بدعم البنك الأفريقي للتنمية.. انطلاقة قوية لمشروعات الصرف الصحي بالأقصر    وزيرا خارجية مصر وباكستان يبحثان آخر مستجدات الوضع الاقليمي    باكستان: باب المفاوضات الأمريكية الإيرانية لم يغلق رغم عدم التوصل إلى اتفاق    سيد عبدالحفيظ: انتظروا قرارات جديدة في أزمة حكم مباراة سيراميكا    لن يخدم جاره.. تشيلسي يسقط أمام مانشستر سيتي ويقربه من الصدارة    ياسر قمر: نثق في قدرة الأهلي على تنظيم بطولة إفريقيا للطائرة بصورة مشرفة    النائب العام يقرر حظر النشر في 4 وقائع اغتصاب وانتحار    وزارة الثقافة تواصل فعاليات المرحلة السادسة من المواجهة والتجوال بالوادي الجديد    «السياحة» تخطط لتطوير منطقة بهبيت الحجارة الأثرية في محافظة الغربية    وزير الرياضة ومحافظ القاهرة يبحثان تعزيز التعاون وإطلاق فعاليات رياضية بالعاصمة    جامعة دمنهور تطلق حملة توعية لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك    لجان تفتيشية على المنشآت السياحية بالفيوم استعدادا لشم النسيم وأعياد الأقباط    «الإسكان» تعلن عن المدن التي تتضمنها المرحلة ال11 من مشروع «بيت الوطن»    بسبب أمريكا.. فرنسا ترفض نظام مايكروسوفت ويندوز    بيان مهم من الصحة بعد واقعة "سيدة الإسكندرية"    انطلاق فعاليات التدريب المصرى الهندى المشترك "إعصار-4"    كرة سلة - إعلان مواعيد نصف نهائي كأس مصر    الزمالك يفوز على الأهلي في قمة بطولة الجمهورية للشباب    معتز وائل يتوج بذهبية كأس العالم للخماسي الحديث بالقاهرة    الصحة اللبنانية: 2055 شهيدا و6588 مصابا جراء العدوان الإسرائيلي على البلاد منذ 2 مارس الماضي    الجامعة الدول العربية تدين بشدة مصادقة السلطات الإسرائيلية على إنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية    ضبط طرفي مشاجرة استخدمت فيها أسلحة بيضاء بمسطرد بسبب خلافات مالية    إصابة 5 أشخاص في تصادم سيارتين ملاكي بالبحيرة    " راشد " يكلف نائبه والسكرتير العام بمتابعة الموقف ميدانيا    تشييع جثمان سيدة ألقت بنفسها من الطابق ال13 بالإسكندرية    استقرار أسعار الذهب في مصر خلال التعاملات المسائية اليوم    رئيس الوفد يزور الكاتدرائية لتهنئة البابا تواضروس بمناسبة عيد القيامة    احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن:بسنت سليمان.. حين سقطت القشة فسقطت معها روح تبحث عن نجاة..!!    أمير رمسيس وشاهيناز العقاد ضمن لجنة التحكيم بمهرجان هوليوود للفيلم العربي    ماذا فعلت التربية والتعليم لمواجهة نقص العمالة في المدارس؟    جامعة القاهرة: استمرار استقبال المرضى في «قصر العيني» بعد حريق وحدة التكييف    محافظ المنوفية يناقش الاستعدادات النهائية لموسم حصاد وتوريد القمح    الرئيس مهنئًا مسيحيي مصر بعيد القيامة: سنظل دائمًا نموذجًا للوحدة الوطنية والتعايش الأخوي    الأزهر للفتوى: طلب الراحة بالانتحار وهم وكبيرة من كبائر الذنوب    الأوقاف: إزهاق الروح انسحاب من الدنيا ومن كبائر الذنوب    محافظ الدقهلية ومدير الأمن يقدمان التهنئة لأسقف مطرانية المنصورة وتوابعها بمناسبة عيد القيامة    الحرارة تصل 38 درجة.. الأرصاد تكشف مفاجآت طقس الأيام المقبلة    وزير الزراعة يتفقد معرض الزهور بالدقي ويقرر مده لنهاية مايو وإعفاء من الرسوم    وزارة الصحة توجه نصائح طبية ووقائية لتجنب أخطار التسمم الناتج عن تناول الأسماك المملحة    تأجيل استئناف المتهم بقتل مالك مقهي أسوان على حكم إعدامه    منتخب الصالات يواجه الجزائر وديًا .. الليلة    هو في إيه؟.. واسكندرية ليه؟.. جرائم ازاوج أنذال تزهق أرواح الزوجات.. حادتتان مؤلمتان في أقل من شهر    مجموعة جديدة من جرحى غزة تغادر المستشفيات المصرية نحو القطاع    بعد واقعة سيدة الإسكندرية، هل المنتحر خارج من رحمة الله؟ رد حاسم من عالم أزهري    "القاهرة الإخبارية": جيش الاحتلال يحاصر مدينة بنت جبيل اللبنانية تمهيدا لعملية برية واسعة    «الصحة» ترفع الجاهزية بالمنشآت الطبية تزامنًا مع احتفالات عيد القيامة وشم النسيم    محافظ المنوفية يزور الكنيسة الإنجيلية بشبين الكوم لتقديم التهنئة بعيد القيامة    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير يطلق مسابقة للأعمال المصرية باسم خيري بشارة    محافظ أسيوط: استمرار رفع نواتج تطهير الترع بقرية النواميس بالبداري    وزير الصحة يترأس مناقشة رسالة دكتوراه مهنية في «حوكمة الطوارئ»    المونوريل يتيح 12000 فرصة عمل لتصميم وتنفيذ الأعمال المدنية    من التهدئة إلى الهيمنة.. إيران تعيد رسم أمن الخليج عبر "هرمز"    تحذير عاجل من الصحة قبل شم النسيم 2026: الرنجة خطر على هذه الفئات    مراسل القاهرة الإخبارية: الرفض الإيرانى للشروط دفع الوفد الأمريكى للعودة سريعا    التفاصيل الكاملة: "حسبي الله فى الغيبة والنميمة ورمى الناس بالباطل".. آخر ما كتبته سيدة الإسكندرية قبل القاء نفسها من الطابق ال13    محافظ أسيوط يزور الكنائس والأديرة بالمراكز والأحياء للتهنئة بعيد القيامة المجيد    هل السوشيال ميديا أصبحت بديلًا لطلب الحقوق؟ خبير أسري يرد    كواليس المخطط| محمد موسى يوضح دور "الإرهابية" في إدارة منصة ميدان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فصل من رواية عمار على حسن "شجرة العابد" التى تصدر قريباً
نشر في اليوم السابع يوم 20 - 06 - 2011

شعرت بالفراغ الكبير الذى تركته نمار فى حياتي. هذه المرة لم أكن أكابد شوقا إليها، لكنى كنت احتاج إلى قدرات جنية حصيفة كى تنقذنى من الورطة التى سقطت فيها. من بوسعه أن يفك الطلاسم التى وجدناها فى قلب الجرة؟ هل أنا؟ أنا كنت مجرد ناقل أمين لما كانت نمار تبوح به. ألقى إليها أذنى مليا، ثم يبدأ لسانى فى الترديد كالببغاء. لا حول ولا طول. لا قوة ولا جاه. قشة أنا فى مهب الريح. قطرة ماء واحدة على حجر صوان فى ظهيرة صيف قائظ، ومضة باهتة فى ظلام دامس، بعضه فوق بعض.
اليوم حفصة ملأت روحى عشقاً. لم أعد أرى غيرها. لكن هل حفصة تأتينى بخبر ليس بوسعى الوصول إليه كما كانت تفعل نمار؟ لا أعتقد أبداً. رحت أمشى ذهاباً وإياباً فى غرفتى الوسيعة. أردد كالمجنون صرخاتى المكتومة: آه يا عاكف، كيف يمكن أن تنام الليلة؟ فى مثل هذا الوقت من الغد ستكون جالسا على فشلك وزيفك، والمعاصير تجهز كى تهرس جسدك، فيصمت كذبك إلى الأبد.
