نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ وَنَسْرِقُ مِنْ دُودَةِ القَزِّ خَيْطاً لِنَبْنِي سَمَاءً لَنَا.. وَنَفْتَحُ بَابَ الحَدِيقَةِ كَيْ يَخْرُجَ اليَاسَمِينُ إِلَى الطُّرُقَاتِ نَهَاراً جَمِيلاَ كلمات مضيئة قالها الشاعر "محمود درويش"، الصوت الأبرز في التعبير عن القضية الفلسطينية كي تبقى حية وتعيش نضرة وتقف عتية أمام ظلم المعتدي وقهر القادر، والأخطر على الاطلاق.. وهو الساكت عن الحق! ما أجمل هذه الكلمات البديعة، والتشبيهات الرمزية التي امتزج من خلالها حب الوطن بعشق الحبيبة وذابا في ثوب بهِي مُرَصَع بالاستعارات اللغوية المغزولة بخيوط الامل، وما أروع الإحساس بالأملً! اليوم.. ونحن في رحاب أيام مقدسة، تحمل الخير واليمن والبركات، نَتَعَبد الي من خَلقنا ونُطيل النظر الي السماء ونتأمل في شؤونه، فنفيق وندرك حقائق ربما قد غابت عنا في زحمة الأيام وتراكم الانفعالات مع سرعة إيقاع الحياة، ولعل " الامل" لهو من أهم هذه الحقائق.. فنتسأل.. أ نحن فقدنا الامل؟ أأصبح "الامل" شعورا متلاشيا، مختزلا/مؤقتا؟ او ان سنوات العمر هي التي تجبره على التنحي عن طريقنا او هي ارواحنا المترنحة بين الواقع وال "لا واقع" هي من تدفع "الامل" ان يحيد عن طريقنا؟ ما هي الحقيقة؟ اسمح لي عزيزي القارئ ان اشاركك خواطري في شأن "الامل" الذي اعتبره جوهري لاتزان مجتمعاتنا وحيويتها في ظل تحديات جسام وتجارب غير مسبوقة.. ولكن أيضا حجم المشاعر التي تهوي على عقولنا وقلوبنا مع كل طلعة شمس وهي مشاعر متزاحمة، متلاحقة وممزوجة بالخوف من المجهول، كل ما سبق يدفعنا - بشكل غير مباشر - لفقد مهارات نفسية كثيرة مثل "صناعة الامل".. ورغم ذلك، فالإنسان يجاهد ويجتهد في كل طلعة شمس، للبحث عن بصيص من نور "الامل" بين شروخ الحياة، ويجتهد أيضا لتحقيق ابسط أُطر يوم مستقر وغد مضمون، وللعيش في سلام مع الاخرين وفي امان من تقلب نفوس الاخرين، هم ذاتهم من حوله.. وفي قلب ميدان الضغوط النفسية وساحات "الشِجار" الوجودي لكثير منا بين الواقع المؤلم والامل المبهج وبين العقل البراجماتي والقلب النابض بالفطرة.. نكتشف ان "الامل" هو جزء أصيل من تكويننا الرباني وانه مهما ضغطت علينا أيام العمر ولجمت طاقات خيالنا وكبحت جماح احلامنا، فأننا مازلنا نُحِبُّ الحَيَاةَ! نُحِبُّ الحَيَاةَ ونأمل في ان تهبنا غد يحمل معه النور ويقودنا خارج ظلام التحديات اليومية والأحاديث المتكررة الرتيبة مع الاقرباء قبل الغرباء – و التي تتخذ المظاهر عنوان لها، والمال سنة لعقدها، والمقايضة "رمانة ميزان" في التبادلات والعلاقات بين انسان واخر. قال حكماء الزمان ان أيام العمر هي نعمة، يهديها الخالق للإنسان لتكون بمثابة "قوالب بناء" يبني بها حياته في هذه الدنيا.. إما ان يشيد بها جداراً، يفصل بينه وبين من حوله وإما ان يمد بها جسرا، فيتصل ويتواصل مع الاخرين.. وفي هذا السياق، اتسأل وانا اشارككم خواطري.. هل الامل وأيام العمر هم بمثابة متلازمة في حياتنا الدنيوية؟ أي هل الامل أيضا – مثل أيام العمر هو هبة من الخالق للإنسان ليكون كالمصباح الذي يضئ أيام العمر؟ فان حمله الانسان وسار على درب الحياة، فينال البصيرة والطمأنينة، وإما إذا اطفأ نوره و وأد شعاعه في مهد نفسه، فهو يضع خطاه علي دروب التيهه ويخرج من الحياة راكبا حافلة الحزن والخذلان. عزيزي القارئ، "الشمس لا تشرق في اليوم مرتين.. والحياة لا تُهدي (من الخالق) مرتين" كما قال "أنطون تشيخوف" أبرز الأدباء والفلاسفة الروس في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. نعم.. ان الحياة لا تُهدي مرتين، ولكن هل مقولة الفيلسوف والتي كتبها في مهب القرن العشرين مازالت سارية المفعول في وجدان الانسان الذي يعيش في العقد الثالث من الالفية الثالثة؟ وإذا ما تخيلنا انه فقد قابليته لهذه المقولة، فكيف لنا ان نزرع الامل في نفسه ونحن نعيش خضم الصراعات والحروب ونعاني من السياقات المشحونة بالتوتر والصراع؟ اعرف انه ليس من السهل ان نتلحف بالأمل في ظل هذه الأيام الصعبة التي تشهد تفاقم للازمات الاجتماعية والاقتصادية وتفقد المجتمعات توازنها على إثر اختلال منظومة القيم؟ واعي تماما انه ليس بالأمر الهين ان نُقدِم على الاقبال على الدنيا وتذوق طعم ايامها؟ فكيف لنا ان نتجرد من مرارة الحلق امام مشاهد الحروب من حولنا وان نتغلب على كسر الخاطر امام علامات الظلم التي ضربت القلوب والنفوس! وهنا اتسال.. طالما ان هكذا هي الحياة، اليس علينا ان نذهب للقاء الامل في داخلنا كي تكون أيامنا مليئة بسعادة لا تنضب؟ لماذا لا نستغل فرصة هذه الأيام المليئة بالروحانيات للبحث عن نور الامل بداخلنا؟ في الحقيقة اننا ليس لدينا رفاهية الاستسلام ولا يمكننا الركوع والخضوع لواقع مؤلم يجعلنا نمشي دون أن نعلي اصواتنا ونلتفت الي فطرتنا الكريمة بخلقها الاول ودون ان تكون لحياتنا معنى وقيمة وان نكون أصحاب قرار في تحديد اهدافنا واختياراتنا.. ارجو ان لا يُصنف سردي هذا بال "رومانسي" وفاقد لعناصر الواقعية وكم اتمني ان لا تتهموه بانه "كلاما مرسلا"! مهلا على الاحكام القاسية حيث أنى وددت فقط من خلال هذا الطرح ان أُعلي كلمة "الامل"، تلك الكلمة المضيئة التي لا تستقيم الحياة بدونها، ومع استرسالي في السرد، استشعرت تلقائيا ضرورة القاء الضوء على "منظومة الامل " وارتباطها باتزان الانسان وحبه لنفسه وللأخرين وللدنيا كلها من حوله.. بالطبع والطبيعة، يُحِب الانسان نفسه، ولكن عليه أيضا ان يكون مُحِب للأخرين وان يعي ان الحُب "في المطلق" هو "رمانة الميزان" من اجل بقاءه في ديناميكية الحياة.. وحدهُ "الحب" هو طوق النجاة القادرٌ على إنقاذ البشرية في وقت الازمات التي تحاصرنا فيه من كل جانب، "الحب" له مفعول السحر يجعل الانسان يندفع نحو الحياة.. فعلي سبيل المثال، حب الوطن والانتماء هو الذي يدفع المواطنين نحو جبهات النضال المختلفة دون خوف أو هوان.. حب الحياة هو الذي يمنح المريض القوة التي تدفعه قدما على طريق شفائه بفعالية تفوق العقاقير والأدوية.. وحب الانسان لأخيه الانسان، وهو امر من الله وسنة لكل من ديانات السماء، بل وهو نفسه دين.. دين الحب! يقول شمس التبريزي" في دين الحب.. المحبة طريقة.. والحبيب طريق.. والجمال سنة.. الصدق شريعة.. والشوق إيمان.. وان تعددت الطرق.. والطرق.. والطرائق.. والطرقات.. فدين الحب واحد وكل الذين اعتنقوا دين الحب بحكمة وصدق وحب ووعي عرفوا أن السِلم وأن الحُب الصادق والقلب الطاهر هو طريق الخلاص" فلنعيش حياتنا القصيرة هذهِ مهما طالت.. ولنقرر أن نعيشها بعقيدة الحب "خالق الامل" في النفوس، هذا الشعور القوي والقادر على انقاذنا من الحزن، والتغلب على خذلان الحياة. حان الوقت لنفيق ونحذر الانزلاق في حالة ال "لا أمل " التي تنفذْ كالسموم في عروقنا، وتصيب أوردةِ الدّم بالانسداد وتتسبب في غلاظة القلب، وتغتال الطبيعة الخيرة التي خلقها الله سبحانه في كلّ إنسان.. حان الوقت لندرك اننا يجب ان نقاوم التحديات ولا نخضع لتأثيرها السلبي ونتركه يحبط عزيمتنا، إنّنا نَملك العقل وهو نور الله الذي ميزنا به عن سائرِ المخلوقات.. ونعمة بالله تعالي!