ماذا لو فكرت أخى اليوم أو غدا فى أن تنزل فى جولة إلى شوارع مصر وحاراتها وطرقاتها الضيقة، وتأملت فى وجوه الناس وأحوالهم وحدقت بعيونهم ثم عدت إلى بيتك وقررت أن ترسم لوحة عن ما شاهدته؟، ما الألوان التى ستستخدمها؟، ألوان باهتة أو داكنة وما التعبيرات التى سترسمها على الوجوه؟، وما مصدر حيوية اللوحة الدموع أو الابتسامات؟، وماذا سيكون اسمها؟. الحقيقة أنك تلقائيا ستجد يديك ترتعش ونفسك تتحطم وعبراتك تتساقط وصدرك يضيق والانكسار يملك كل كيانك، كل هذا بقدر قسوة الواقع الذى نحياه. حيث إن المشاهد التى تجد قلمك يخططها دون إرداة منك هى قسمات لوجه أم باتت وحيدة تتحسر وربما لم تعرف النوم منذ أيام أهلكها وأنهكها الشوق إلى ابنها الذى فقدته، وتلك الأم الأخرى التى لم تجف دموعها على ولدها الذى قتل على يد غادر خائن ولازالت تتلمس قميصه وتضمه إلى صدرها واحترق قلبها، والأخت التى فقدت أخيها فظهرت بمفردها للدنيا، والصديق الذى فقد رفيق عمره، والأب الذى فقد ابنته فودع معها الحنان واللمسات الرقيقة وكل معنى جميل فى حياته. غير هؤلاء الذين يسمعون كل تلك الحكايات أو شاهدوها بأنفسهم ورأوها بأعينهم، فترى على وجوههم الصدمة والذهول الوجوم ويبيتون يتنهدون ويرددون الآهات وودوا لو استطاعوا الصراخ. لا أدرى يا أخى إن كنت ستستطيع أن تُكمل اللوحة أو تنهيها ولم يصبك الاكتئاب، ولكن إن أنهيتها هل ستتحمل أن تضعها فى برواز وتعلقها وتراها عينيك فى كل لحظة، ولن تحتر فى أن تختار لها اسما فقد صارت مصر نفسها لوحة فنية لكنها مخطوطة من الدماء.