كررتها عشرات المرات ثم ألقيت نفسى على السرير فاستيقظ الأرق، وأطلق أشواكه فى روحي. ساعات أتقلب مكانى حتى نضح النور من خصاص النوافذ، وراح ينبعث فى جنبات الحجرة. نهضت متثاقلا، ورميت بصرى نحو النيل المنساب فى هدوء، والخضرة الكثيفة التى تمتد على الشاطيء الغربى حتى تلتقى بطرف السماء. ملأت عينى من شجرة كافور عالية، تقف شامخة بين الزرع، وقلت فى نفسي: لو كان السلطان يطلب منى أن أكتشف له هذه الشجرة لعبرت الماء إليها وأهديتها إليه، ثم ضحكت فى مرارة، وقلت بصوت مسموع:
شجرة الكنز، شجرة الدواء، شجرة العشق الإلهي، شجرة الإنس، شجرة الجن، شجرة الكون الفسيح، شجرة البداية والنهاية، أى شجرة هي، أى شجرة أنت.
ووصل صوتى إلى الحارس، فأتى مسرعاً وقال:
أتأمر بشيء يا شيخنا؟
فنظرت إليه بابتسامة مرة وقلت:
إلى بالرخ؟
فضحك وقال:
إلى أين تريد أن تطير يا شيخ عاكف؟
فقلت وأنا أطالع عروق الذهب التى أهدتها الشمس للماء:
إلى السماء البعيدة، عند نمار وأهلها العارفين.
فنظر إلىَّ بعينين كليلتين وقال:
السماء نعرفها، لكن من نمار هذه؟
فقلت له دون ترتيب:
هى طريقى إلى ما هو أبعد حتى من السلطان، وطريقى إلى الكذب والحيرة والضياع.
ونظرت إلى السماء فوقعت جمرة الشمس فى عيني، فارتد بصرى حسيرا. جلست مكانى وزحفت على نفسى جيوش من الكآبة. فى شرودى وصمتى الطويل جاء إلى ذهنى فجأة كلام نمار الأخير: "أفق لنفسك يا عاكف، سأتركك الليلة، وعليك أن تجلس مع نفسك طويلا تحاسبها وتعاتبها، ثم أغمض عينيك وابحث عن الطاقة المطمورة داخلك فاستحضرها وستغنيك عني، وستعرف بعد حين أن الإنسان هو خليفة الله فى أرضه، أعطاه من صفاته ومنحه من قدراته.، لكن أكثر الناس لا يعلمون".
أعدت كلماتها فى سرى مرات ومرات، وصرخت داخلي: "كيف السبيل إلى الطاقة المطمورة فى نفسى يا نمار؟ كيف أستحضرها؟ هل بوسعها حقا أن تغنينى عن خدماتك الجليلة التى أوصلتنى إلى هذا القصر وجعلت السلطان يتودد إليَّ؟
كان الحارس يقف على رأسى وأنا عنه ذاهل، فلما رفعت بصرى وجدته ثابتا وفى عينيه عجب. أمرته بالخروج، فقال وهو يهم إلى الباب:
هل أنادى الخدم يحضرون فطورك يا شيخنا؟
هززت رأسى رافضا. خرج وأغلق الباب وتركنى لوحدتي.
ثقلت رأسى فأخذت جسدى وألقيته على الأريكة، وراح النوم يغزونى رويدا. يأتى ويذهب، فلا أنا يقظان ولا أنا نعسان. فى سنة من النوم رأيت الشيخ القناوي. كان يرتدى حلة خضراء لم أرها عليه من قبل. اقترب منى وأخذ يدى فى يده، وسحبنى إلى صدره برفق، وضمنى ضمة قوية اختلفت لها ضلوعي، ثم تركني، وابتعد عنى خطوتين وقال:
كيف حالك يا عاكف؟
ضائع بعدك يا شيخي.
قلت لك ما لو وعيته ما ضعت أبداً.
محنة قاسية ألمت بى وأنستنى الكثير.
فابتسم وقال:
معلق أنت بين الأرض والسماء.
بل مشدود بينهما بحبال غليظة، وأكاد أتمزق بين تحت وفوق.
فابتسم مرة أخرى وقال:
ثبت قدميك فى التراب، الذى خلقت منه، وأطلق روحك تحلق فى الأقاصي، ولا تتعجل، فسيأتيك نصيبك فى أوانه.
ثقلت همومى يا شيخي، واقتربت ساعة رحيلي.
فاتسع وجهه بابتسامة عريضة وقال:
عمرك يا عاكف أطول مما تظن بكثير. لا تستعجل ما لم يتم فيه قضاء، وأمامك ما لم تعرف، فتذّوق على مهل، حتى تأتينا صافيا كأنك ماء رقراق.
نظرت إليه فى تعجب وقلت:
لِمَ تقول ما لا أفهم يا شيخي؟
لا تتعجل، فستفهم كل شيء فى أوانه، وتسترجع الكثير وأنت جالس تحت ظل شجرة لا مثيل لها، تشتم أريج زهرها الجميل، ورائحة فاكهتها اللذيذة، وتطل على الدنيا من عل، الناس هناك كالنمل يسعون إلى ما يسد رمقهم، وكالخراف الضالة يجرون وراء شهواتهم، وأنت تنعم بشجرتك المباركة أيها العابد.
شجرتى المباركة، أعرفت حكايتى يا شيخى الطيب؟
كثيرون هنا يعرفون حكايتك.
أين؟
ألم أقل لك لا تتعجل.
ثم تقدم نحو الباب، وقال قبل أن ينصرف:
سر فى الطريق الذى سار فيه من قبل الحاج حسين.
وطريقك أنت يا شيخي؟
ليس لك.
طيلة السنين التى خلت وأنا أظن أنه لي، وأننى سأعود إليه يوماً، وطالما تمنيت أن أظل عند حسن ظنك.
وهنا توقف عند الباب ورفع وجهه غاضباً، ووضع عينيه فى عينيَّ، وقال:
ليس لك، ولا تجادل.
ثم تبخر.
استيقظت مذعوراً. وشعرت بضيق فى صدري، شيء لا أعرف ما هو قبض عليه حتى كاد أن يخنقني. جلست مكانى مشتت الذهن، وكلام القناوى الأخير يتردد فى رأسى بانتظام، يوخزنى كأنه مسامير حادة. نهضت وناديت الخادم وقلت له:
أريد كسرة خبز يابسة.
نظر إلى متعجباً وقال:
الفطور السلطانى جاهز يا شيخنا.
لا شهية لي، ومثلى يجب ألا تخدعه لذة لن تدوم.
قضمت الكسرة بنفس غير راضية، ثم تركت الأمر لقدمى تذهبان بى إلى حيث شاءتا.
وجدت نفسى أمام مسجد الأمير لاجين السيفى بمئذنته القصيرة الرائعة، فدخلت وجلست إلى جانب العمود الأخير من الناحية اليمنى، وأخذت أنفاسا عميقة كأننى أريد أن أطرد بالهواء الجديد هواء فاسدا راكدا فى جنبات صدري. غلبنى نعاس فنمت حتى أذن المؤذن لصلاة الظهر، وجاء الناس يدبون على الأرض بمراكيبهم الخشنة القاسية، فتوضأت وصليت معهم، وخرجت أجر قدمى كيفما شاءت، فوجدت نفسى أمام خانقاه الأميرين سلار الناصرى وسنجر الجاولي.
رحت أبص فى وجوه الذاكرين الوضيئة، وأتفرس فى حروف الخط الكوفى البديعة. بدت لى وقتها أشبه بالطلاسم المرسومة على ظهر الورقة التى وجدتها فى "خص" الحاج حسين. سرت إلى مدرسة الأمير صرغتمش، ورأيت طلاب العلم يخرجون بعمائمهم البيضاء فى جماعات، وتذكرت أيام القناوى الذى درّس فيها ذات يوم الحديث النبوى والفقه الحنفي، وكثيرا ما أفاض لنا فى إعجابه بإيواناته الأربع وفسقيته البديعة. انتهى تسكعى عند جامع أحمد بن طولون، فطفت حول مبناه الكبير الذى يغطى ستة أفدنة كاملة.
هاهى مئذنته الملتوية ذات السلم الخارجي، تشبه جسدى الذى ترنح إعياء من التجوال بلا هدف، وهاهى محاريبه الجصية، وسوره العالى الممتد، يقبضان على عينى الكليلتين، فتتلهى بهما، إلى أن تحين الساعة المحتومة.
ها أنا أتجول فى المكان الذى حللت به قديما. رآنى رجل أتفرس فى المنمنمات العجيبة، مأخوذاً بها، لا أحيد عنها، فوضع يده على كتفى وسألنى السؤال الذى ألفته منذ مجييئى إلى المحروسة:
الرجل غريب؟
فالتفت إليه، وقلت له:
من الصعيد.
