إذا أردنا بناء مصر الثورة، فيجب علينا أن تسير الحرية والمساواة جنبا إلى جنب، ولا ينفصلان أبدا، بجانب العدالة التى ستكون نتيجة حتمية للحرية والمساواة، مع إعلاء قيمة العلم والعلماء! وأية محاولة للفصل بينهما ستقودنا للمجهول، هذا بجانب الاعتماد على العلم والعلماء فى بناء مصر الحديثة، علم يقترن بالضمير، لا يكون مجرد وسيلة لتحصيل الرزق أو تحقيق المكانة الاجتماعية، لأن العلم رسالة جليلة خالدة، باعتبار أن العلماء ورثة الأنبياء، وعلى العلماء ما على الرسل من تكليف لهداية الناس للحقيقة والحق والخير والصواب، ولعل ما قالته أم الفقيه سفيان الثورى له وهى تنصحه قائلة "يا بنى خذ هذه عشرة دراهم وتعلم عشرة أحاديث، فإذا وجدتها تغير فى جلستك ومشيتك وكلامك مع الناس، فأقبل عليه وأنا أعينك بمغزلى هذا، وإلا فاتركه فإنى أخشى أن يكون وبالا عليك يوم القيامة"، ولعلنى أرى أن من أعظم ما أنجزته ثورة يناير هو البدء فى إنشاء "مدينة زويل للعلوم" التى ستكون بمثابة البناء الثانى لمصر الحديثة بعد عصر محمد على! وفى كل الأحوال سيبقى الضمير هو الفيصل الوحيد فيما نقوم به من أعمال، وهناك نماذج فى المجتمع يجب اجتثاثها تماما مثل بعض أساتذة الجامعة الذين تحولوا لتجار لا يعنيهم العلم إلا بمقدار ما يفيدهم فى تحصيل الأموال، ولا تؤرقهم الرغبة فى المعرفة إلا بقدر ما تمنحهم من مزايا فى منافسة نظرائهم. يجب اجتثاث بعض فقهاء الدين، وقد تحولوا إلى أبواق لخدمة أصحاب المال والسلطان، ويستخدمون نصوص الدين الجليلة لخدمة أغراضهم الدنيئة، ولا يشغل بالهم النهوض بما عليهم من مسئولية حيال المجتمع، ولا يؤرقهم غضب الله منهم! واجتثاث إعلاميين وساسة يعرفون الحق، وينكرونه ويوظفون ما تعلموه فى الدفاع عمن يدفع لهم أكثر، ومن يخلع عليهم الألقاب، ويمنحهم المناصب والأموال. كذلك بعض الأطباء الذين تحولوا "لملائكة عذاب"، يسعدهم انتشار الأمراض، ويتخذون من علمهم مطية للاستفادة من آلام البشر وأوجاعهم فى جمع الثروة. ومحامون وقضاة يستغلون علوم القانون وطرقه فى تبرئة الظالم وعقاب المظلوم، ولا يهز ضمائرهم صوت العدل الذى أقسموا أن يرفعوه ولا يضيرهم إعلاء شأن الباطل الذى أقسموا أن يخسفوا به، وبأصحابه الأرض. وعلى الجانب الآخر نرى أن المجلس العسكرى شأنه شأن نظام مبارك يرفع شعار "تدرجوا حتى تنضجوا فتنالوا حريتكم"، وهو الآن شعار مرفوع فى وجه كل من يطالب بالحرية والمساواة. ونحن بدونا كأصحاب رأى وكثوار لدينا العزم والجرأة على تحدى هذا الشعار، وسنهدم جدار الزنزانة، وسنعمل على زيادة خطواتنا إلى الحرية والمساواة والعدل والضمير والعلم، وسنهدم الجدار الذى صنعه المتاجرون بالدين وأدعياؤه الذين استغلوا حاجة الناس الروحية، وإيمانهم العميق بالله، وراحوا يشيدون جدارا عريضا بينهم وبين جلال النصوص ومقاصد الشرع بتأويلات بشرية، ادعى أصحابها أنها صحيح الدين، وما هى إلا محض اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ. وسنهدم الجدار الثالث المتمثل فيما توارثناه من عادات وتقاليد اجتماعية، مثل تقدير الشخص بجذوره العائلية، وليس بما يحققه من إنجاز، واعتبار صاحب المنصب الرسمى حتى لو كان لصا أو منافقا أهم وأرفع مكانة، ممن لم ينل المناصب حتى لو كان عالما أو مبدعا، أو حتى مواطنا بسيطا لكنه شريف نظيف اليد. وأخيرا علينا أن نهدم أكبر الجدران وأكثرها ارتفاعا، وهو ما فى أنفسنا من قيود وتلعثم وقت المجاهرة بالحق والصدق قعودا إذا دعينا إلى يوم الحرية الأكبر فى 25 يناير القادم، لنستكمل ما بدأناه فى 25 يناير المنصرم، وليكن شعارنا هو"حريتنا أن نهدم جدران السجن ونجعل السجان يتسول الغفران". الله.. الوطن.. الثورة