في محاضرة لطلاب الدراسات العليا حول التعددية الدينية ثار نقاش جانبيّ بين اثنين من الطلاب، فتوقفت عن المحاضرة وسألتهما عن سبب النقاش الجانبي بينما يستطيعان سؤالي عما يَعِنُّ لهما من استفسارات. فقال أحدهما إنَّ زميلي يقول إنك يأستاذ تشرح لنا درس التعددية الدينية اليوم بمناسبة أعياد الأخوة المسيحيين لكي تقول بجواز تهنئتهم ؛ لأنك ممن يظهرون في البرامج التلفزيونية وينادون بهذا الأمر.
فتعجبتُ كثيرا ليس بسبب الموقف فذلك مألوف لنا خلال مسيرة التدريس الجامعي.. لكن مثار العجب كان في اعوجاج الفكر الرابط بين الظهور الإعلامي وبين الرأي الفقهي والاعتقاد الديني من جهة، ومن جهة أخرى تأسيس وجهة نظر وموقف فكري دون دليل علمي أو مستند مرجعي.
فأنا أرى وجوب تهنئة غير المسلمين بل حتميته، وليس جوازه.. وهذا ما يجب على كلِّ واعٍ بمنطلقات الإسلام ومرتكزاته، ومدركٍ مقاصده وغاياته، وعارفٍ بفضائله وسماته، ومستمسكٍ بشرعته ومنهاجه، وعاملٍ بموجب فرائضه وأحكامه، ومتمكنٍ من أدوات تدبُّر آيات قرآنه الكريم وكتابه الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فالقرآن الكريم وبعيدًا عن التفصيلات الفقهية العديدة قد جاء بأمرٍ لو تعلمون عظيم تتلألأ به الأنوار وتتزلزل معه القلوب وتطيب به النفوس وتخضع له العقول.
فقد جاء الخطاب القرآني حاسمًا في إبطال أية استثناءات تقييدية واستبعاد أية شبهات تنفيذية أو أية تماحكات تأويلية حول الأمر الإلهي: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
فقد جاء القرآن في الآية بدستور لتحقيق إنسانية الإنسان في الأخلاق والمعاملات مع المختلف أيديولوجيا أو فكريا أو ثقافيًا أو عرقيًا أو دينيًا.. فاستخدم لتحقيق ذلك الدستور وتفعيله وتجذيره لفظين عبقريين في تأسيس ذلك الدستور وبيانه (أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) حيث لا قيام له دونهما، وهما القِسْط والبِرُّ.
فالقسط وهو العدل الذي لا تستقيم حياة هانئة وسَويِّة إلا به؛ لذلك جعله الله من صفاته وأفعاله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ)، وجعله صفة لحكمه وميزانه: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ)، وأحاط به سياج أمره: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ۖ).
أما البِرُّ فليس مجرد خُلقٍ محمود، بل هو حقيقة الإيمان المتحركة في واقع الحياة، فالعلاقة بينهما علاقةُ تلازمٍ عضوي، فالإيمان يُغذِّي البِرّ، والبِرّ يُجسِّد الإيمان، فإن صحّ الإيمان أثمر بِرًّا، وإذا وُجد البِرّ الحق دلّ على الإيمانٍ الصادق.
فمفهومُ البِرّ من أعمق المفاهيم القرآنية دلالةً، وأغزرها مضمونًا، فهو لا يقتصر على سلوكٍ جزئي أو خُلُقٍ أحادي، بل هو منظومةٌ متكاملةٌ من الاعتقاد والعمل تتجسد فيها حقيقةُ الإيمان في أبهى صوره في علاقةَ تلازمٍ وتكامل لا تنفصم عراها، ولا يستقيم أحدُ طرفيها دون الآخر.
