مأساة حقيقية تعيشها الأمهات الفلسطينيات وهن يرون أبناءهن وبناتهن بالكفن الأبيض، لم تتخيل هذه الأمهات أن تُشيّعهن، فكم هو صعب على الإنسان أن يدفن فلذة كبده، لكن هذا المشهد أصبح هو المسيطر على الأمهات الفلسطينيات التي ودعن قرابة ال4 آلاف من أطفالهن في قصف الاحتلال الأخير على أراضيهم المنكوبة المحتلة، القصف الذي لا يفرق بين كبير وصغير ورجل وامرأة، فقد تخلى عن إنسانيته جراء مطامعه المزعومة، تحت غطاء أمريكي أوروبي يتغنون بحقوق الإنسان الذين رفضوا أن يمنحوها للفلسطينيين وكأنهم من جنس آخر. ترصد العدسات يوميًا ما يحدث في القطاع من كوارث بحق الإنسانية جمعاء، فقد قُصفت المدارس والمستشفيات وأصبحت المنازل أكوامًا من التراب ولم تخل حتى المساجد والكنائس من القنابل الإسرائيلية التي تزن أطنانًا في حرب بشعة يخوضها الاحتلال على زارعي الزيتون.
ما تبقى من أطفال غزة أصبحوا منهكين فكيف سيعيشون ما تبقى من حياتهم "إن تبقى"، بعد ما عانوه في صغرهم من ويلات يشيب لها الشباب، ويعجز الطب النفسي عن علاجها وبدلت حياتهم، فبدلًا من أن يستمعون إلى الموسيقى كنظرائهم في أي بقعة من العالم أصبح القصف ودك البيوت يلازم أذانهم على مدار اليوم، وبدلًا من أن يلهوا ويلعبوا أصبح نزهتهم حول الدمار الذي أصاب بلدهم ومنازلهم.
صورة استوقفتني لعمة وهي تحمل جثمان طفلة شقيقها في مشرحة مستشفى ناصر بخان يونس، جنوب قطاع غزة، التي راحت ضحية لقصف الاحتلال على غزة، وأصبحت رقمًا في عدد وفيات أطفال القطاع الذي اعتاد العالم الغربي على أن يشاهده يوميًا دون حراك، مشككين فيما يرونه داعمين للاحتلال في مواصلة مجازره.
تعانق المرأة جثمان الطفلة، فيما فشلت الطواقم الطبية في انتشالها من بين ذراعيها ووضعها في ثلاجة الموتى المكتظة بالأطفال والنساء والشباب، تعلقت بالجثمان كتعلق الفلسطينيين بأراضيهم، رافضين أن يتزحزحوا أو أن يُنزحوا منها رغم ما يعيشوه كل ثانية من مئات أطنان المتفجرات التي تسقط على رؤوسهم.
تلك المرأة هي إيناس أبو معمر، والجثمان الذي كانت تحمله في تلك الصورة هي سالي ابنة أخيها البالغة من العمر خمس سنوات.
"لم تكن سالي الوحيدة من بين عائلتها التي استشهدت، إذ سبقها كل من والدتها وشقيقتها، وكذلك عمها وعمتها، لم تشفع لها برائتها من قذائف ومتفجرات الاحتلال الغاشم الذي لا يعرف معنى للإنسانية غير الدمار والهلاك ولا يفرق بين الأطفال والكبار.
يذكرنا ما يحدث يوميًا في غزة بمشهد من فليم "أسبارطا"، عندما اصطحب بطل الفيلم 300 مُحارب لمواجهة جيش الفرس المكون من مئات الآلاف من الغزاة، وعندما واجههم انهالت عليهم براكين الرماة وما كان من المحاربين إلا أن يضحكوا محتميين بالدروع تحت كل هذه الأسهم، لكن ما يحدث في غزة فهو ضحك كالبكاء، فأمهات غزة الأبطال لا يحملن حتى الدروع لحماية أطفالهن من القصف.