«فرصة إحلال سلام مشرف أصبحت واقعية اليوم أكثر من أى وقت مضى، وعلى الجميع أن يعرفوا أن حياة جديدة توهب لنا، آمل ألا تراق أى قطرة دم خلال هذه العملية السلام»، هى كلمات تحدث بها عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستانى عن استعداد وتوجه أكراد تركيا لإحلال السلام الدائم بعد توقيع اتفاقه مع حكومة أنقرة على تنفيذ اتفاق السلام لحل المشكلة الكردية فى تركيا، بعد مفاوضات تمت بينه وبين الحكومة التركية منذ أكتوبر الماضى بشأن الخطوط العريضة لاتفاق ينهى النزاع الذى أودى بحياة 40 ألف شخص منذ أن حمل مقاتلوه السلاح فى عام 1984 . الاتفاق استقر أن ينهى اليوم النزاع الكردى _ التركى، ووفقا لاتفاقية سينسحب المتمردون الأكراد من الأراضى التركية باتجاه العراق، وذلك بعد شهر من الدعوة إلى وقف إطلاق النار التى أطلقها زعيم حزب العمال الكردستانى عبد الله أوجلان، وبالفعل بدأت عناصر حزب العمال الكردستانى فى الانسحاب من الأراضى التركية تنفيذا لاتفاق بين المسلحين الأكراد والحكومة، وتعد هذه الخطوة مؤشرا على إمكانية نجاح شهور من المفاوضات بين الطرفين لإنهاء قرابة ثلاثين عاما من المواجهات العسكرية. بالطبع لا أحد يكره إحلال السلام، بدون أن تهدر المزيد من الأرواح خاصة فى وضع متأزم مثل الوضع التركى _ الكردى بعد نزاع مستمر، طيلة 19 سنة خلف أكثر من 45 ألف قتيل منذ العام 1984، فبمقتضى مسودة الخطة مع حزب العمال الكردستانى، يبدأ المتمردون هدنة رسمية فى 21 مارس وينهون الانسحاب فى أغسطس حسب صحيفتى "صباح" و"ستار" القريبتين من الحكومة التركية، حيث أكدت القيادة العسكرية لحزب العمال الكردستانى الانفصالى أن انسحاب قواتها من تركيا سيبدأ اليوم الأربعاء، إلا أنها حذرت فى الوقت نفسه أنقرة من أى "استفزاز" يخرج العملية عن مساره، محذرين فى لهجة واضحة فى بيان رسمى أخرجه الحزب المسئولين الأتراك على عدم القيام بأى شىء يمكن أن يعرقل عملية الانسحاب. إلا أن السؤال الآن، هل من المتوقع أن تأتى الهدنة ثمارها وتحقق المعاهدة أهدافها المرجوة منها، فالثابت أنه لا ثقة بين تركيا وحزب العمال انطلاقا من الإرث الدموى بينهما، ففى الوقت الذى يسعى فيه حزب العمال الكردستانى منذ أكثر من عقدين للحصول على الحكم الذاتى فى المناطق الجنوبية الشرقية التى تقطنها أغلبية كردية تنظر إلية الحكومة التركية بوصفه تنظيميا إرهابيا، ويعمل لصالح أجندة إقليمية ويتحالف مع سوريا وإيران وروسيا وحتى إسرائيل حسب حكومة حزب العدالة والتنمية، فيما لا يستبعد الحزب الكردستانى أن يكون السلام التركى مناورة سياسية، هدفها ضرب الحزب وتفكيكه ودفعه إلى الانقسام، مستغلة وضع أوجلان وزعامته الكاريزمية، أو لدفعه إلى التخلى عن أوراقه الإقليمية فى الصراع الجارى على رسم الخرائط السياسية للمنطقة من جديد على وقع الأزمة السورية، بالطبع كان من المتوقع ظهور جماعات الجهاد المسلح التى تبلورت فى صورة حزب العمال الكردستانى، ففى ظل هذا