فابتسم وقال:
لو ذهبت إلى مسجد السلطان حسن ستنسحر أكبر يا صعيدي.
فقلت له سأذهب، فقال:
حمارى خارج المسجد إن كنت ستكتريه.
فخرجت معه، وقفزت راكبا. فلما استويت على ظهر الحمار، سحب هو اللجام، وقال بصوت أجش آمراً حماره:
إلى جامع السلطان حسن.
كنت أعرف كم هو مسجد بديع، فطالما تحدثنا فى الزمان البعيد عنه باعتباره ذروة الفن الإسلامي. قلت لنفسى سأذهب، وأضرب بقدمى جوار القلعة العتيدة. ومشيت الهوينا، متلفتا حولي، وكأنى لص فى سوق، حتى امتلأت عيناى بقباب المسجد ومآذنه الشاهقة. ودخلت من الناحية الشمالية، ومررت تحت حنية عميقة مزينة بحشوات هندسية بديعة تنتهى بنصف قبة تتدلى منها المقرنصات حتى سطوح الجدران.
اتكأت على مصطبة محلاة بالرخام الملون، وعينى تتنقل بين شباك الجص والمستطيلات الزخرفية التى نحتت فى الحجر بيد صناع مهرة، حتى وصلت إلى الدركاة المعقودة التى تنتهى إلى الصحن الكبير المربع المفروش برخام ينطق بالروعة، وتتوسطه ميضأة تعلوها قبة خشبية بديعة محمولة على ثمانية أعمدة رخامية. تهت لدقائق فى آية الكرسى المكتوبة بدائر القبة.
"اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَى الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا! شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِى الْعَظِيم"
***
انتهى بى الحال إلى جلسة قصيرة أمام المحراب والمنبر، أملى عيني، وأقول فى سري:
يا لروعة الفن.
ربما أردت أن أودع كل شيء ويكون عالمى القديم الجميل آخر ما تراه عينى من المحروسة. كنت أسكن فى منزل ملاصق لمسجد الأمير شيخون العمرى الناصري، الذى كان يحوى خانقاه طالما أفاضت علينا بأرزاق لا تنسى. أهبط من غرفتى الوسيعة بالطابق الثانى إلى حيث ينتظر الدراويش طعامهم، فأقف بينهم وآكل مما خصص لهم. يلتهمون طعامهم ويعودون إلى الذكر، وأزدرد أنا ما نلته وأعود إلى مطالعة كتب الفقه، والتفكير مبتهجا فى الخروج الكبير على السلطان، والذى ستصنعه سواعدنا الفتية، وهى تلمع بسيوف قاطعة تتراقص خلف عمامة القناوى البيضاء.
كل شيء راح. ذهب القناوى إلى حيث يذهب الناس فى النهاية، ودخلت سيوفنا أغمادها إلى الأبد، وتفرقت بنا السبل فى البلاد، وراكم الزمن على نفوسنا من الخذلان ما ليس بوسعنا أن نطرده بيسر.
انتهت حياتى من التمرد إلى البحث عن الشجرة، والشجرة هنا لن تكون شيئا سوى أساطير الأولين، إن لم أمسسها أو أراها أو أتذوق طعم ثمارها أو أستظل بوارف أوراقها العريضة الطويلة، فلن أقول لأحد إنها موجودة على ظهر الأرض. لكن منذ متى كان الموجود هو ما نحسه، أليس فى الكون من المعجزات ما لا نستطيع أن نمسك به. ألم أر الأرض وأنا هناك فى الفضاء البعيد مع نمار برتقالة سوداء ضائعة فى الهواء؟
آه من تصاريف القدر. لماذا تتهادى إلى ذهنى فى هذه اللحظة خواطر عن الكون الفسيح والنهايات المكتملة؟ لماذا أتفرس فى ملامح البنايات كأننى أودعها إلى الأبد؟ أهى نهايتي؟ أبينى وبين الرحيل لحظات؟
هناك على بعد خمسمائة خطوة من هنا يوجد سلطان منتظر فى قلعة عالية الأسوار، من يدخلها ينغلق وراءه كل شيء، وتنقطع صلته بأسباب كثيرة. ساعات قليلة ويطلبنى وأذهب إليه محمولا على خوفى وخيبتي.
