهم، موضحا أن أكثر ما يدفعه للاستمرار هو اللحظات التى تبقى فى الذاكرة، مثل طفل فقد منزله فرسم علم فلسطين، وقال إنه بيته الجديد، أو آخر غنى بصوت مبحوح من البكاء وأصر أن يسمعه الجميع، أو طفلة رفعت يدها فى جلسة قراءة، وقالت إنها تريد أن تكون بطلة القصة القادمة، هذه المواقف الصغيرة منحته وزملاءه دافعا أكبر ليواصلوا فكرتهم رغم كل الظروف.

حسام حسونة عازف جيتار يحارب بالموسيقى

«وسط الركام وأصوات القصف التى لا تهدأ، قررت أن أواجه الحرب بطريقة مختلفة»، يقول حسام حسونة ل«اليوم السابع»، ويُضيف «لم أحمل السلاح، بل حملت الجيتار، وجعلته أداة للحياة ورسالة للأمل فى وجه الموت والدمار.. بالنسبة لى، الموسيقى لم تعد مجرد هواية، بل أصبحت وسيلة مقاومة وصمود».
ويتابع: «فى البداية نظر كثيرون باستغراب إلى فكرتى.. كيف يمكن تعليم الأطفال الموسيقى فى بيئة يسيطر عليها الخوف وأصوات الانفجارات؟ لكنى شعرت أن الأمل لا يقل أهمية عن الخبز والماء.. ولم الحصول على الجيتار سهلا، فالموجود منها باهظ الثمن، لذا أحيانا أصلح ما هو مكسور، وأحيانا أستعير من الآخرين حتى لا أتوقف».
ويواصل: «أكبر دافع لى هو نظرات الأطفال حين يلمسون الأوتار للمرة الأولى.. أتذكر فتاة صغيرة قالت لى: هذا أجمل شىء أمسكته فى حياتى.. لم تفارقنى هذه العبارة، وأيقنت أن البساطة قادرة على تغيير عالمهم».
ويوضح: «رغم أن الحرب لا تغيب عن حياتنا، فإن الموسيقى تخفف من وطأتها.. أصوات القصف تخيفهم، لكن حين يبدأون بالعزف ينسون كل ما فى الخارج.. الجيتار أصبح درعا يحميهم من الخوف».

ويضيف: «الموسيقى بالنسبة إلى ليست مجرد تسلية، بل علاج للنفس.. تخرج الألم من داخلهم بطريقة لا يستطيع التعبير عنها بالكلام، عزف الأطفال أصبح رسالة إلى العالم، رسالة تؤكد أننا ما زلنا أحياء وما زلنا نغنى رغم كل شىء».
ويكشف حسام عن حلمه: «أطمح لإنشاء مدرسة موسيقية كبيرة فى غزة تضم جميع الآلات لتكون فضاء للأطفال يكتشفون فيه أحلامهم بعيدا عن مشاهد الحرب والدمار، أريد أن يجد الأطفال مكانا يحلمون فيه ويستكشفون مواهبهم، وأكبر التحديات التى أواجهها هى نقص الإمكانيات.. لا توجد أماكن مناسبة، ولا آلات كافية، ولا دعم، ولكن الإرادة موجودة».
ويختم برسالة إنسانية: «أطفالنا ليسوا أرقاما فى نشرات الأخبار، بل أرواح تحب الحياة والغناء والضحك.. ساعدونا لنُبقى الموسيقى حاضرة فى قلوبهم، كل لحظة يغنى فيها طفل، كل نغمة يعزفها، هى انتصار صغير على الحرب والحصار، وهى دليل على أن غزة لم تفقد روحها، وأن الأطفال يستحقون أن يعيشوا الفرح، وأن ينشأوا على الأمل والحياة».
محمود مبروك مغنٍ يحوّل صوت الموسيقى إلى ملاذ لأطفال غزة
«فى مدينة أنهكتها الحرب وحاصرتها صور الدمار، يظل الأطفال هم الحلقة الأضعف والأكثر معاناة فى غزة»، يقول محمود مبروك ل»اليوم السابع»، «أصوات الانفجارات تحاصر قلوبهم قبل بيوتهم، والبحث عن لحظة فرح بسيطة يصبح مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة.. الفن فى هذا الواقع القاسى أصبح نافذة ضوء صغيرة تمنح هؤلاء الأطفال شعورا بالحياة».
ويضيف: «ما جعلنى أفكر فى استخدام الغناء مع الأطفال هو إحساسى بأن الموسيقى قادرة على أن تكون متنفسا.. الغناء بالنسبة لى ليس مجرد فن، بل وسيلة راحة، وعندما رأيت الأطفال وسط كل هذا الوجع، شعرت أن صوت الموسيقى قد يكون الملجأ البسيط الذى يخرجهم ولو قليلا من ضغط الحرب».
ويشرح: «الغناء لا يقتصر على كونه نشاطا فنيا، بل هو نافذة نحو الحرية.. الموسيقى تفتح أمام الأطفال نافذة صغيرة للحرية، حتى لو كانت لحظات قصيرة.. أرى الابتسامة على وجوههم وهدوءا فى عيونهم، إنها تخفف من الخوف والضغط الذى يعيشونه يوميا».
ويؤكد: «الغناء أصبح للأطفال أداة للتعبير عن مشاعرهم العميقة.. هناك أطفال، عندما نغني، أشعر أن أصواتهم ترتجف، كأنهم يحكون قصصهم المؤلمة بطريقة مختلفة، فالغناء يعطيهم لغة آمنة للتعبير عن وجعهم، لذلك اعتمد مزيجا بين الأغانى المعروفة التى تمنح الأطفال إحساسا بالألفة، وأغانٍ بسيطة أؤلف كلماتها لتكون قريبة من عوالمهم، تعبر عن أحلامهم الصغيرة وتخفف عنهم وطأة الواقع».

