الرئيس السيسي ل«المحافظين»: أهمية التواصل مع المواطنين ودعم الاستثمار بالمحافظات    أمل عمار تبحث مع سفير أذربيجان بالقاهرة تعزيز التعاون في مجال تمكين المرأة    الرئيس السيسي يوجه بالتصدي للتعديات واستكمال مشروعات «حياة كريمة»    بروتوكول تعاون بين «EBank» و«التمويل الدولية» لتطوير حوكمة البيانات    تعاون بين صندوق تطوير التعليم ونقابة البيطريين لوضع برامج جامعة الغذاء الجديدة    تغيرات مناخية حادة تهدد إنتاجية القمح.. والزراعة تتحرك لحماية المحصول الاستراتيجي    السيسي ل المحافظين الجدد: اهتموا بالموارد وحسن إدارتها والتعاون مع المستثمرين ورجال الأعمال    وزير الخارجية: يوجد اهتمام منزايد لمصر بتعزيز وتعميق علاقات التعاون الاقتصادي والتجاري مع كينيا    لاريجاني: طهران مستعدة لمفاوضات نووية عادلة    اليوم.. ختام بطولة كأس السوبر المصري للكرة الطائرة آنسات    كاف يدين أحداث لقاء الأهلي والجيش الملكي.. ويحيل ملف الأزمة للجنة الانضباط    بشير التابعي: عدي الدباغ أقل من قيمة الزمالك أكد بشير التابعي، نجم نادي الزمالك ومنتخب مصر    السيسي ل المحافظين الجدد: اعملوا بإخلاص وتفانٍ بعيدا عن المجاملات    إصابة 8 أشخاص في حادث تصادم مروع بالشرقية    وزيرة الإسكان تقوم بجولة موسعة بمشروع "حدائق تلال الفسطاط"    ترند أغاني رمضان.. الجمهور يبدأ العد التنازلي لأجمل أيام السنة    متى يكون صيام الحامل خطرا؟ الصحة العالمية تجيب    سفير اليابان: مصر تستقبل أكبر عدد من مرضى وجرحى غزة على مستوى العالم    الجامعة المصرية اليابانية تشارك في مؤتمر «الجمهورية» الخامس.. «السيسى بناء وطن»    ضبط سائق استعرض بسلاح أبيض داخل سيارته فى الإسكندرية    القاهرة تصل إلى 30 درجة.. الأرصاد تحذر من طقس حار على معظم الأنحاء    كلمة أبو الغيط في يوم الاستدامة العربي 2026    اضبط تردد قناة طيور الجنة 2026 لمتابعة برامج الأطفال التعليمية والترفيهية    أرقام قياسية يحققها مسلسل لعبة وقلبت بجد.. 2.2 مليار مشاهدة للمنصات الرقمية الرسمية والشركة المتحدة تنجح فى معركة الوعى وتستمر فى معالجة القضايا الاجتماعية.. وقناة DMC تحتفى بالعمل الدرامى: نجاح استثنائى    افتتاح المعرض السنوي العاشر للكتاب بجامعة العاصمة    هل اعتزل رضا البحراوي الغناء بشكل نهائي أم أنه اعتزال مؤقت؟    التشكيل المتوقع ل برشلونة أمام جيرونا في الدوري الإسباني    وزير الصناعة يبحث مع شركة نيسان للسيارات خطط الشركة للتوسع بالسوق المصري والتصدير للأسواق الإفريقية    حسام عبد الغفار: صيام شهر رمضان فرصة ذهبية لتعزيز السلوكيات الصحية    هام من الحكومة بشأن تخفيف أحمال الكهرباء خلال الصيف المقبل.. تفاصيل    الداخلية تكشف حقيقة فيديو اقتحام منزل بالشرقية: مشاجرة جيرة دون سرقة    إخماد حريق داخل منزل فى أوسيم دون إصابات    وزارة التضامن الاجتماعي تقر تعديل قيد 3 جمعيات فى محافظتي الغربية والبحيرة    طلب إحاطة بالنواب حول الكود الإعلامي للطفل وآليات تطبيقه في مواجهة الانتهاكات    البرلمان يحيل مشروع قانون الإدارة المحلية إلى اللجان المختصة    أسعار الدواجن والبيض اليوم الاثنين 16 فبراير 2026    كونتي: نابولي استحق أكثر أمام روما.. وسنرى أي بطولة أوروبية سنتأهل لها    منع تصوير الأئمة والمصلين أثناء الصلوات فى رمضان بمساجد السعودية رسميا    ذات يوم.. 16 فبراير 1955..