حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه رسميًا فى انتخابات رئاسة حزب الوفد    تراجع أسعار الذهب في مصر متأثرة بارتفاع الدولار وتشديد التوقعات بشأن الفائدة الأمريكية    الولايات المتحدة تعلن احتجاز ناقلة نفط روسية بالمحيط الأطلسي.. كيف ردت موسكو؟    مان سيتي ضد برايتون.. هالاند يتصدر تشكيل السيتزينز في البريميرليج    الزمالك على مفترق طرق.. من هو المدرب الأجنبي القادم؟    نوة الفيضة الكبرى تقترب من الإسكندرية وتحذيرات من ارتفاع الأمواج 5 أمتار    لقاء سويدان تعلن إصابتها بالعصب السابع    وزير خارجية السعودية يصل إلى واشنطن في زيارة رسمية    جيسوس: ضم صفقات للنصر في يناير؟ الأمور ليست سهلة    حابس الشروف ل"إكسترا نيوز": مصر دائمًا مع الحق الفلسطيني وحل الدولتين    أزمة نفسية تدفع شاب لإنهاء حياته فى الهرم    ضبط سائق تسبب في مصرع شخص دهسًا بالقاهرة    أزمة داخل منتخب نيجيريا قبل مواجهة الجزائر بسبب المستحقات المالية    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    احتجاز مشجع الكونغو الشهير كوكا مولادينجا في عملية احتيال    محافظ المنيا يهنئ الآباء الأساقفة بعيد الميلاد المجيد    تحت شعار «صناع الهوية».. وزارة الثقافة تكرم رموز العمل الثقافي في مصر    «العائلة».. كلمة السر فى حياة «كوكب الشرق»    برلين: من الصعب المضي قدما في العملية السياسية الخاصة بأوكرانيا بدون واشنطن    محمد صلاح بين اختبار كوت ديفوار وقمة ليفربول وأرسنال    محافظ قنا يشارك أقباط قوص فرحتهم بعيد الميلاد ويؤكد وحدة المصريين    وكيل صحة الدقهلية يتابع توافر الأدوية والمستلزمات الطبية خلال أعياد الميلاد    طريقة عمل البسلة والجزر باللحمة بمذاق رائع    القبض على شخص لترويج بيع أسلحة نارية عبر فيس بوك في الإسماعيلية    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    اعتراف بالفشل.. التعليم تقرر إعادة امتحان البرمجة للصف الأول الثانوي بعد سقوط منصة كيريو    مبدأ مونرو بعد قرنين: عقيدة حماية أم بوابة هيمنة    ننشر الأسماء.. وزارة التضامن تغلق 80 دار رعاية مخالفة وغير مرخصة في 18 شهرًا    البديوي السيد: رسائل الرئيس السيسي من الكاتدرائية تؤكد تماسك النسيج الوطني ووحدة الصف    عاجل.. سلامة الغذاء تسحب عبوات لبن نستلة من الأسواق    محافظ القليوبية ومدير أمن القليوبية يقدمان التهنئة بعيد الميلاد المجيد بمطرانية شبين القناطر    محافظ الغربية يزور كنائس طنطا ويُسعد الأطفال بهدايا الرئيس    طوارئ قصر العيني: استمرار تقديم الخدمة الطبية بكفاءة عالية خلال فترة الإجازات    1000 رحلة يوميا و1.2 مليون راكب.. السكة الحديد تكشف أرقام التشغيل على مستوى الجمهورية    تشييع جثمان المطرب ناصر صقر إلى مثواه الأخير    النيابة الإدارية تواصل غدًا التحقيق في واقعة مصرع 7 مرضى بمركز علاج الإدمان بالقليوبية    القبض على 299 متهمًا بحوزتهم نصف طن مخدرات بالمحافظات    الرعاية الصحية تعلن خطتها للتأمين الطبي لاحتفالات عيد الميلاد المجيد    انطلاق «مارثون الخير» بفنادق شرم الشيخ    برشلونة يعلن إصابة تير شتيجن وعودته إلى إسبانيا    محافظ كفرالشيخ: التشغيل التجريبي لمجزر دسوق تمهيدًا لافتتاحه    البابا تواضروس: وحدتنا أساس الحفاظ على الوطن وقواتنا المسلحة فخر لكل مصرى    لقاء الخميسى: لا يوجد ما يستدعى القتال.. السلام يعم المنزل    وزارة الصحة ترفع كفاءة الخدمات التشخيصية من خلال تطوير منظومة الأشعة التشخيصية    أسعار اللحوم في الأسواق المصرية اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    الدفاع السورية تعلن حظر تجوال كامل في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب    وزيرا الزراعة والتعليم العالي يبحثان تفاصيل مشروع إنشاء جامعة الغذاء في مصر    وزارة المالية: مديونية أجهزة الموازنة للناتج المحلي تستمر في التراجع    مصرع طفل غرق في حوض مياه أثناء اللهو بالواحات    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    أسعار الأسماك اليوم الأربعاء 7 يناير في سوق العبور للجملة    أسعار الذهب في مصر اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    هل يسيطر «الروبوت» فى 2026 ؟!    نانسي عجرم ترد على شائعات طلاقها: الناس مش متعودة تشوف زوجين متفاهمين    بدعوة من نتنياهو| إسرائيل تعلن عن زيارة لمرتقبة ل رئيس إقليم أرض الصومال    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نتنياهو وشركاؤه فى المأساة وعارها.. هل يتظاهر إخوان تل أبيب ضد قرار احتلال غزة؟
نشر في اليوم السابع يوم 10 - 08 - 2025

الجميع على خط واحد منذ إعلان الكابينت الإسرائيلى قراره بالاحتلال الكامل لقطاع غزة، ولا صوت يعلو على صوت الرفض شرقا وغربا، أما كل ما دار فى ذهنى من وقتها يخص الداخل المحتل، أو قطاعا منه على وجه التحديد. ويتلخص فى سؤال موضوعى برىء للغاية: هل بالإمكان أن نرى تظاهرة يقودها رائد صلاح ونائبه كمال الخطيب، ويحشدان فيها إخوان تل أبيب وضواحيها، للاعتراض على ما يعترض عليه العالم كله، وإثبات الولاء للقضية قبل الأيديولوجيا والتنظيم؟
ومبعث السؤال معروف وليس فى حاجة للتفسير؛ إذ انتدبت الحركة الإسلامية (فرع الإخوان فى إسرائيل) نفسها مُؤخّرًا لمهمّة علاقات عامة مشبوهة، وقررت أن تتكلم بعد اثنين وعشرين شهرا من الصمت المطبق؛ غير أنها وجهت جهودها إلى تعزيز السردية الأُصولية مُكايدةً لمصر فى المقام الأول، وإسنادًا لنتنياهو وعصابته اليمينية من طرفٍ خَفىٍّ، وكالعادة اختارت الجماعة أن تُعكِّر الماء قبل الاصطياد فيه، واليومَ تبدو الصورةُ شفّافةً للغاية، والصيد الحلال أسهل ما يكون.
وإن كان الحياد مقبولاً فى السابق بدافع الخوف وتعقُّد الأوضاع داخليًّا؛ فإنهم بالمبادرة المجانية قد أخرجوا أنفسهم من مظلّة التفهُّم وإحسان الظن، وتمَوضعوا على أرضيّةٍ لا يُمكن الركون بعدها إلى حائط الصمت مُجدّدًا، لا سيما أنَّ معناه الوحيد أنهم تكوين رديفٌ للسلطة المُتطرّفة فى تل أبيب، ويختطفون المَظلَمَةَ العادلةَ من أصحابها، ليُوظّفوها لأهدافٍ خاصة ظالمة، لا يختلفُ إطلاقًا إن كانت تتقصَّد غسلَ سُمعة حماس وحُلفائها، أو تلطيخَ وجوه الآخرين؛ طالما أنها تبرّئ المُجرمَ الحقيقىَّ وترقص على دماء الأبرياء.
ومن دون مُصادرةٍ على دراما الأيام المقبلة؛ فلن يتظاهر صهاينة حسن البنا فى تل أبيب قطعًا، ولن يُفكّروا مُجرَّد تفكيرٍ فى التصويب على الفاعل وجُرمه المشهود، لا لشىءٍ إلَّا أنّ غزّة ليست الهدف من الأساس، وإنقاذ مَنكوبيها لا يقع ضمن أولوياتهم مُطلقًا.