ويضيف: «تجربة الغناء صارت مواقف يومية ألمس من خلالها أثر الفن على نفوس الأطفال، وأتذكر فى إحدى المرات أننى كنت أغنى مع مجموعة من الأطفال، وكان بينهم طفل معروف بصمته الدائم، لا يتحدث ولا يشارك فجأة قرر أن يغنى معنا بصوت ضعيف، ثم بدأ يضحك ويتفاعل، فى تلك اللحظة شعرت أن الغناء كسر الجدار الذى كان يحيط به، وأدركت أن الفن قادر على فتح أبواب لم تفتحها الكلمات تلك اللحظة كانت من أكثر ما منحنى الدافع للاستمرار».

ويتابع: «الفن فى ذاته رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة أو وسيلة شهرة. أنا أعتبر الفن رسالة إنسانية بالدرجة الأولى، ودورى ليس أن أغنى وأرحل، بل أن أترك أثرا طيبا، وأن أمنح الأطفال مساحة لتفريغ مشاعرهم».
ويكشف عن التحديات: «الطريق لم يكن سهلا.. فى البداية واجهت بعض التخوف من الأهالى الذين يسعون لحماية أطفالهم من كل المخاطر، أحيانا يكون هناك تخوف من مشاركة الأطفال، لكن عندما يرون الفرحة فى عيون أبنائهم بعد جلسات الغناء، يتحولون إلى أكبر داعمين ومشجعين».
ويؤكد: «الغناء للأطفال ليس مجرد وسيلة تسلية، بل هو علاج نفسى حقيقي، فالغناء يحرر الطفل من التوتر والخوف، ويمنحه فرصة ليضحك ويشارك مع الآخرين، إنه أداة نفسية حقيقية، وليست مجرد لهو أو ترفيه».
ويعن حلمه الأكبر، يقول «محمود»: «لا يتوقف حلمى عند حدود جلسات الغناء البسيطة، بل أطمح أن تتحول هذه التجربة إلى مشروع أوسع قادر على حمل أصوات غزة إلى العالم.. أحلم أن تصل أصوات الأطفال وأغانيهم إلى العالم كله، من خلال الفيديوهات والحفلات والأعمال الفنية.. أريد أن يسمع الناس الحقيقة من براءة الأطفال، لا من نشرات الأخبار».
وعندما يُسأل عن الكلمات التى يود أن يغنيها مع الأطفال، يجيب: «سنغنى معا: نحن صغار لكن قلوبنا كبار، وسط الدمار نغنى للسلام، وللغد الذى يحمل الأمان».
بهذا الإصرار يؤكد محمود مبروك أن الفن فى غزة لم يعد ترفا أو نشاطا هامشيا، بل أصبح ويلة للبقاء ومجالا لصون إنسانية الأطفال التى تحاول الحرب أن تقتلعها، وبين أصوات القنابل التى تسعى لقتل الحياة، يصر هو وأطفال غزة على أن يرفعوا أصواتهم بالغناء ليقولوا للعالم أجمع إنهم يستحقون الطفولة ويستحقون السلام.
سامر النواجحة عازف إيقاع يحوّل أوجاع غزة إلى ألحان تحيى الأمل
«منذ سنوات وأنا أراقب الأطفال فى غزة، وسط الركام وأصوات القصف المتواصلة»، بهذه الكلمات يقول سامر النواجحة، وهو عازف إيقاع ومدرس موسيقى فى غزة ل«اليوم السابع»، موضحا: «كنت أشعر بالحزن والوجع على تلك الطفولة التى تحاصرها الحرب، وعرفت أن هناك طريقة مختلفة لمواجهة هذا الواقع، لم أحمل السلاح، بل حملت الطبول وأدوات الإيقاع، لأحوّل وجعهم إلى صوت، ولأعيد لهم بعضا من الفرح المفقود».