الدكتور طه حسين يكشف للشاعر كامل الشناوى عن مشاعره أثناء طوافه حول الكعبة بمكة ووقوفه أمام قبر الرسول عليه السلام فى المدينة المنورة    أبو الغيط: الاستدامة خيار استراتيجي وصمام أمان لمستقبل المنطقة العربية    الجامعة العربية ترفض مصادرة الاحتلال لأراضي الضفة: غطاء لضم غير قانوني    لاريجاني: إيران مستعدة لمفاوضات نووية عادلة دون المساس بأمنها    جامعة بنها تحصد مراكز متقدمة في دوري الأقاليم للجامعات والمعاهد العليا    سعر الذهب اليوم في مصر الإثنين 16-2-2026 وعيار 24 عند 7680 جنيهًا    عاجل- الأوقاف تعلن ضوابط الاعتكاف بالمساجد خلال شهر رمضان 2026    نقابة المهندسين بالجيزة تحتفل بتفوق أبناء أعضائها وتؤكد مواصلة دعم مسيرة العلم والتميز    متحدث الصحة: الدعم بالحزمة الاجتماعية الجديدة يؤكد أولوية الصحة لدى القيادة السياسية    اليوم..نظر محاكمة 25 متهمًا ب"خلية أكتوبر الإرهابية"    تعرف على تفاصيل أغنية وزير الحنية ل ياسر جلال    أحمد هيكل: عبد الناصر أخطأ لكن حبه في قلوب المصريين كبير.. والمجتمع الإسرائيلي غير جاهز للسلام    "هدنة الطاقة" على طاولة المفاوضات الأوكرانية في جنيف    وزير التعليم العالي ومدير مكتبة الإسكندرية يسلمان «جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية»    د.حماد عبدالله يكتب: " الأصدقاء " نعمة الله !!    اكتشاف إصابتين بجدري القردة في روسيا    أدعية الفجر.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    أبو مسلم: الأهلي مع توروب بلا شكل.. والفريق يفتقد للمهاجم الحاسم    شوبير: لعبنا مباراة رائعة ضد الجيش الملكي رغم التعادل    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة أجنة المنيا بضمان محل الإقامة وعلى ذمة التحقيقات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من أخلاقنا الجميلة:التواضع
نشر في اليوم السابع يوم 14 - 09 - 2009

التواضع: سمة من سمات المؤمن، وثمرة المعرفة بالله وبالنفس، وهو هضم النفس، وهو من الملكات المُرضية، المؤدية للمحبة من الله تعالى، ومن خلقه، ولا يبلغ العبد حقيقة التواضع - وهو التذلل والتخشع - إلا إذا دام على تجلى نور الشهود فى قلبه؛ لأنه حينئذ يهذب النفس، ويصفيها عن غش الكبر والعجب(1)
فالعبد الذى يعرف ربه بأسمائه وصفاته، يعرف أن الله هو الجبار المتكبر ويستشعر ذلك جيدًا، ويعرف نفسه أنه عبد ضعيف هزيل لا حول له ولا قوة، وما كان عنده من مال أو علم أو قوة، فكل هذا فضل من الله -تعالى- عليه، يعرف ربه بأنه غنى، ويعرف نفسه بأنه فقير { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِى الْحَمِيدُ } [فاطر:15]. يعرف ربه بأنه عزيز قهار { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [فاطر:16]، { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } [الأنعام:18].
فإذا استشعر العبد كل هذه المعانى - فعرف ربه حق المعرفة وعرف نفسه حق المعرفة - وجد أنه ما من شىء من زينة الحياة الدنيا يؤهل الإنسان إلى أن يتكبر فى الأرض، يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات:13].
والذى يدرك ذلك جيدًا لابد وأن يتواضع، ويؤكد الله تبارك وتعالى هذا المعنى فى قوله تعالى { فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [النجم:32].
أى لا تمدحوا أنفسكم وتنسبوا لها الكمال فى الحسب، أو النسب، أو العلم أو العقل أو أى معيار من المعايير التى يتفاخر بها الناس، فالله تعالى هو أعلم بأهل التقوى التى هى المعيار الحقيقى للتفاضل بين الناس.
وقد يظن البعض أن التواضع وخفض الجناح للمؤمنين يقلل من شأنه، أو ينقص من قدره أمام الناس(2).
وقد حثت السنة النبوية الشريفة على التواضع، فعن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن النبى – صلى الله عليه وسلم - قال: «من تواضع لله رفعه»(3).
وقال – صلى الله عليه وسلم - «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»(4).
ويقول أيضًا «إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد»(5).
بل إن الرسول – صلى الله عليه وسلم - يخبرنا أن المتواضع الهين تحرم عليه النار، فيقول – صلى الله عليه وسلم- «ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ - أو تحرم عليه النار- تحرم على كل قريب هين لين سهل»(6).
وعن ثوبان - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - «من مات وهو برىء من الكبر والغلول والدَيْن، دخل الجنة»(7).
فإذا تأصلت هذه المعانى فى الإنسان اكتسب صفة التواضع، وظهر أثرها على الإنسان فى صورة عدم تعصبه لرأيه، وعدم تسفيهه لغيره، فيكون هدفه الوصول إلى الحق، وإن كان الحق عند من هو أفقر منه، أو أصغر منه، أو أقل منه وجاهة.
والمهم فى التواضع ألا يتحول إلى وضاعة، وألا يكون عن ضعف وتقية، وأن يكون أساسه شعور الإنسان بنقص نفسه، وأن يعيد سلم القيم والمعايير إلى وضعه الصحيح(8).
وسُئل الفضيل بن عياض عن التواضع؟ فقال: يخضع للحق، وينقاد له، ويقبله ممن قاله.
ويقول ابن القيم: «روح التواضع أن يتواضع العبد لصولة الحق. بأن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له والذل والانقياد، والدخول تحت رقه، بحيث يكون الحق متصرفًا فيه تصرف المالك فى مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع»(9).
وقال أبو طالب المكى «وفى الخبر أن أفضل العبادة التواضع»(10).
والكِبر ضد التواضع، وهو صنعة مذمومة نفر منها الإسلام، ونهى عنها، يقول تعالى {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِى الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146].
وقال سبحانه: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل:23].
وقال - عز وجل - {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل:29].
ويقول تعالى {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر:60].
فهذه الآيات وغيرها تدل على أن الله سيصرف عن المتكبرين آياته الكونية، فلا ينتفعون بها، وأن الله لا يحبهم، وأنهم سيخلدون فى النار.
وقد فسّر النبى – صلى الله عليه وسلم - الكبر بقوله «الكبر بطر الحق وغمط الناس»(11).
وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - «يقول الله -عز وجل: الكبرياء ردائى، والعظمة إزارى، فمن نازعنى واحدًا منهما ألقيته فى النار»(12).
وعن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - عن النبى – صلى الله عليه وسلم - قال: احتجت الجنة والنار؛ فقالت النار: فى الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فى ضعفاء المسلمين، ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتى أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابى أعذب بك من أشاء، ولكليكما على ملؤها»(13)
ولما كان الكبر خلقًا سيئًا لم يرضه الله لأحد من عباده؛ لأنه منازعة للخالق فى بعض صفاته، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : قال الله - عز وجل - «الكبرياء ردائى، والعظمة إزارى، فمن نازعنى واحدًا منهما قذفته فى النار»(14).
نماذج من تواضع النبى – صلى الله عليه وسلم -:
ضرب النبى – صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى فى التواضع، وتجسد ذلك فى أعماله، ومن صور ذلك:
1- كان يجلس حيث ينتهى به المجلس بين أصحابه، كأنه واحد منهم، فيأتى الغريب، فلا يدرى أيهم هو حتى يسأل عنه، وإذا مشى مشى خلف أصحابه.
