قبل أيام، وقعت على بوست عابر في توقيته عميق في دلالاته، منشور كتبه إعلامي مصري يقدم نفسه بوصفه «تنويريا»، وقد سبق له أن شغل موقعا قياديا في واحد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم العربي.. لم يكن المنشور في جوهره سوى تعليق على حديث عفوي لممثلة مصرية، عبرت فيه عن رغبة شخصية مؤجلة في ارتداء الحجاب يوما ما. وأود أن أضع خطا واضحا منذ البداية.. لست مع هذا الطرف ولا ذاك، ولا يعنيني في هذا السياق لا الحجاب ولا التمثيل، ولا الصراع القديم المتجدد بين الفن والتدين.. لكن ما هالني حقا، وما دفعني إلى التوقف طويلا أمام هذا المنشور، لم يكن الفكرة المطروحة، بل اللغة التي طرحت بها، والأسلوب الذي انحدر -بلا مواربة- إلى مستوى لا يليق حتى بحوار عابر في ناصية شارع، فضلا عن أن يصدر عن شخص يفترض أنه مثقف، أو حامل لمشروع نقدي، أو مدافع عن قيم التنوير التي يرفع رايتها عاليا.
لغة خشنة مشحونة بالسخرية الرخيصة محملة بإيحاءات جارحة، لا تسعى إلى تفكيك فكرة ولا إلى مساءلة خطاب، بل إلى تحقير شخص، وتجريده من حقه في القلق الإنساني والتقلب الوجودي، وكأن الرغبة أقصد أي رغبة حين تصدر عن امرأة عامة، تصبح مشاعا مباحا للتهكم والوصاية والازدراء.
الأكثر فداحة لم يكن المنشور ذاته، بل ما انهمر تحته من تعليقات.. سيل من التنمر والعنصرية والاستخفاف، بل والشتائم الصريحة، صدرت -للمفارقة- عن أصدقاء ومتابعين يعرفون أنفسهم بأنهم نخبة، أو مستنيرون، أو أبناء الدولة المدنية.
هنا يتبدى السؤال المؤلم.. متى تحول النقد إلى شتيمة؟ ومتى صار التنمر أداة مشروعة في معجم التنوير؟ ومتى باتت الألفاظ السوقية علامة على الشجاعة الفكرية لا على الفقر اللغوي والأخلاقي؟
إن التنوير الذي أعرف في جوهره ليس موقفا عدائيا من الدين، ولا سخرية من المتدينين، ولا استعلاء ثقافيا على خيارات الأفراد.. التنوير كما أفهمه هو توسيع أفق السؤال، لا تضييق الخناق على الإنسان.. هو الدفاع عن حق الفرد في التفكير، لا محاكمته حين يصرح بما يفكر فيه.. وهو قبل كل شيء انضباط أخلاقي في اللغة، لأن اللغة ليست أداة توصيف فقط، بل ممارسة سلطة، ومن يبتذل اللغة يبتذل الفكرة معها.
ما نشهده اليوم هو انزلاق مقلق في الخطاب العام، حيث تختلط الجرأة بالوقاحة والنقد بالتحقير والاختلاف بالإلغاء.. صار الصوت الأعلى هو الأفظ، وصار الترند هو الحكم، وصار الانفعال اللحظي بديلا عن التفكير المتأني.
وفي هذا المناخ، لا يعود غريبا أن يكافأ الخطاب المتنمر بالتصفيق، وأن ينظر إلى الرصانة بوصفها ضعفا، وإلى الاحترام باعتباره تواطؤا.
الأخطر من كل ذلك أن هذا الانحدار لا يسيء إلى ضحاياه المباشرين فقط، بل ينسف فكرة الحوار ذاتها، فحين تختزل الساحة إلى معركة سباب، ينسحب العقلاء، ويصمت المترددون، ويتحول المجال العام إلى حلبة يتبارز فيها الغاضبون، كل بسلاحه اللفظي الأكثر إيذاء.. وهنا لا نربح تنويرا، ولا نخسر فقط أخلاقا إنما أيضا نفقد القدرة على الإصغاء، وهي أول شروط أي نهضة فكرية حقيقية.
لسنا بحاجة إلى مزيد من المثقفين الغاضبين، ولا إلى إعلاميين يظنون أن القسوة دليل عمق، وأن السخرية دليل ذكاء.. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للغة بوصفها بيت الفكرة، وإلى التمييز الواضح بين النقد بوصفه فعلا معرفيا، والتنمر بوصفه عنفا رمزيا، بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نختلف لنفهم، أم نهاجم لنشعر بتفوق زائف؟ خناقة على جلد محترق في بيتنا قاتل ربما لا تكمن الأزمة في منشور واحد، ولا في إعلامي بعينه، بل في مناخ عام سمح لهذا الخطاب أن يبدو طبيعيا، بل جذابا.. مناخ يخلط بين التنوير والتهكم، وبين الحرية والفوضى، وبين الشجاعة والابتذال. والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحا ومؤرقا.. أي مستقبل نريده للنقاش العام، إذا كانت اللغة التي نستخدمها اليوم لا تحتمل حتى اختلافا إنسانيا بسيطا؟ ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا