الضربة الحديدية، نتنياهو يقر خطة الهجوم الإسرائيلي على إيران    حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها بالقليوبية    «أون لاين».. كيفية الإستعلام عن فاتورة الكهرباء لشهر يناير 2026    الحصر العددي، حسين غيتة يقترب من حسم مقعد مغاغة بالمنيا    فيديو.. وزير الطيران يكشف تفاصيل إلغاء كارت الجوازات للقادمين والمغادرين نهاية يناير الجاري    رئيسة فنزويلا المؤقتة ل ترامب: شعبنا ومنطقتنا يستحقان السلام لا الحرب    ترامب يحذر إيران.. ويؤكد مقتل عدد كبير من الكوبيين المرتبطين بمادورو    خبير سيبراني: حظر السوشيال ميديا عمن دون ال 16 عاما سهل التنفيذ.. واللوم على الأهالي    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 5 يناير 2026    وفقا للحصر العددي، يونس الجاحر يقترب من حسم مقعد القوصية بأسيوط    بعد إثارتها الجدل بسبب محمد عبد المنصف، من هي إيمان الزيدي؟    فاجعة تهز قليوب.. حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها في «أم بيومي»    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    ترامب: كوبا على وشك الانهيار والسقوط    «قفلت السكة في وشه».. عمرو مصطفى يكشف كواليس أول مكالمة مع الهضبة    الصحة: إنشاء مجمع تعليمي طبي متكامل بأرض مستشفى حميات إمبابة لدعم منظومة التمريض    الصحة العالمية تدعو لترشيد استخدام المضادات الحيوية قبل فوات الأوان    بالأرقام.. نتائج الحصر العددي لأصوات الناخبين بالدائرة الثالثة بالفيوم    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مهرجان المسرح العربي يكشف تفاصيل دورته الجديدة في مؤتمر صحفي اليوم    إبراهيم عيسى عن فيلم «الملحد»: المشاهد سيضحك ويبكي ويناقش    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    ياسر ريان: مشاركة الزمالك بالناشئين أمام الاتحاد السكندرى قرار خاطئ    اتحاد الغرف التجارية: وفرة السلع تسمح بوقف الاستيراد من مناطق النزاع دون رفع الأسعار    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    محمد رمضان يفاجئ جمهوره بمسابقة نارية قبل حفل استاد القاهرة    هنا الزاهد تحتفل بعيد ميلادها.. ومهاراتها الفنية تثبت أنها نجمة متعددة المواهب    الاختلاف فى الرأى يفسد للود قضية    أيمن منصور يكشف كواليس تسجيله أسرع هدف في تاريخ أمم إفريقيا    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    دمياط.. الانتهاء من 548 مشروعا ضمن المرحلة الأولى من حياة كريمة    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    للمرة الأولى منذ 47 عاما.. سان جيرمان يفوز على نادي باريس بهدفين    سيف زاهر: منافسة كبيرة بين الأهلى وبيراميدز على ضم موهبة بتروجت    115 عامًا من المجد والتاريخ، الزمالك يحتفل بذكرى تأسيسه    أمم إفريقيا - بروس: إذا لم نهدر فرصنا لم نكن لنخسر أمام الكاميرون    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    ديلسي رودريغيز: الهجوم الأمريكي واعتقال مادورو يندرجان ضمن مخطط ذي «دلالات صهيونية»    خالد الدرندلي: البنية الرياضية المتطورة تجعل مصر جاهزة لكأس العالم    مسلحون يقتحمون سوقًا في وسط نيجيريا ويقتلون 30 شخصًا ويختطفون آخرين    آخر تطورات سعر الريال القطري أمام الجنيه مساء اليوم الأحد    الوزير يتفقد الخط الرابع للمترو واستعدادات الحفر للفسطاط    أسباب زيادة الوزن في الشتاء    احتياطي السلع الأساسية يغطي احتياجات رمضان.. الغرف التجارية تكشف تفاصيل المخزون الاستراتيجي    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    الصحة تطلق حملة «365 يوم سلامة» لتعزيز ثقافة سلامة المرضى    محافظ الغربية يجري جولة مفاجئة داخل عيادة أحمد عرابي الشاملة بكفر الزيات    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النموذج الأذربيحانى للتحول السياسى والاقتصادى

فى الثامن عشر من أكتوبر لعام 1991، عُقدت الجلسة التاريخية للمجلس الأعلى لجمهورية أذربيجان، تلك الجلسة التى عكست تطلعات الشعب الآذرى نحو الحرية التى طال انتظارها، والذى دل عليها الاعتماد بالإجماع للقانون الدستورى "حول استقلال جمهورية أذربيجان". إن الاختيار الواعى لشعب أذربيجان بالتحرر عن الاتحاد السوفيتى، قد مهد الطريق نحو استعادة استقلال جمهورية أذربيجان، باعتبارها الخليف الشرعى لجمهورية أذربيجان الديمقراطية، التى كانت- رغم قصر فترة وجودها الذى استمر خلال الأعوام من 1918 حتى 1920- أول جمهورية ديمقراطية فى الشرق الأوسط بأسره.
ومضت الجمهورية نحو الاستقلال عبر الدرب الشائك، وتصاعد خطورة القضايا الداخلية والخارجية، والضغوط القمعية للقادة السوفيت، وتفاقم المصاعب الاقتصادية المصاحبة للتضخم، والانهيار الكامل للاقتصاد، وكان أبرز تلك القضايا الادعاءات الإقليمية الأرمينية ضد أذربيجان، والتى تصاعدت حتى وصلت إلى حرب شاملة النطاق والعدوان ضدها، ولم تستطع هذه الحرب من قِبل الدولة الأرمينية أن توقف تعطش شعب أذربيجان وتصميمه لنيل استقلاله وحريته وتقرير مصيره.
وفى إطار من الأوهام القائمة تحت ضغط المشاكل المتأصلة فى الأيام الأولى لاستقلال أذربيجان، وبدرجة بدت معقولة للغاية، تبنى البعض وجهة النظر التى تشكك فى قدرة أذربيجان على تجاوز المشاكل الجيوبولوتيكية الإقليمية المعقدة بنجاح، وترسيخ الاستقرار الداخلى، وحل قضية الانكماش المالى والاقتصادى، وتجاوز عواقب العدوان الأرمينى. ولكن أذربيجان استطاعت أن تثبت خطأ المشككين فى قدراتها، وأيضًا تجاوزها لتحديات الأمن القومى الكبرى، والنجاح فى الحفاظ على الاستقلال الذى جرى نيله بصعوبة، وذلك من خلال ضمانات الاستقرار السياسى والتطور الديمقراطى وتحقيق الرفاهية والازدهار الاجتماعى، على الرغم من الفترة الزمنية القصيرة للغاية لتلك المرحلة.
وانطلاقًا من الإرداة والرغبة الشعبية، وباعتبارها مهمة ذات أولوية، فإن أذربيجان قد مضت فى مسار من التطور الديمقراطى لا رجعة فيه، وذلك من خلال التأكيد الصريح على قواعد القانون، وإتاحة حرية التعبير وغيره من الحقوق الأساسية الأخرى، وزيادة قدرات المؤسسات الديمقراطية، والمساحة الفاعلة للمجتمع المدنى منذ منتصف التسعينيات.
ومن خلال التكامل فى المحيط الأوروبى الشرعى، فقد صارت أذربيجان عضوًا كامل العضوية فى منظمة الأمن والتعاون الأوروبية، وبالتالى عضوًا فى المجلس الأوروبى، وتظل متمسكة بالتزاماتها نحو القيم والأسس التى تتبناها تلك الهيئات.
ومن الجدير بالذكر أن ترشيح عضوية المجلس الأوروبى لا يتم قبوله بصورة آلية، بل يقوم ويرتكز إلى الأداء القائم على أساس معايير احترام حقوق الإنسان، والتزام الدولة الديمقراطية الراسخ بتلك المعايير بالنسبة للدولة المرشحة لنيل العضوية. وهكذا، فإن أذربيجان لم تضمن لها موقعًا ضمن أسرة المجلس الأوروربى إلا بفضل الأداء والإنجازات الكبيرة التى حققتها الدولة فى مجال عملية الدمقرطة وحماية حقوق الإنسان.