ومّر - عليه الصلاة والسلام - فى يوم شديد الحر نحو بقيع الغرقد، وكان الناس يمشون خلفه، فلما سمع صوت النعال جلس، حتى قدمهم أمامه، لئلا يقع فى نفسه شىء من الكبر!(15)
2- فى أحد أسفاره – صلى الله عليه وسلم - أمر بإصلاح شاة، فقال رجل: على ذبحها، وقال آخر: على سلخها، وقال ثالث: على طبخها، فقال - عليه الصلاة والسلام - وعلى جمع الحطب، فقالوا: نحن نكفيك. قال: قد علمت ولكن أكره أن أتميز عليكم، وقام بجمع الحطب(16).
فهذا هو الأسوة الحسنة لا يريد أن يتميز عن أصحابه، وهو سيد المرسلين، وإمام المتقين.
3- كان – صلى الله عليه وسلم - يساعد أهله فى أعمال المنزل، وكان يقوم ببعض الأعمال بنفسه يرقع ثوبه، ويخصف نعله. فعن الأسود بن يزيد قال «سُئلت عائشة - رضى الله عنها- ما كان النبى – صلى الله عليه وسلم - يصنع فى بيته؟ قالت «كان يكون فى مهنة أهله» يعنى خدمة أهله «فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة»(17).
4- وكان – صلى الله عليه وسلم - إذا مرّ على صبيان سلّم عليهم، فعن أنس - رضى الله عنه - «أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبى – صلى الله عليه وسلم يفعله»(18).
ويقول - أيضًا- «إنه كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبى – صلى الله عليه وسلم - فتنطلق به حيث شاءت»(19).
5- وكان – صلى الله عليه وسلم - يأكل مع الخادم، ويطحن معه إذا أعيا، وكان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى أهله، وكان يصافح الغنى والفقير، ويسلم مبتدئًا، ولا يحتقر ما دُعى إليه ولو إلى حشف من تمر»(20).
6- وكان – صلى الله عليه وسلم - يكره أن يقوم له الناس، يقول أبو أمامة: خرج علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - متوكئًا على عصا، فقمنا له فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا»(21).
وقال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد»(22).
واقتداء بالنبى – صلى الله عليه وسلم - كان صحابته -رضوان الله عليهم - يقومون بمثل هذه الأعمال، ويلزمون أنفسهم مثل تلك العادات. كان أبو بكر - رضى الله عنه - يحلب الشاة لجيرانه، وكان عمر - رضى الله عنه - يحمل قربة الماء، وكان عثمان - رضى الله عنه - وهو يومئذ خليفة - يقيل فى المسجد ويقوم وأثر الحصباء فى جنبه، وكان على - رضى الله عنه - يحمل التمر فى ملحفة ويرفض أن يحمله عنه غيره، كما كان يدهن البعير بالقطران، وكان أبو الدرداء ينفخ النار تحت القدر حتى تسيل دموعه.
وصفوة القول إنهم - رضى الله عنهم - ساروا على نهج الرسول الكريم، فلم يستكبر منهم أحد أو يستنكف عن القيام بتلك الأعمال اليسيرة النافعة مهما عظمت مكانة الواحد منهم(23).
من آثار وعلامات التواضع:
هناك علامات وسمات يمكن من خلالها التعرف على الإنسان الذى يتسم بالتواضع منها:
1- تواضع الإنسان فى نفسه:
ويكون ذلك بألا يظن أنه أعلم من غيره، أو أتقى من غيره، أو أكثر ورعًا من غيره، أو أكثر خشية لله من غيره، أو يظن أن هناك من هو شر منه، ولا يظن أنه قد أخذ صكًا بالغفران!! وآخر بدخول الجنة!! لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، يقول الله تعالى { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [الأنفال:24].
وقال أبو زيد: ما دام العبد يظن أن فى الخلق من هو شر منه فهو متكبر، فقيل له: فمتى يكون متواضعًا؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالا.