قبيل العصر قفلت راجعاً، وأنا أشعر فى كل خطوة أخطوها أن عيونا كثيرة تتابعني. فالسلطان لن يترك رجله الثمين يتنقل فى المحروسة بلا حراسة، وكل البصاصين جاهزون لأداء هذه المهمة، التى يمارسونها ليل نهار.
وصلت القصر فوجدت رسولاً من والى منفلوط ينتظرني. صافحته وقلت له:
خيراً.
فهمس فى أذني:
أريدك على انفراد.
ابتسمت وقلت ساخراً:
نحن على انفراد.
تلفت حوله وقال:
هذه العيون تراقبك، الحراس والخدم وحتى تراب الطريق الذى تسير عليه فى تجوالك الدائم. كل هذا يعمل عليك عمل البصاصين.
استرجعت كل شيء فى لحظة وقلت له:
لندخل.
دخل ورائى حتى جمعتنا غرفة داخلية بلا نوافذ، قال وهو يفتحها:
أوصانى الوالى أن أتحدث إليك فيها، ووصفها لي، إنها غرفة الأسرار، تبتلع أحجارها الصماء الكلام فلا يصل إلى كل من يسترق السمع.
لما اختلينا قال بصوت هامس:
عرف الوالى نبأ لا بد من اطلاعك عليه قبل أن تذهب إلى السلطان الليلة.
ما هو؟
السلطان مريض.
تهللت أساريري:
سيؤجل الموعد المشهود.
لا تأجيل.
ما الأمر إذاً.
لهفة السلطان على الوصول إلى الشجرة المباركة ليست من أجل الكنز فقط، بل بحثا عن شفاء لابنه من داء عضال.
ضربت كفا بكف وصرخت:
اكتملت المصيبة.
رفع الرجل وجهه إلى مندهشاً وقال:
أبعد الله المصائب يا شيخ عاكف، كل ما فى الأمر أن حاجة السلطان إلى الشجرة أصبحت أكثر إلحاحاً.
وهل هذا يضر والى منفلوط؟
السلطان يعتقد أن شفاء ابنه لا يكتمل إلا إذا استحم مرات بالسائل الذى سينضح من تحت لحاء الشجرة، وقد يستأثر بكل ماء الشجرة فلا يحصل مولاى على شيء.
كيف لى أن أرد طمع السلطان وأنت تعرف طبعه؟
تقول له أنه يكفى المريض أن يستحم مرة واحدة من ماء الشجرة، ويشرب منه عشرة كؤوس على ثلاثين يوماً.
هل تريد منى أن أكذب عليه؟
لا كذب يا شيخنا الطيب، أوهام السلطان تركها فى ذهنه ساحر مغربي، علمه قليل لا يضاهى علمك، ثم رحل.
لكن السلطان لا يزال يصدق هذه الأقوال.
يصدقها فقط لأن الساحر استطاع أن يعالجه قبل خمس سنوات من مرض القولنج. كان السلطان فى كرب، يعانى من إسهال دموى وألم مفرط، وقد نحل جسمه وزاغ بصره، فتمنى وقتها الموت. شفى السلطان وأجزل للساحر العطاء وأعاده مكرماً إلى بلاده، فلما راح داء غريب ينهش كبد ابنه أرسل فى طلب الرجل فجاءه مسرعاً. وصف أدوية، وأعد رقيات، وكتب تعاويذ، وأطلق بخوراً، وقال وفعل كل ما فى وسعه بلا فائدة. الولد لا يزال مريضاً، والسلطان يخفى الخبر عن الجميع لأنه يطمع أن يرث ابنه السلطنة، لكن لا سر يظل خافياً بين المماليك.
أهو الساحر الذى دل السلطان على الشجرة؟
لا، ساحر غيره، وكان هذا قبل سنوات. السلطان أيامها لم يكن يهمه من الشجرة سوى أنها كنز عظيم.
هززت رأسى وقلت له:
ليقضى الله أمرا كان مفعولاً.
جزع من قولي، واقترب منى متوددا وهمس فى أذني:
أرجوك يا شيخ عاكف، لا تنس طلب مولاي، هذا معروف تؤجر عليه، وأنت رجل صالح.
ثم استدار وغادر الحجرة صامتاً، وتبعته حتى خرج من القصر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.