وبالتوازى مع الإصلاحات الديمقراطية، فقد تم قطع خطوات واسعة للتحول الاقتصادى الهائل نحو اقتصاد السوق، وتطوير السياسات الإستراتيجية النفطية الجديدة لأذربيجان. وترتكز السياسات الإستراتيجية النفطية الجديدة إلى الشراكة المستدامة، والمصداقية، والتنوع، والشفافية والمصارحة، والتى بلغت ذروتها بالتوقيع على "عقد القرن" الذى بلغ قيمته المليارات، وذلك بين جمهورية أذربيجان وشركات النفط العالمية فى عام 1994. وحاليًا، فإن أذربيجان بخطوط أنابيبها السبعة العاملة للنفط والغاز، تقدم إسهامها الملموس فى توفير الأمن والتنوع لأسواق الطاقة العالمية.
وطبقًا لرؤية حيدر علييف الزعيم القومى لأذربيجان، والقائلة إن "النفط باعتباره ثروة هائلة لأذربيجان، لا يعود إلى الأجيال الحالية فقط، بل للأجيال اللاحقة أيضًا"، فقد أولت حكومة أذربيجان أهمية بالغة نحو الشفافية والإدارة الماهرة لعوائد النفط والغاز. وفى سبيل تحقيق هذه الغاية، فقد تأسس صندوق النفط الحكومى لجمهورية أذربيجان لتوفير الشفافية حول عوائد النفط والمساواة فى المنفعة بين الأجيال فيما يتعلق بالثروة النفطية للبلاد، وذلك مع تحسين الرفاهية الاقتصادية للسكان فى الوقت الحالى بالتوازى مع حماية الأمن الاقتصادى للأجيال اللاحقة. وفى إطار الاستمرار المنطقى لتطبيق هذه السياسة، فإن أذربيجان أيضًا تدعم بفاعلية مبادرة شفافية الصناعات الاستخراجية ضمن منظمة الأمم المتحدة.
إن موقع أذربيجان الإستراتيجى عند تقاطع طرق التجارة الكبرى الممتدة بين الغرب والشرق، وممرات النقل والطاقة بين الشمال والجنوب توفر أصولاً مهمة لتحويل البلاد إلى محور للبنية التحتية والطاقة. وفى هذا الإطار، وحين تصبح مشاركًا فاعلاً مع البلدان المجاورة، تقوم أذربيجان بتطوير مكونات الهواء والأرض، وطرق السكك الحديدية والبحرية الخاصة بطريق الحرير القديم. إن البنية التحتية لطرق السكك الحديدية الإقليمية الممتدة بين أذربيجان وجورجيا وتركيا، سوف توفر فرصا هائلة لتقديم كل أنواع عمليات شحن البضائع بين آسيا وأوروبا.
ونتيجة لعملية الدمقرطة الثابتة والإصلاحات الاقتصادية المتواصلة، والإدارة الحكيمة لعوائد النفط والغاز، فقد تحولت أذربيجان بعد مرور ثلاث وعشرين عامًا من الاستقلال من دولة متلقية للمعونات إلى دولة مانحة، كما تجاوز الاحتياطى النقدى الأجنبى 55 مليار دولارا أمريكيا وما زال طامحًا للزيادة، واستقر الاقتصاد الأذربيجانى فى المركز ال40 حسب مؤشر التنافسية العالمية فى تقرير المنتدى الاقتصادى العالمى. وتضع الحكومة نصب أعينها الوصول إلى مرتبة الدول المتطورة فى منتصف عام 2020، باعتباره هدفًا واقعيًا لتحقيقه. ويكفى أن نذكر أنه خلال الخمس سنوات السابقة فقط استطاعت أذربيجان زيادة الناتج المحلى الإجمالى إلى ثلاثة أضعافه تقريبًا، وتقليص معدلات الفقر من 49% فى عام 2003 إلى 5% عام 2012، كما بلغ حساب الميزان الاقتصادى الخارجى 80% من إجمالى اقتصاد منطقة القزوين بأكملها. والأمر الذى أدى إلى تقليل نسبة البطالة إلى 5%، كما تم توفير مليون وأربعمائة ألف فرصة عمل (ومنها نحو 60 ألف فرصة عمل فقط خلال ست أشهر، لعام 2015) خلال السنوات الاثنتى العشرة الماضية.