البطون الخاوية منصة للاستعراض والمزايدة، ومعبر رفح المنتدب من سبعة معابر يُهيمن الاحتلال انفراديًّا على خمسة منها، ليس أكثر من رصاصة مشبوهة تُطلَق فى اتجاه مصر، معنويَّةٍ تلك المرّة؛ لكنها كانت ماديَّةً طوال سنواتٍ من الإرهاب ومحاولات إثارة الفوضى.
وإن صحّ العزم وصدقت النوايا؛ فالهدف معلومٌ وليس محلَّ اختلافٍ بأية درجة. القرار صادر عن مجلس الوزراء المُصغَّر، والجيش مُلزَم بإنفاذه عمليًّا، مشمولاً بالسيطرة العسكرية وتهجير نحو مليون جائع من الشمال للجنوب.
وهُنا؛ عليهم أن يذهبوا إلى مقر الحكومة أو محيط وزارة الدفاع، وأن يُعلنوا موقفًا صريحًا من خطّة القَضم بِنيّة الإبادة الجماعية والتطهير العرقى، انسجامًا مع البيانات الصادرة عن القاهرة وغيرها من العواصم، وعن اللجنة الوزارية العربية الإسلامية بشأن غزّة، وهو ما لا يُمكن أن يسير فيه الإخوان؛ ناهيك عن توقُّع أن يسعوا لتوظيفه ضد خصومهم من داعمى القضية الحقيقيين، ضمن استراتيجيّةٍ تُعاد صياغتها طوال الأسابيع الماضية، بغرض تصدير الأزمة إلى خارج الجغرافيا الفلسطينية، وانتشال حماس من مأزقها الخاص؛ ولو كان المقابل إبراء ذمَّة الاحتلال من النكبة الجارية والآخذة فى التصاعد.
والحال؛ أن حلقة النار الجديدة مشبوكة فى سوابقها منذ الطوفان، ولا يصحُّ فصلها عن المُسبِّبات التى أودت بالبلاد والعباد إلى التهلكة ومهاوى الضياع. وليس هذا عن تورُّطٍ مُضادٍّ للأصولية فى فخ التعليل وإبعاد العدو عن مجال الاتهام؛ إنما لأنَّ الوقائع تتّصل ببعضها ضمن شبكةٍ عضوية، ثابتها الوحيد أن إسرائيل كيان مُجرم بالفطرة والتأسيس، وعلى رأسه الآن أسوأ صنوف القتلة انحطاطًا وشراسة.
وقد مُنِحوا هديَّةً مجّانيّةً من السنوار ورجاله ذات صباح بائس، وما زالوا يستثمرون فيها ويصرفون عوائدها، فيما يُعزِّز لهم ورثةُ القائد الراحل من قيمتها بالذرائع المُتوالية، ولا يُفكِّرون ولو عَرَضًا فى أن يسحبوها منهم، وأن يعتذروا عنها لأنفسهم ومُحيطهم، وطوابير الضحايا المدفوعين إلى المذبح من دون استشارة أو اختيار.
تبدو إدارة الحركة للصدام وتداعياته رخوةً مُتباطئة، وإيقاعُها لا يتناسَبُ مع النوازل الثقيلة وتراكُم الخسائر طبقاٍ فوق بعضها بلا انقطاع. تلقَّى الاحتلالُ الصفعة الافتتاحية، ثمَّ انقلب العدَّاد على الصافع وبيئته، ومن يومها يكسبُ المُحتلُّ ويخسر المُختلّ، ولا يتوقَّف النزيف المسحوب غصبًا وبالاستخفاف من شرايين المنكوبين.
قُضِمَت الجغرافيا تِباعًا، وتآكلت عناصر القوَّة الحاضرة، وصار خزّانُ الرهائن عند أدنى منسوبٍ مُمكن، ولا يتغيَّر خطابُ النصر الزاعقُ بصَخَبه غير المفهوم، وبالشعبويَّة التى تُخاطب مُشايعيها فى الخارج وتُغازل الرعاة، ولا تنظر للداخل البائس؛ ولو بطَرفٍ عينٍ أو لحظةِ أسىً أمينةٍ وصادقة.
قبل سنةٍ وعِدَّة أشهُرٍ كانت على الطاولة مُقدِّمات صفقة للتهدئة، تباطأت حماس فى التعاطى معها، بينما تشتبك إسرائيل مع إيران من دمشق إلى «ليلة الصواريخ والمُسيَّرات»، وعندما قرَّرت قبولها، استبقتها بضربة طائشة، غير محسوبة وغير مُثمرة، فى محيط كرم أبو سالم، ما حفّز نتنياهو على إنفاذ خطَّته المُلوَّح بها سابقًا باجتياح رفح جنوبىّ القطاع.