وجلس الشافعى ذات يوم مع تلميذه أحمد بن حنبل، فنظر إليه وقال:
أحب الصالحين ولست منهم لعلى أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارتهم معاصى وإن كنا سويا فى البضاعة
فنظر إليه تلميذه أحمد ثم قال:
تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم سوف يلقون الشفاعة
وتكره من تجارتهم معاصي وقاك الله من شر البضاعة
2- تواضع الإنسان مع الناس:
فالمسلم يخالط الناس ويدعوهم إلى الخير، وإلى الأخلاق الإسلامية، ومن طبيعة الناس أنهم لا يقبلون قول من يعظم نفسه ويحقرهم، ويرفع نفسه ويضعهم، وإن كان ما يقوله حقًا، بل عليه أن يعرف أن جميع ما عنده هو فضل من الله، فالمسلم المتواضع هو الذى لا يعطى لنفسه حظًا فى كلامه مع الآخرين، ومن تواضع المسلم مع الناس أن يجالس كل طبقات المجتمع، ويكلم كلا بما يفهمه، ويجالس الفقراء والأغنياء.
يقول تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28].
يقول صاحب الظلال - رحمه الله- «اصبر نفسك مع هؤلاء، صاحبهم وجالسهم، وعلمهم، ففيهم الخير، وعلى مثلهم تقوم الدعوات، فالدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لأنها غالبة، ومن يعتنقونها ليقودوا بها الأتباع، ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع، وليتجروا بها فى أسواق الدعوات تشترى منهم وتباع! إنما تقوم الدعوات بهذه القلوب التى تتجه إلى الله خالصة له، لا تبغى جاهًا ولا متاعًا ولا انتفاعًا، إنما تبتغى وجهه وترجو رضاه»(24).
3- تواضع القائد مع الأفراد:
فالقائد الناجح هو الذى يخفض جناحه للأفراد الذين هم تحته؛ لأنه كلما تواضع لهم وخفض لهم جناحه كان أقرب إلى نفوسهم، وكان أمره لهم محببًا إليهم، فهم يطيعونه عن حب وإخلاص، يقول تعالى {وَاخْفِضْ
جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:215].
ومن مظاهر تواضع القادة:
عدم الاستبداد بالرأى والانفراد باتخاذ القرار، وذلك أن استفراغ ما عند الأفراد من آراء وأفكار لا شك أن ذلك يفتح أبوابًا كانت مغلقة على القادة، والاستماع إليها والنزول عن الرأى إليها - إذا كانت صحيحة - تقلل من نسبة الخطأ فى القرار، وببركة الشورى قد يجبر الله ما بها من قصور، ولله در القائل:
رأى الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأى الفرد يشقيها
وألا يجد القادة فى نفوسهم شيئًا إذا تحولوا إلى جنود أو أفراد فى الصف بعد أن كانوا قادة؛ وذلك لأن الأجر والثواب يكون بالإخلاص والتجرد، والصدق مع الله.
وكما يقول الفضيل بن عياض: «من أحب الرياسة لم يفلح قط» ولا شك أن المؤمن كلما ازداد تواضعًا ازداد إيمانًا بالله وقربًا منه، وكلما ازداد عتوًا وترفعًا على الناس ازداد مقتًا وبعدًا منه سبحانه، وكما قال الشاعر:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكن كالدخان يعلو بنفسه إلى طبقات الجو وهو وضيع
(1) من الآداب والأخلاق الإسلامية، عبدالله عبدالرحيم العبادى، ص240
(2) أخلاق الإسلام وأخلاق دعاته، ص180
(3) حديث حسن رواه أبونعيم فى الحلية
(4) رواه مسلم
(5) رواه مسلم عن عياض بن حمار
(6) رواه الترمذى، وقال حديث حسن
(7) رواه الترمذى
(8) الأخلاق النظرية، د.عبدالرحمن بدوى، ص216
(9) تهذيب مدارج السالكين، ص430
(10) الأخلاق الإسلامية، د.جسن الشرقاوى، ص200
(11) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر، حديث رقم (147)
(12) رواه ابن ماجة، وانظر الترغيب والترهيب، 4/37
(13) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم (2847)
(14) سنن أبى داوود، كتاب اللباس، باب ما جاء فى الكبر، حديث رقم (3922)
(15) رواه أحمد، وابن ماجة
(16) رواه مسلم
(17) رواه البخارى
(18) رواه البخارى ومسلم
(19) رواه البخارى
(20) الرسالة القشيرية، 1/431
(21) رواه أبو داوود
(22) صححه الألبانى فى صحيح الجامع
(23) الفضائل الخلقية فى الإسلام، ص238
(24) فى ظلال القرآن، 4/2268


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.