وخلال الفترة من عام 1995 حتى عام 2015، جرى استثمار تقريبًا 200 مليار دولارا أمريكيا فى الاقتصاد المحلى للبلاد.
وبينما ازداد الاستثمار النشط فى الرعاية الصحية والعلوم والتعليم والتنمية البشرية وتحديث البنية التحتية، وضعت أذربيجان نصب أعينها هدفًا إستراتيجيًا تمثل فى ضمان تنوع الاقتصاد، حيث يتم التركيز بوجه خاص على تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتطور الصناعى والسياحة الزراعة والنقل. وتم إطلاق أول قمر صناعى أذربيجانى فى عام 2013، ووضع القمر الثانى فى مداره عام 2015، مما يعزز قدرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فى أذربيجان.
ورغم انخفاض أسعار النفط فى السوق العالمية إلا أن أذربيجان حققت بعض تطورات خلال ست أشهر للعام الجارى-2015، حيث ارتفع الناتج المحلى للبلاد 5.7% خلال ستة أشهر. فإن نمو إجمالى الناتج المحلى فى القطاع غير النفطى قد تجاوز 9.2% خلال هذه الفترة.
وحجم التضخم فى أذربيجان يشكل 3.5%، وإيرادات الناس النقدية ازدادت 6.2%، وإيرادات الناس النقدية تزيد على حجم التضخم الموجود. وقطاع الزراعة شاهد نموا أكثر من 7%، وحجم الاستثمارات فى البلاد خلال ست أشهر 12.7 مليار دولار. وكل هذه المؤشرات تدل على أن جمهورية أذربيجان تتطور رغم الأزمة الاقتصادية التى تعيشها العالم فى هذه السنوات.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن توحيد التطور الديمقراطى الراسخ مع الاقتصاد القوى قد مثل القوى الدافعة لأذربيجان النشطة، التى تتبنى سياسة خارجية مستقلة واثقة، تقوم على أساس من الالتزام بالقانون والعدالة الدوليين.
وبما أنها قد صارت من الساعين إلى الأمن، فإن أذربيجان اليوم تقوم بتصدير السلم والأمان والاستقرار والتسامح إلى المنطقة، وتسعى عبر الحوار إلى التفاعل والتعاون. بالإضافة إلى أن الشريك البناء والموثوق به هو القادر على القيام بدور هام فى تحديد معالم التعاون الإقليمى المثمر.
كما أن أذربيجان أيضًا عضو فعال فى العديد من المنظمات الإقليمية والدولية، والتى تمتد من منظمة الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، ومنظمة التعاون الإسلامى، إلى منظمة الأمن والتعاون الأوروبية ومنظمة التعاون الاقتصادى، والمجلس الأوروبى وغيرها. وفى كل الأحوال فنحن نتطلع دومًا نحو السبل التى تزيد من فاعلية هذه المنظمات، ونقدم العديد من المبادرات فى هذا السبيل. وكان انتخاب أذربيجان فى المقعد غير الدائم لمجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة فى دورته من عام 2012 إلى 2013 بتأييد 155 دولة، والدعوة الموجهة إلى أذربيجان للمشاركة فى المنتدى الاقتصادى العالمى G20 لوزراء الدول الأجنبية، إنما يعود إلى قيمة أذربيجان العالية وتأثيرها المتنامى على الصعيد الدولى.
وبوصفها دولة مانحة يافعة ومستثمرة، فقد عرضت أذربيجان الدعم الكامل والاستعداد لبذل الجهود المستمرة لتعزيز التنمية المستدامة والازدهار العالمى للجميع، وتوجيه الاهتمام الخاص نحو الاحتياجات الخاصة للبلدان الأقل نموًا. وفى سبيل توسيع حدود الأمن والسلام، فإن أذربيجان تقوم بإسهامات ملموسة فى عمليات حفظ السلام الدولية التى تجرى فى الكثير من مختلف أنحاء العالم.
