فى بعض مجتمعاتنا، لا يُقاس الإنسان بما يعرف، بل بمدى التزامه بما هو متوارث، لا يُسأل: "ما حجتك؟"، بل يُسأل: "مين قال لك؟"، وكأن الحقيقة تُقاس بعدد سنوات تداولها، لا بعمق منطقها، المعرفة لا تُحتفى بها، بل تُستقبل أحيانًا كتهديد، من يفكر بصوتٍ عالٍ يُتَّهَم ب"الفلسفة"، لا بوصفها فضيلة، بل كنوع من التطاول على العُرف. الخرافة ليست زلة ثقافية عابرة، بل كثيرًا ما تُبنى حولها أنظمة كاملة من العيش والموت، من الطقوس إلى التقاليد، تُمارَس بقناعة مطمئنة واطمئنان عميق. الجهل، فى هذه الحالة، ليس نقصًا في المعلومة، بل خيار اجتماعي، وأحيانًا مصدر فخر، تتعزز مكانته بأمثال من نوع: "سيبك من العلم، اسأل المجرب"، أو "ما تربيناش على كده". والأخطر حين تُقدَّم هذه الحالة بوصفها أصالة وهوية. فيُربط بين الجهل والانتماء، وتُعطى الخرافة صبغة "الجدود"، وكأن أي محاولة للفهم أو التجاوز خيانة للماضي. التنوير يصبح عبئًا، يُجسَّد في صورة شخص "مش طبيعى"، يرتدى نظارة، ويطرح أسئلة تُقلق راحة الجماعة، أما الجاهل الظريف، الذي يعيد إنتاج ما سمعه بلا تردد، فهو النموذج المثالى. في هذا المناخ، لا يُفسح المجال لصوت العقل، بل يُستبدل بضجيج الطمأنينة. الإعلام لا يدعو المفكرين ولا المتخصصين، بل يملأ شاشاته بمروّجى الطاقة، و"المعالجين" بالكلمات الرنانة، و"المدربين" على الحياة، الذين يبيعون الراحة لا الفهم، والنصيحة لا التفكير. وعلى المنصات الرقمية، حيث يُفترض أن تكون المساحة أفضل للعلم، تنتشر الخرافة كالنار في الهشيم. لا أحد يسأل: "هل هذا منطقى؟"، بل يكفي أن يكتب أحدهم: "جربت وحصل"، ليُمنح الكلام شرعية كاملة. ما يُبنى على "الإحساس" والصدفة، يُصدَّق أكثر مما يُبنى على المنهج والتجربة. حتى الموت، بكل ما فيه من رهبة، لم يَسلم من هذا الفلكلور المضاد للمعرفة، طقوس عديدة تُمارَس وكأنها تعاويذ ناجحة، دون أن يخطر ببال أحد أن الميت لا ينتظر منّا إلا الصلاة والدعاء وصلاح العمل. المشكلة ليست في الموروث ذاته، بل في تعطيله لأي مساءلة، ما يبدأ كخرافة، يتحول إلى عادة، ثم يُصبح عرفًا، ثم يُقدَّم ك"حقيقة شعبية". من يقترب منه بالسؤال أو النقد، يُتَّهَم إما بالغرور، أو بالخروج عن السرب، أو بعبارة أكثر تهذيبًا: "فاهم أكتر من اللازم". لكن المعرفة ليست ترفًا، ولا رفاهية فكرية. إنها مقاومة. مقاومة لطغيان العادة، ولسلطة الجهل المتخفي في أثواب التراث. لسنا مطالبين بالقطيعة مع الماضي، بل بإعادة فهمه. أن نقرأه لا كوصية نهائية، بل كمخطوطة تحتاج مراجعة. المجتمعات لا تضعف حين تنقصها الموارد فقط، بل حين تفقد شجاعتها في طرح الأسئلة. حين تكتفي بما تعرف، وتخشى ما لا تعرف. حين يُنظر إلى التفكير النقدي كتهديد، ويُمنح الجهل تأشيرة عبور إلى كل بيت. وعندها فقط، تصبح الخرافة نظامًا، ويصبح العقل زائرًا ثقيلًا، لا يُفتح له الباب إلا في اللحظات المتأخرة… وربما بعد فوات الأوان.