وخرجت رؤوسُ الحركة الحامية لتقول إنها لن تكون نُزهةً، وستنقلِبُ جحيمًا على الغُزاة؛ لكنهم أحكموا سيطرتهم على أكبر محافظات القطاع خلال ساعات، وافترشوا محور فيلادلفى (صلاح الدين) وأغلقوا المعبرَ من جهة القطاع، وتستند فكرتُهم حاليًا بشأن التهجير إلى تلك المساحة التى تأخَّر احتلالُها لنحو ثمانية أشهرٍ عن انطلاقة الحرب.
وكأنّ الزمن لم يتحرَّك بالأدمغة وفيها؛ إذ يُهدِّدُ القادةُ المنفصلون عن الواقع بتبعات احتلال غزّة بالكامل، ولا يلحظون أن أحاديثهم الاستعراضية الجوفاء تُمرِّرُ للاحتلال سرديَّته، وتُوحِى بالنديَّة والتكافؤ الغائبين تمامًا، وعلى الأقلّ لا يحتاج نتنياهو لتبرير خياراته الجنونية أمام الحليف الأمريكى؛ لأنه يُسلِّمُ له بهدف اقتفاء أثر حماس وإنهاء وجودها الفاعل، وإذا كانت معه واشنطن فلا حاجة لأحد غيرها، ولا خوف من أحد.
وكُلَّما فُتِنَت الحركةُ بنفسها على حساب بيئتها، وعبَّرت عن الحضور بأكثر من حقيقته الفِعليَّة؛ فكأنّها تُذخِّرُ بندقيَّةَ اليمين الصهيوني، الساعى إلى الإجهاز على القضية، وتُعَمِّى على المَظلَمَة الإنسانية الصافية، وهى آخر وأثمن ما يملكُه الغزّيون للأسف.
والحقُّ أنَّ نقضَ الذريعة قد لا يُغيِّر شيئًا؛ لكنَّ الإبقاء عليها يزيدُ الأمور تعقيدًا، ويُكثِّف المأساةَ، ويزيد ثقلَها على جغرافيا يحكمها الموت واليأس.
والمُفاضلة منذ شهورٍ طويلة لم تعُد معروضةً على أيّة خيارات جيدة؛ بل تنحصر بين السيِّئ والأسوأ فحسب.
والظاهر أنَّ الحركة تُقدِّم مصالحها التنظيمية والائتلافية على أيّة مُقاربةٍ أُخرى، فيما العقلانية الغائبة لن تنقُذَها قطعًا؛ لكنها ستُعزِّزُ خطاب السياسة، وتُزَخِّم أجواء اليقظة والرفض الدولى، مع فتح كُوَّةٍ فى الجدار لوَضع البديل الوطنى المُؤهَّل على الطاولة، وإدخال السلطة ومُنظَّمة التحرير طرفًا فى المعادلة، ولو بجهدٍ ومُعاناة، ومن فوق رُؤوس التوراتيِّين والقوميين على الجانب الآخر.
ما عاد البحثُ فى إخراج حماس من المشهد تآمُرًا على المقاومة كما يُصوِّرُ أُصوليِّو الإخوان ورُعاتُهم؛ بل ضرورة ظرفية لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، وسحب الغطاء عن آلة القتل الصهيونية فى مُطاردتها الأبدية للحركة ظاهرًا، وقصدِها النافذ عَمليًّا بسحق الحياة فى القطاع، وتيئيس أهله من فكرة البقاء فيه، أو احتمالية تعافيه وإعادة إعماره فى أى مدى قريب.
أى أنَّ الخيارات الصفرية لا تفعل شيئًا إلَّا تقوية القوىِّ وإضعاف الضعيف، واستمرار الخَصْم من الفُرَص المتاحة بوتيرةٍ طَرديَّةٍ مُتصاعدة، بحيث لا يمكن أن ينتهى المسار إلَّا بتحييد بقايا القسَّام، وبعد أن يكون من المستحيل إحلال بديل فلسطينى عنها، أو البدء من نقطة قريبة للمُعادلة القائمة قبل الطوفان.