كانت أذربيجان دائمًا موطنًا للتعايش والتسامح بين مختلف الأديان والعقائد والمجموعات العرقية المختلفة. وبوصفها عضوًا فعالاً فى جماعة أصدقاء تحالف الحضارات، تساهم أذربيجان فى تعزيز الحوار بين الديانات والثقافات القائم على أساس من الاحترام والتفاهم المتبادلين. وفى جميع الأحوال لا يمكننا سوى التعبير مرة أخرى عن قلقنا العميق إزاء التصعيد الأخير الذى أثارته الأفعال المهينة ضد الإسلام. ونحن نشجب بقوة جميع الإساءات نحو الأديان.
إن أذربيجان باعتبارها تاريخيًا جزءًا من العالم الإسلامى، وشريكًا فى التراث التقدمى والقيم الروحية للحضارة الإسلامية، لا تدخر جهدًا فى سبيل تعزيز العمل المشترك لأعضاء دول منظمة التعاون الإسلامى لتدعيم الحوار العالمى والتعاون من أجل سيادة التسامح والسلم والتفاهم الأفضل بين البلدان والثقافات والحضارات، والقضاء على عناصر "الإسلام فوبيا".
وبعيدًا عن هذا الأمر، وعلى ضوء التغيرات الجارية فى المنطقة، فإن أواصر العلاقات التاريخية مع العالم العربى الإسلامى والتى تتمتع بطبيعة الحال بالأولوية فى إطار السياسة الخارجية لأذربيجان، تفتح أمامنا فرصًا جديدة لتعزيز آليات الشراكة القوية مع بلدان المنطقة، ومع مصر على وجه الخصوص. وخلال الحياة التى عشتها أثناء الفترة الإنتقالية ومن خلال تجربة بلدى، فلدى جميع الأسباب التى تجعلنى أكثر من متفائل حول قدرة مصر على النجاح فى تخطى المصاعب الحالية، وتبوأ مكانتها الجديرة فى منظومة العلاقات الدولية. وعلى الصعيد السياسى، فإن أذربيجان تتبنى مواقف مماثلة إزاء كل القضايا الدولية الرئيسية، مثل الموقف من الإرهاب الدولى، والنزاع فى الشرق الأوسط ونزع السلاح، والإصلاح فى الأمم المتحدة وغيرها من القضايا الأخرى للعالم العربى الإسلامى. ومن خلال الآليات الجديدة لتعزيز التعاون، والحوار الاستراتيجى بين جامعة الدول العربية ودول آسيا الوسطى وأذربيجان، وفى إطار عملية تشكيل محددة، سوف نصبح قادرين على الارتقاء نوعيا إلى مستوى جديد من التعاون السياسى والاقتصادى والإنسانى.
وفيما يتعلق بالنزاع الاسرائيلى الفلسطينى فى الشرق الأوسط، فلا بد أن أكرر ثانية أن أذربيجان تشارك المجتمع الدولى قلقه إزاء الأنشطة الاستيطانية التى تقوم بها اسرائيل فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، مما يوقع عبئا هائلا على المدنيين، ويخلق تهديدات خطيرة نحو عملية السلام، وتهدد بصورة أخطر مسألة حل الدولتين، وظهور دولة فلسطينية قابلة للحياة. وسوف تواصل أذربيجان دعمها لطلب فلسطين بالحصول على عضوية منظمة الأمم المتحدة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية.
إن أذربيجان بوصفها دولة عانت احتلال أراضيها، وتهجير مئات الآلاف من مواطنيها بالقوة، لا يمكنها التراجع عن مواقفها الثابتة إزاء الانتهاكات الممنهجة للمعايير الأساسية لقواعد القانون الدولى. فما زال هناك حالات استخدام القوة من خلال الوسائل القديمة ضد وحدة الأراضى والاستقلال السياسى للدول، والتى تستخدم فى سبيل تحقيق المكاسب التوسعية فى الأراضى.