ويضيف: «الإيقاع ليس مجرد أصوات متتابعة، بل لغة حياة.. حين يدق الطفل على الطبل أو أى آلة إيقاعية، فإنه يطلق صرخته المكبوتة بطريقة جميلة، وكأنه يقول للعالم: ما زلت حيا، وما زلت قادرا على الحلم والابتسام، وهذه اللحظة بالذات كانت السبب فى أن أواصل، لأننى رأيت أن الموسيقى قادرة على تخفيف وطأة الحرب داخلهم».

ويتابع: «البداية لم تكن سهلة، فالأهالى كانوا فى حيرة من أمرهم، وكانوا يتساءلون: كيف يمكن للأطفال أن يتعلموا الموسيقى فى بيئة يسيطر عليها الخوف وانقطاع الكهرباء ونقص كل شىء؟ لكن مع مرور الوقت، بدأت النتائج تظهر بوضوح، الأطفال أصبحوا أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر رغبة فى التواصل، وبدأوا يبتكرون، ويجدون فى الإيقاع متنفسا لألمهم، وطريقة للتعبير عن أحلامهم».


ويكشف «سامر» عن التحديات المادية الكبيرة: «الآلات الإيقاعية نادرة وغالية الثمن، والمعدات غير متوافرة، لكننى لم أستسلم، ولجأت إلى إعادة تدوير العلب المعدنية وأدوات المطبخ لصنع طبول بديلة، وأحيانا نصنع آلات صغيرة من أى شىء يمكن أن يُصدر صوتا، وتعلمت أن الموسيقى تبدأ من الروح قبل أن تعتمد على الآلة، وأن الإبداع يولد من القيود نفسها».
ويؤكد سامر: «أنا لا أرى نفسى مجرد موسيقى، بل صاحب رسالة إنسانية وفنية، أحلم أن أؤسس مركزا موسيقيا فى غزة يكون مأوى للأطفال، يزرع فيهم الإبداع ويمنحهم القدرة على مواجهة واقعهم الأليم، ويجعل الموسيقى جزءا من حياتهم اليومية، جزءا من مقاومتهم للحزن والخوف».
ويضيف: «الإيقاع ليس للهروب من الحرب، بل لتذكيرنا جميعا بأن للحياة صوتا آخر يستحق أن يُسمع، وأن الأطفال فى غزة لهم الحق فى الضحك واللعب والحلم، حتى وسط الدمار والقصف، كل ضربة طبل، وكل إيقاع صغير يصنع لهم مساحة من الأمان، ومساحة ليكونوا فقط أطفالا».
ويختم «سامر» حديثه برسالة إنسانية مؤثرة: «كل طفل هنا ليس رقما فى إحصاءات الحرب، بل روح تحب الحياة والموسيقى والفرح، كل صرخة فرح يطلقها الطبل هى انتصار على الألم والخوف، ودرس لنا جميعا بأن الإبداع قادر على أن ينقذ الطفولة من أظلم الظروف».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.