ولما علم الناشطون ومعظم القوى السياسية ، أنهم وقعوا بين شقي الرحي ضحية ، فإما أن يختاروا السلم والثعبان أو الميزان والحيّة ، وأن الدولة القادمة إما " أتوقراطية " ممجوجة وإما " ثيوقراطية "مبعوجة ، أجمعوا أمرهم علي كتابة وثيقة للوعود والعهود المرعية ، وقرروا عرضها على كلا المرشحين بالسوية ، فمن قبلها وأمضى على نفسه إيصالات أمانة وشيكات بنكية ، وحلف بالطلاق والعتاق وأيمان المسلمين وجميع الطوائف المسيحية ، قائلا : إنني ملتزم بها " والنعمة دي على عنيّا " كان المصريون معه وقبلوه رئيسا للجمهورية المستقبلية ، ومن رفضها فلا يلومن إلا نفسه الدنية وأفعاله الردية . لذا فقد قرروا إيفاد الفنان مدحت صالح باعتباره ليبراليا عتيدا ذا أصول أزهرية ، ليلتقى كلا المرشحين ويعرض عليهم القضية ، وهو يغني محذرا رائعته عن العهود المخفورة والوعود غير المرعية : « وعدي آه يا وعدي ، وعدي ... يا ناسي وعدي ، وعدي ومكتوبي ، آه يا ويلي منك ، الاسم محبوبي « ، والظريف أن كلا المرشحين قد قبلاها وقدما له شايا بالزهرة الياسمينية ، بل زاداه وعدا أن يكون رئيسا لدار الأوبرا المصرية ، ولكننا علمنا فيما بعد أن كل مرشح قد قبلها على ما فيه القصد والنية ، وأنه استخدم في فهم الوثيقة منهج التقية ، وأن قبوله مجرد حيلة سياسية ، لجمع الأصوات في الصناديق الانتخابية ، لذا رأينا أن نقوم بواجباتنا التوضيحية ، وأن نقدم لكم بنود الوثيقة وطريقة كل منهما في فهمها ووضعها في أطر تنفيذية . 1 – مصر دولة مدنية ديموقراطية تقوم على سيادة الدستور والقانون وهما مرجعتها السياسية . مرسي : بما لا يخالف شرع الله ، شفيق : على مبادئ الحزب الوطني وبما يتفق مع مراد المجلس العسكري . 2 - التمسك بالمادة الثانية من دستور 1971 والإعلان الدستوري ، مرسي : بل وجعل أحكام الشريعة مطبقة فضلا عن مبادئها ليقوم شرع الله في الأرض ، شفيق : لا يضر مبادئ الشريعة خير عظيم والبركة في تفسيرات الدستورية العليا. 3 – التمسك بمبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون وتجريم التمييز والتكفير والحض على الكراهية بين المواطنين على أساس الدين أو المعتقد أو اللون أو الجنس أو المركز الاجتماعى، وتأكيد المساواة الكاملة بين المرأة والرجل فى كافة الحقوق والواجبات. مرسي : إنشاء هيئة للتمسك بالمبادئ المذكورة مع تخصيص بنود لها في الميزانية الجديدة ، وإبلاغ مجلس الشعب لإصدار القوانين اللازمة لتجريم التمييز وخلافه مع تكليف الشرطة بإلقاء القبض الفوري عليهم .. شفيق : هدم جميع المراكزالاجتماعية المتسببة في هذه الأمور الهدامة واستبدالها بمراكز الشباب البناءة ، والتأكيد في مسألة المساواة أن « البنت زي الولد ماهش كمالة عدد « . 4 – احترام الفصل بين السلطات والتأكيد على استقلال القضاء، من خلال قانون جديد يضمن ذلك ، ولكل مواطن الحق فى المحاكمة العادلة أمام قاضيه الطبيعى وحظر كافة صور القضاء الاستثنائى. مرسي : نعم لابد من الفصل بين السلطات حيث نبني لكل سلطة مبنى منفصل عن السلطة الأخرى « تبرطع « فيه براحتها حتى تعمل بكل كفاءة ،والقاضي يكون طبيعيا يعني : أن يكون معينا دون واسطة ومستمرا في عمله لأن القضاء الاستثنائي « القضاة المنتدبين « غير ملمين بكافة تفاصيل القضية وهذا فيه ظلم لعموم المواطنين الشرفاء ، شفيق : الفصل بين السلطات هو الأساس ، فسلطة الطماطم لابد أن تنفصل عن سلطة الطحينة وعن سلطة « البابا غنوج « ، ولا أؤمن إطلاقا باستقلال القضاء لأنه يجب على الدول المتقدمة أن ترضي القاضي ولا يستقل المرتب الذي يعطى له حتى لا يرتشي أو يمد يده لا سمح الله وهكذا يصبح قاضيا طبيعيا مثلي ومثلك ولا تضطره ضغوط الحياة إلى الجنون ، وسأحارب كافة أشكال القضاء الاستثنائي بالنص على جميع أنواع المحاكمات العسكرية والثورية والقيمية في قانون القضاء الجديد ، وهكذا يختفي القضاء الاستثنائي من الوجود . وقد ظل الثوار يشترطون في وثيقتهم ، والمرشحان يوافقان على نيتهم ، إلى أن تم الاتفاق ، وصار إلى الصندوق المساق . وبعدما سمع مدحت صالح منهما هذه الوعود والعهود اللازوردية ، ركب سيارته الألمانية ، وأدار مذياعها الذي فاجأه بأغنية كلثومية ، رأى فيها إشارة سيئة لما بذله من مساع ثورية ، فقد كانت كوكب الشرق لحظتها تغني بحنجرتها الذهبية « عهود لا تصدق ولا تنصان ، عهود مع اللي ما لهوش أمان ، وبدال ما أقول حرمت خلاص، أقول يا رب تزيدني كمان ، إزاي يا ترى ، أهو دا اللي جرى ، وأنا أنا معرفش ، ما أعرفش أنا» .