وفى هذا الصدد، فإن النزاع المستمر بين أرمينيا وأذربيجان ما زال مستمرًا، ليمثل تهديدًا وتحديًا خطيرًا للسلم والأمن على الصعيدين الإقليمى والدولى، كما يعيق تحقيق التطور الإقليمى بكامل قدراته فى جنوب القزوين. وقد أسفر النزاع عن احتلال حوالى عشرين بالمائة من أراضى أذربيجان، وتحول أكثر من مليون فرد فى البلاد إلى نازح داخلى أو لاجئ. وأدت الحرب إلى مقتل وجرح الآلاف من الآذريين بمن فيهم النساء والشيوخ والأطفال. ولم يسلم أثر تاريخى أو ثقافى أذربيجانى؛ بما فيها المواقع الإسلامية التراثية؛ من التخريب أو الدمار، كما لم يسلم موقع مقدس من التدنيس فى الأراضى سواء فى الأراضى التى احتلتها أرمينيا أو فى الأراضى الأرمينية نفسها.
ونحن على يقين راسخ بأنه لا يوجد بديل عن السلم والاستقرار والتعاون الإقليمى ذو المنفعة المتبادلة. ذلك دون المساس بالحقوق المنصوص عليها فى ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما تلك المنصوص عليها فى المادة 51، فإن أذربيجان كانت وما زالت ملتزمة بإيجاد تسوية إزاء عملية النزاع، وهى على ثقة بأن هدفها هو وضع حد للاحتلال الأرمينى غير الشرعى واستعادة سيادة ووحدة أراضى أذربيجان، وضمان عودة النازحين -الذين طُردوا بالقوة- إلى بيوتهم، وأيضًا ضمان التعايش السلمى بين المجتمع الأرمينى والآذرى فى إقليم قاراباغ الجبلى الواقع ضمن حدود جمهورية أذربيجان.
وعلى النقيض تمامًا، فإن محاولات الجانب الأرمينى لتحريف معايير ومبادئ القانون الدولى وإصراره على تحقيق أغراضه التوسعية وضم الأراضى الأذربيجانية على نحو غير واقعى، لن تقبلها أذربيجان أبدا، وفى الحديث حول النوايا الحقيقية للقيادة الأرمينية يتكشف تحديها العلنى لعملية تسوية النزاع، بما يمثله من تهديد خطير للسلم والأمن على الصعيدين الإقليمى والدولى.
وفى انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة، تواصل أرمينيا استخدام القوة للإبقاء على احتلالها لإقليم قاراباغ الجبلى وسبع مناطق أذربيجانية أخرى، ولمنع المهجرين الآذريين داخليا من العودة إلى منازلهم. كما تبذل جهودها الرامية إلى تغيير التوازن السكانى فى الأراضى المحتلة، ومحو كافة رموز الثقافة الأذربيجانية والجذور التاريخية الآذرية.
وينبغى أن تدرك أرمينيا أخيرًا أن السياسة الاستفزازية غير المسئولة التى تنتهجها لتحقيق أغراضها التوسعية، وإبداء مشاعر العداء والكراهية إزاء الدول والشعوب المجاورة لها، والقائمة على أساس التعصب التاريخى والثقافى والعرقى والدينى، لا يمكن لها النجاح.
منذ أوائل التسعينيات، شهدت المنطقة تغيرات جذرية تمثلت فى النمو غير المسبوق والتطور المطرد لأذربيجان، وتغير التوازن الإستراتيجى بصورة مطلقة لصالح أذربيجان. بينما تظل أرمينيا ضمن فئات الدول الفاشلة، وتعانى من التراجع الاقتصادى بوتائر سريعة، ومن معدلات الهجرة الكارثية إلى الخارج، بما لا يتطابق ولا يقارن بأى حال من الأحوال مع القدرات السياسية والاقتصادية والدفاعية لأذربيجان. وسوف تؤدى هذه النزعة فقط إلى زيادة الهوة الفاصلة بين البلدين واتساعها مع مرور السنوات القادمة. ولكن، لو كان الحال مع دولة مجاورة أخرى، لمضت أذربيجان ساعية بتصميم إلى تعزيز الازدهار الإقليمى، وذلك من خلال الاستثمارات والمنافع الاقتصادية المتبادلة والتعاون التجارى القائم على أساس علاقات الجيرة الحسنة، والتى يمكن أن تستفيد أرمينيا من خلالها.
وكلما استطاعت أرمينيا أن تعى هذا الواقع مبكرا، لاستطاع بلدانا التوصل إلى التفاهم المشترك والتمتع بالسلام والاستقرار والتعاون فيما بينهما.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.