فى أحد شوارع مدينة (مانزينى) فى (سوازيلاند) وعلى بعد ما يقرب من ألفى ميل من مدينة (كيب تاون) فى جنوب إفريقيا، جلس أشرف فى مقهى صغير دائما ما يقصده المسافرون وسائقو عربات الأجرة، نظرا لقربه من أطراف المدينة، نظر أشرف إلى ساعته فى قلق وترقب، قبل أن ينطلق بذاكرته إلى الوراء وقبل ستة أشهر مضت عندما بدأ هذه الرحلة الطويلة، رحلة برية من الإسكندرية إلى (كيب تاون)، قطبى القارة السمراء واثنتى من أهم موانيها المائية، لا طائرات ولا سفن فى هذه الرحلة إلا إذا لزم الأمر، فقط أى وسيلة نقل ذات عجلات، لم يكن يدرى ما الذى أتى بهذه الفكرة إلى عقله، كل ما يدركه أنها احتلت عقله فجأة وسرعان ما سحب مبلغا من المال من المصرف واستقل قطار النوم من الإسكندرية إلى أسوان ثم صعد إلى عبارة نقلته إلى وادى حلفا فى السودان . وبدأت المغامرة .. مر شريط رحلته أمام عين عقله وهو جالس فى هذا المقهى.. تذكر ذلك النصاب فى الخرطوم الذى باع له جنيهات سودانية بضعف ثمنها، وتلك العجوز التى علمته كيف يضفر شعره، وذلك الإريترى الذى استضافه فى بيته وعرفه على أسرته بعد أن أنقذه أشرف من محاولة أحدهم لنشل محفظته فى محطة القطار باسمره. تذكر كيف أكل اللحم البقرى النىء فى (أديس أبابا)، واتبعها بشرب مخفوق دم البقر الطازج بالحليب أو كما أسماه فى ساعتها بلود ميلك شيك، تذكر حب حياته (ياسمين) النرويجية التى وجدها فى (كمبالا) والتى كانت فى رحلة مماثلة لكنها أتت من الدار البيضاء وتقابلا بالصدفة حيث كانت تبحث عن من يضفر شعرها فى إحدى القرى المحيطة (بكمبالا)، وقام هو بتضفير خصل شعرها الأشقر وعلمها كيف تقوم بذلك أيضا، ثم اتفقا على أن يرحلا معا إلى (نيروبى) ليقوما بعمل رحلة سفارى هناك كانت الأولى والأخيرة والأجمل فى حياته. وتذكر بكل ألم كيف قطعت رحلتها وقررت أن تستقل طائرة مباشرة إلى (كيب تاون)، لم يدر لماذا فعلت ذلك بعدما وجدا السعادة والحب سويا، قالت له إنها ملت الترحال وأنها ستنتظره فى (كيب تاون) وطلبت منه أن يستمتع بكل لحظة فى رحلته وألا ينظر أبدا إلى الوراء. لن يمحى من ذاكرته مشهد وداعها فى مطار دار السلام، كانت الدموع تغطى كل شىء، كانت تبدو عليلة، أنها حقا قد ملت الترحال.. ولكن.. كيف تمل الترحال وهو معها. حقا أن الترحال يصير مستحيلا إذا ما كف الرحالة عن الشغف به! لا باس سيراها ثانية فى (كيب تاون) ويكونا معا إلى الأبد. وتذكر كيف سرق ثلاثة أرغفة من المخبز بعد أن نفذ منه المال، ندم كثيرا بعدها، عمل فى إحدى المقاهى فى (كينشاسا)، وبعد ما ادخر مبلغا محترما قام برد الثلاثة أرغفة. هو الآن على بعد أميال ليست بالكثيرة ليصل إلى نهاية رحلته.. - مستر أشرف - نعم - أنا (بيتر) اتيت لأقلك إلى (كيب تاون) كما اتفقت مع مكتب الرحلات. - اه..حسنا.. - هيا بنا، دعنى أحمل عنك حقائبك! أحقا ستنتهى الرحلة؟ سته أشهر مرت بسرعة البرق، وجد فيها الحب والكراهية، الخير والشر، نشوة اللقاء وألم الفراق، تعلم اشياء وعلم غيره أشياء، الآن هو على مشارف النهاية، حيث ينتهى حلمه، لقد سمع عن (كيب تاون) كثيرا، تضاربت آراء أصدقائه، بعضهم قال إنها مملة جدا ولا شىء بها ذو قيمة، وبعضهم أغرم بها ولاهم له فى أى مجلس سوى أن يتغزل بجمال مبانيها وثقافتها المختلطة، الأغرب أن كل من يتحدث إليه عن هذه المدينة يتحدث بكل ثقة رغم أنه لم يزرها من قبل! الآن هو على أعتاب نهاية رحلته التى خبر فيها كل شىء، سيفتقد كل ذلك، حتى اللحظات السلبية التى كانت وقودا متوهجا للحظات ايجابية تالية، كل ذلك سيفتقده ولن يراه ثانية. ما أنا بفاعل؟ أأعود أدراجى؟ لا ريب أن هناك المزيد الذى لم أره بعد، نعم، أريد المزيد من الترحال! - مستر (بيتر)! - نعم - أنا آسف، سألغى التوصيلة. رمقه السائق بنظرة نارية وخيل إلى أشرف أنه سينقض عليه ويمزقه إربا قبل أن يهتف السائق: - ماذا؟ تلغى التوصيلة؟ لا يمكنك ذلك، لقد جئت من أجلك خصيصا من آخر البلدة، لا مفر من إتمام هذه التوصيلةَ! - سأعطيك ثمن الرحلة كاملا ولكن دعنى هنا، أرجوك! لانت ملامح السائق قليلا - أنا لا أحب أن أحصل على مال بلا عمل، ثم لماذا تريد أن تلغيها؟ - استكمال هذه الرحلة معناه نهايتها، وأنا لا أريد إنهاءها! هز (بيتر) رأسه فى عدم فهم - عادة أنا لا أفعل ذلك لكنك تبدو رجلا طيبا، سأعطيك فرصة إلغاء التوصيلة إن أردت. أواثق من أنك تريد أن تلغى التوصيلة؟ زادت حيرة أشرف بعد هذا السؤال، ليت السائق يجبره على الرحيل ويريحه من حيرته ومن عناء الترحال! حسنا، أنا واثق من ما أريده، سألغى التوصيلة وسأغير مسارى، سأذهب إلى ساحل العاج و(السنغال) وغيرها من بلاد غرب إفريقيا، مزيدا من الترحال والخبرات والناس، ولكن؟ ألم أرحل بما فيه الكفاية؟ الم اخبر ما يكفى من السعادة والحزن؟ ألم أر ما يكفى من أنواع الناس؟ حقا أن الترحال ملئ باللعب واللهو، لكنى قد مللت ذلك أيضا! لا أخفيك سرا أنى وهنت بعد هذه الرحلة الشاقة، ليس فقط وهن بدنى بل أيضا بدات أن أحس ببعض الملل ولم أعد ملهوفا للمزيد من الترحال. كم هذا يبدو منطقيا؛ فى بداية الرحلة كنت فى منتهى الحماسة واللهفة، وكان هذا متناغما مع قوة بدنى وطاقته، الآن خفت طموحاتى ووهنت جوارحى من كثرة الترحال. ولا أخفيك سرا أننى أريد استكمال الرحلة ورؤية (كيب تاون) التى يتحدث عنها الجميع. لكن ماذا لو كانت (كيب تاون) كئيبة كما قال البعض، لا يهم، يجب أن أراها وأحكم بنفسى، وإن كانت كذلك فلا باس، فقد أمضيت أوقات ممتعة وكانت الرحلة تستحق كل الكبد الذى تحملته. ولن أخفيك سرا انى مشتاق للقاء (ياسمين) هناك. أنا متأكد أنها فى (كيب تاون) تنتظرنى بكل شوق. ماذا إذا لم تكن هناك؟ حسنا، حتى إذا لم تكن هناك، ليس هذا مبررا لأن استمر فى الترحال؛ فليس فى الترحال أى متعة من دونها! -أيها السائق (بيتر)، خذنى إلى (كيب تاون) من فضلك باقصى سرعة! هز السائق رأسه واقتاده إلى السيارة. سأذهب إلى (كيب تاون) بكامل اختيارى. إنها سنة الترحال، أن أكمل رحلتى إلى نهايتها، شئت أم أبيت.