المناخ من القمع الدموى وسياسة الإنكار والإقصاء ولد حزب العمال الكردستانى عام 1978 من رحم اليسار التركى حاملا شعار تحرير وتوحيد كردستان، ومن ثم فجر كفاحه المسلح ضد الدولة التركية، الأمر الذى أسر وفق للتقارير الدولية أكثر من 45 ألف قتيل من الجانبين، وآلاف جرائم القتل والاغتيالات التى سجلت ضد فاعل مجهول، وتدمير أكثر من خمسة آلاف قرية كردية، وشرخ اجتماعى هائل بين الأكراد والأتراك، وتوتر فى علاقات تركيا مع دول الجوار على الجانب الشعبى تؤيد نسبة 40% من الأتراك إجراء مفاوضات مع قيادى المنظمة الانفصالية فى جبال قنديل شمال العراق، بينما ترى نسبة 95% بأن هناك إمكانية وسهولة التعايش بين الأتراك والأكراد. بالطبع لا يمكن النظر للاتفاقية بعيدا عن المتغيرات والتطورات الجارية فى الداخل التركى والمنطقة وتحديدا الأزمة السورية وتداعياتها، لكن أوجلان بقى الزعيم الذى لا بد أن تمر من خلاله كل التسويات، واضطرت أنقرة إلى التفاوض معه فى سجنه ولعل هذا ما دفع بأردوغان إلى إرسال الرجل المقرب منه رئيس الاستخبارات التركية العامة «هاكان فيدان» إلى أوجلان فى السجن وفتح مفاوضات معه من أجل التوصل معه إلى اتفاق للسلام يتحدد فى خمسة أهداف استقر عليها المحللين وهى: أولا، نزع سلاح حزب العمال الكردستانى بعدما فشلت المؤسسة العسكرية فى القضاء على الحزب عسكريا طوال العقود الثلاثة الماضية، ثانيا يحتاج أردوغان لتأمين موافقة حزب السلام والديمقراطية الكردى الذى له 34 نائباً فى البرلمان بغية تمرير مشروع الدستور الجديد عبر البرلمان، إذ يحتاج ذلك إلى 367 نائباً فى حين حزب العدالة والتنمية له 325 وهو هنا يحتاج إلى أصوات الحزب الكردى سواء لتمرير الدستور عبر البرلمان، ثالثا كسب أكراد المنطقة فى العراق وسوريا وإيران وبناء تحالفات جديدة لإقامة نظام إقليمى جديد فيها، حتى يكون لتركيا الدور المركزى والمؤثر فيه، رابعا تجنيب تركيا ما عرف بالربيع العربى، إلا أن ذلك بات محل شك، الآن خاصة بعد الاحتجاجات العمالية الأخيرة التى شهدتها ساحة "تكسيم"، حيث تجمع العمال وأنصار "اتحاد نقابات العمال الثوريين" فى منطقة "شيشلى"، إحدى مناطق إسطنبول الراقية، وهتفوا من أجل "العيش الكريم" و"الديمقراطية" و"العمل" و"السلام، خامسا الحصول على المزيد من الدعم الأوروبى والأمريكى والغربى عموما، وتسويق صورة تركيا كدولة نموذجية ناجحة يمكن الاقتداء بها. ولعل ما يفسر الإصرار التركى على نزع سلاح الحزب الكردستانى قبل تحقيق السلام وإقرار الحقوق القومية الكردية دستوريا، قناعة تركية بأن الدول الإقليمية وتحديدا إيران وسوريا لن تتوانى عن محاولة إفشال عملية السلام بين تركيا والأكراد، انطلاقا من أن مثل هذا السلام سينعكس فى صالح تركيا ودورها ونفوذها فى المنطقة، وانطلاقا من هذه القناعة يرى الحزب الكردستانى أن هجوم السلام التركى لا يحمل الاستمرارية، وإنما مؤقت هدفه كسب المزيد من الأوراق بغية الانتصار فى الأزمة السورية.