والحادثُ جنوبًا لا يختلف عن نظيره فى الشمال، مع الفارق طبعًا؛ إذ اجترح حزبُ الله طريقًا إلى الحرب تحت عنوان الإسناد والمُشاغلة، بانفرادٍ كامل عن الدولة ومُؤسَّساتها، والتزامٍ وحيد تجاه رأس المُمانَعة فى طهران، ومن دون قدرةٍ على حماية قواعد الاشتباك السابقة، أو جاهزيَّةٍ للمُناورة العاقلة وسداد أثمانها الواجبة.
وفيما أبرم اتّفاقًا مع إسرائيل أواخر نوفمبر الماضى، يتقبَّل فيه وقفَ القتال على أشراط القرار الأُمَمىِّ رقم 1701، وما يقضى به من نَزع السلاح جنوبىَّ الليطانى وشماله، ينقلبُ عليه اليومَ بإملاءٍ من الرعاة، وافتئاتٍ على الميثاقية التى يُتاجر بها طوال الوقت، مُتغاضيًا عن كَونِه استدعى الاحتلال مُجدَّدًا بعد رُبع قرنٍ من الرحيل، ويفتح له مجالاً لانتهاك السيادة تحت ذريعة السلاح المُعطَّل.
أقرَّت حكومة نوّاف سلام برنامجًا لحصرية السلاح فى يد الدولة، ووضعَتْ جدولاً زمنيًّا وترتيباتٍ عمليَّةً فى اجتماعيها يومى الثلاثاء والخميس، إنفاذًا لخطاب قَسَم الرئيس جوزيف عون، وللبيان الوزارىِّ الذى حازت به الحكومةُ ثقةَ البرلمان، بمن فيه من نواب الثنائى الشيعى؛ لكنَّ الشيخ نعيم قاسم لا يتوقَّف عن المُزايدة والتخوين، ورئيس كتلة الوفاء الحزبية، محمد رعد، قال مُؤخَّرًا إنَّ نزع السلاح عمليّة انتحارية، وإنهم لا يَنوون الانتحار.
وبهذا؛ فالحكاية بالمُختَصَر أنَّ الحزب استبدَّ بقرار الحرب، فهُزِمَ ووقَّع بيدِ حليفه، الرئيس نبيه برى، على اتّفاق الهزيمة وقيوده، ثمَّ يُكابر فى سداد أثمانها الداخلية لصالح الكيانية الجامعة، ويشترطُ على الدولة إجلاءَ الاحتلال الذى استجلَبَه بنفسه، قبل الكلام عن أيَّة خطّةٍ عملية لتحصين الدولة من الدويلة، وتجنيبها كُلفة المغامرات غير المحسوبة، والولاءات المُمتدَّة بعيدا وراء الحدود، ولا يُنكرُها الحزبيِّون مُطلَقًا، بل كان الأمين العام الراحل حسن نصر الله يتباهى بأنهم من أتباع الولىِّ الفقيه، وأنَّ طعامهم وسلاحهم ومعاشهم ورواتب المقاتلين تأتى كلّها من الجمهورية الإسلامية، ومعلومٌ طبعًا أنَّ من يدفع أجرَ العازف، غالبًا ما يُحدِّدُ وحده اللحنَ وسرعة الإيقاع.
وباستثناء فارق الاحتلال، الذى لم يَعُد فارقًا كما كان قبل الطوفان؛ فالحالة الحماسيَّةُ فى خنادقها وفنادقها تُماثِلُ جوَّ الضاحية وفوران أدمغة قادتها والمُتسلِّطين عليها.
الحركةُ أطلقت طوفانَها بلا استعدادٍ ولا استشراف للمآلات، وتُناور طوال شهور المفاوضات دفاعًا عن حضورها فى المشهد، لا عن المشهد ذاتِه، وعندما اختنقت بأفعالها سَعَتْ إلى التحلُّل من الالتزامات، وإلقائها على أكتاف الآخرين.
ولم يَكُن من قَبيل المُصادفة أن يُصَعِّد خليل الحيَّة فى خطابه التحريضىِّ التعبوى، تزامُنًا مع دعاوى الإخوان للتجمهر وحصار السفارات المصرية، ومع تظاهُر فرعِهم الإسرائيلىِّ ضد مصر فى تل أبيب، وبإذنٍ من سلطة الاحتلال؛ بل من أشدِّ وجوهها وقاحة، وزير الأمن القومىِّ نازىِّ النزعة والهوى إيتمار بن جفير.