ولذلك عندما نقول بالحتمية فإنما مرجعها إلى التعيين القرآني في اصطلاح (البر) سياجا حاكما لدستور التعامل مع غير المسلم.. فاصطلاح البر في التوظيف القرآني قد جاء بحمولة من الدلالات والتوجيهات السلوكية والأخلاقية الفرائضية التالية: أولًا: البِرُّ مَجْمع الإيمان الاعتقادي والتشريع التعبدي وفضائل السلوك الأخلاقي فقوله تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
يمثل دستور البِرّ الجامع بين: - أصول الإيمان الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين. - أعمال البِرّ الظاهرة -إيتاء المال على حبه -إقامة الصلاة -إيتاء الزكاة - مكارم الأخلاق وفضائل السلوك -الوفاء بالعهد -الصبر في الشدائد -الصدق -التقوى
ثانيًا: البِرّ ثمرةٌ للإيمان فالإيمان الحق ليس مجرد تصديقٍ ذهني أو اعتقاد قلبي، بل قوةٌ دافعةٌ تُثمر عملًا صالحًا وسلوكا راقيا وسُمُوًّا أخلاقيًا وتسامحا مجتمعيا، مثل: - الإيمان يولِّد الإحسان فمن امتلأ قلبُه بالإيمان رقَّت مشاعره واتسع عطاؤه وانطلق إلى خدمة الخلق تصديقا إيمانيا لأمره تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا). نافذة على الوعي (8).. أزمة الهوية في الخطاب التنويري نافذة على الوعي (7).. الهيكل الصهيوني - الإيمان الحقيقي يتجلَّى في البِرّ إذ إن كل سلوكٍ من سلوكيات البِرّ يُعَدُّ ترجمة عملية لاعتقاد راسخ، ودليلا على صدق إيمان واعٍ؛ ولذلك اقترن الإيمان بالعمل الصالح اقتران تلازم في عشرات المواضع بالقرآن الكريم. ثالثًا: التلازم الضروري بين البِرّ والإيمان علاقة الحتمية الطردية بين الإيمان والبر هي أكثر ما يميزها، فلا إيمان بلا بِرّ، والإيمان الذي لا يظهر أثره في الأخلاق والمعاملات والإحسان إلى الناس هو إيمانٌ ناقص، أو دعوى إيمانية تحتاج إلى برهان.. فالبرُّ التعبدي في حقيقته عبادةٌ قلبيةٌ وسلوكيةٌ متكاملة. رابعًا: مراتب البِرّ التعبدي هذه المراتب تعني التنوع لا الأفضلية لكونها دائرة واحدة يتصل طرفاها في وحدة عضوية تكاملية لكل منها مرتبة وظيفية: - فبِرّ العقيدة هو سلامة الإيمان وصحة الاعتقاد - وبِرّ العبادة يشمل الإخلاص والخشوع وإحسان الأداء. - وبِرّ المعاملة الشخصية يتجلى في الصدق والأمانة والعدل والرحمة - وبِرّ المجتمع والإنسانية يمتد للإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام ورعاية الفقراء والإحسان إلى غير المسلمين. خامسًا: آثار التلازم الضروري بين البِرّ والإيمان على العمران والاجتماع البشري. - على مستوى المجتمع لا بد أن ينعكس ذلك في انتشار العدل وتقوية الروابط الاجتماعية والحد من الظلم والفساد - على مستوى الحضارة ينعكس ذلك في بناء نموذج حضاري إنساني راقٍ تتحقق به إنسانية الإنسان سادسًا: مخاطر اختلال العلاقة بين البِرّ والإيمان وآثارها المجتمعية والإنسانية. إذا انفصل البِرّ عن الإيمان أو ضعف ارتباطه به ترتب عليه ظهور صور من الانحراف الديني والسلوكي، مثل: - التدينٌ الشكلي دون أخلاق - الأخلاق بلا مرجعية إيمانية - الازدواجية بين القول والعمل وذلك من أخطر ما يُصيب المجتمعات الإنسانية عندما تُفَرّغ القيم من محتواها، ويَفَقد الإيمان أثره. لذلك كان بناء الإنسان المسلم لا يتحقق إلا بجمعه بين صفاء العقيدة وجمال السلوك وسعة الإحسان.