وعليه؛ فالحال أنَّ لبنان واقعٌ بين احتلالين مَنظورين: العلنىِّ الخَشِن بتمركُز الصهاينة فى بعض النقاط الجغرافية ومُرتفعات الجنوب، والخفىِّ الناعم تحت راية الحزب وبقايا سلاحه المُوجَّه جنوبًا، وبإرادةٍ يحكمُها الملالى ويُوظِّفونها فى سياق الاشتباك مع الشيطانين الأكبر والأصغر: الولايات المتحدة والدولة العبرية، ولأجل الدفاع عن مشروع الشيعية المُسلَّحة، وما تبقَّى من أطلاله الدارسة.
وكذلك الأمر فى غزَّة؛ إذ يُسيطر الاحتلال على ثلاثة أرباع القطاع، ويتأهَّب للهيمنة الكاملة، فيما يلعبُ السلاحُ الحماسىُّ دورَ المُحتلّ الثانوى أو الرديف، لأنه يخدمُ المُحتلَّ الأصيل بالدرجة الأُولى، ويفتئِتُ على محاولات تخليق الحلول والبدائل من داخل الفضاء الفلسطينى.
سيظلُّ الجرسُ الأكبر فى رقاب الصهاينة؛ لكنَّ اللحن البولوفونىَّ مُتعدَّدَ الخطوط والطبقات تتشارك فيه أجراسٌ أصغر، بقَصدٍ شرِّيرٍ أو غباءٍ طيِّب، لا فارقَ طالما أنَّ المآلات واحدة.
وبهذا؛ فالاحتلال على كلِّ بشاعته المنظورة والثابتة، يُعرِّى الأُصوليَّةَ المُقاسمة له فى اللعبة، ويطعنُها فى مواطن عِفَّتها؛ إذ الجهد لم يَعُد منذورًا للقضايا بما يُوافق مصالحها العُليا، ولا يُترجِمُ الشعارات الظنيّة المرفوعة بإجراءاتٍ قطعيّة تُغلّفها الحصافةُ والديناميكيّة، لتستقرئ الوقائع وتستجيب لها بحقِّها.
إنما الغرض كلُّه ينصرفُ إلى الاستبداد والاحتكار وإعلان السيادة على المُلكيَّة العامة، وتصريف المسائل الوجودية بما يُحقِّق مُتطلَّبات القوى المُؤدلَجَة ضمن مشروعٍ مُلحَقٍ على الصراع، ومُتقدِّمٍ عليهما أيضًا، ويبتلعهما لصالحه؛ ولو كان من نتاج ذلك أن يأخُذَ العاطفة والفائضَ العاطفىَّ، ويترك البلاد والعباد نهبًا للعدوِّ، ويُحمّلهما أثقالاً ماديَّةً كاسرةً، وكوارثَ تتناسَلُ من أرحام بعضها.
ولا حلَّ هُنا إلَّا بتفكيك الصورة المُركَّبة دون أخذِها على عِلّاتها، واختصام الاحتلالَيْن بالتساوى، ومن دون أن تقود المُزايدة والتشغيب إلى تغليب أحدهما على الآخر؛ لأنهما فى واقع الأمر يشتركان فى لُعبةِ تخادُمٍ مُضمَرة، يتقوّى بها كلُّ طرفٍ على بيئته، ويعبرانها معًا على أطلال البلاد وأجساد المنكوبين.
فيما يظلُّ لبنانُ هُناك عاجزًا عن الإمساك بزمام أموره كما يتوجّب وتقضى طبائع الأمور، وتُقمَع غزَّةُ بالسلاح القريب قبل البعيد، لترتدع عن البحث فى أُفق المحنة والتماس سُبل الخلاص.
يربحُ نتنياهو فيُبرِّر الحزب وجوده، وكذلك تفعل حماس، ولا يقفان لحظةً أمام حقيقة أنهما وضعَا له الأرباح تطوُّعًا على طاولة المُقامرة المحسومة مُسبَّقًا.
وانطلاقًا من فلسفة العدوَّيْن القريب والبعيد، وهى مُنطلَقٌ فقهىٌّ يحكمُ مُقاربات الأُصوليَّة الدينية للقضايا والمنازعات، فكما يُوجِّه الإخوانُ بأطيافهم كلَّ السهام جهة مصر والأردن وغيرهما، وتختصمُ الشيعيَّةُ المُسلَّحة لبنان فى ميثاقيته وسيادته الكاملة على عموم الجغرافيا الوطنية؛ فالواقع أنه لا سبيل لتقويم مسار النضال التحرُّرىِّ فى فلسطين وغيرها إلَّا بإبراء القضايا من الأَدلَجَة الفجّة، ومن الاستتباع والتجيير لصالح الأجندات الخاصة، إمَّا بعودة الميليشيات والحركات إلى الثابت الوطنى ومظلَّته الجامعة، أو بإخراجها من مجال الاشتراك فى البحث عن حلولٍ ومخارج آمنة، لا سيَّما أنها فى كلِّ محاولاتها السالفة كانت تُنتِج الأزمات وتسدُّ المنافذ، ولا تُفكِّرُ إلَّا لنفسها دون المجموع العريض.
أقرَّ الكابينت ما اعتبرها خمسةَ مبادئ لتصعيده العسكرى: نزع سلاح حماس، واستعادة الأسرى، ونزع سلاح القطاع، والسيطرة الأمنية فى غزة، وإقامة إدارة مدنيَّة لا إلى الحركة ولا السلطة.
والسلاح بأنواعه منزوع الأثر فعلاً، مع إبداء الحماسيين رغبتهم سابقًا فى هُدنةٍ طويلةٍ قد تصلُ لعشر سنوات، واستعدادهم لمُبادَلة الرهائن دفعةً واحدة. السيطرة مرفوضةٌ؛ إنما لا بديل يُقارُعها، والإدارة مُعلّقة على شِقاق الخنادق والفنادق مع رام الله، ويَمُرّ العدوُّ من الانقسام؛ بأكثر مِمّا يربح المُنقسمون للأسف.
احتلالُ غزة سيكون جريمةَ نتنياهو وعصابته؛ لكنه خطيئةُ حماس ورُعاتها ومُموِّليها، ولَسنا فى وارد المجاملة والتلطيف وتلفيق المُبرِّرات الحانية على الفشل وسوء الطويّة.
المُقاومة حقٌّ قطعًا؛ إنما على أرضيَّةٍ وطنية غير فئوية، وبشراكةٍ مُوسَّعةٍ لا تحتكرُ قرار الإقدام، ولا تحجب خيارَ الإحجام؛ عندما يكون واجبًا وأنفع من التصلُّب والذاتية المُفرطة.
لا شىءَ يُبرِّر جرائمَ الصهاينة، أو يُطَبِّعُ الوعىَ الإنسانىَّ الصافى مع خروقها البشعة؛ لكن استسهال الذهاب بالأوطان وأهلها إلى المجهول عملٌ لا يُوصَف إلَّا بالحماقة، وقد لا يقلُّ بشاعةً عن سلوك القاتل، المعروف بنَهَمِه للدم، وانتهازه للفُرَص، أو اختراعها.
يجبُ أن تنصرف الجهودُ كلُّها اليومَ لإحباط الخطَّة؛ لأنها مُقدِّمةٌ مثاليّةٌ لِمَا يُريده الصهاينة على صعيد التهجير وتصفية القضية، وأوّل تلك الجهود أن تتنحَّى حماس، وتتوحّد قيادةُ المهمَّة الدفاعية تحت مظلَّة الشرعية الفلسطينية الوحيدة، ولنُرجِئ بقيَّةَ الخلافات إلى وقتِ السِّعَة والرفاهية؛ لأنه لا معنى للإغراق فى السفاسف الآن سوى خدمةِ المشروع الإلغائى لغزَّة، كمدخلٍ لتعميمه على الضفة والقدس، وربما عرب الداخل أيضًا.
اختبارٌ صعبٌ؛ لكنه واضحٌ للغاية ولا يستدعى الحيرة، وإذا اكتشَفْتَ بعد قرابة العامين أنك كنت جهاز التعقُّب GPS كما فى حال «أجهزة البيجر» الحزبية، فلا بطولة فى مُواصلة التمَوضُع بما يُحقِّق للعدوِّ أهدافه المعروفة والمُعلَنَة. حماس جاهزةٌ لإبرام صفقة تبادُل واحدة مع العدو، كما تقول؛ فلتكُن صفقةً إنقاذيّةً بالتوازى مع الشقيق أيضًا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.