عمرو بن العاص أعاد بابا مصر إلى كرسيه الكنسى ومنحه 100 ألف دينار..و عين كبار الأقباط في مناصب رسمية وإدارية عرف المصريون عبادة الإله الواحد مبكرًا وشيدوا المعابد لأداء الطقوس ونشدوا الألحان في المناسبات الدينية «شعب يتجاهل ماضية.. لا يدرك حاضره ولا يُرى مستقبل له.. ولا عجب من إنكار العالم له» فتجاهل ستمائة عام ممتدة من القرن الأول وحتى الثامن الميلادى، عمر الحقبة القبطية في تاريخ مصر القديم، يجعل منهج التاريخ المصرى معوجًا وبه خلل، لأن التاريخ حلقات متصلة وإغفال أحدها يؤدى إلى عدم فهم الحلقات السابقة واللاحقة. أستاذ الدراسات القبطية بالمعهد العالى للدراسات القبطية الدكتور ميخائيل مكسى إسكندر يكشف لنا، في كتابه الجديد «الحضارة المصرية في العصر القبطى الأول – مصر المسيحية من القرن الأول حتى القرن الثامن الميلادى» حقائق تاريخية غفلها المصريون، بداية من أن العصر القبطى بعد الفرعونى ليس العصر الرومانى أو البيزنطى لهؤلاء الاستعماريين، وإنما عصر المصريين الأقباط صانعى الحضارة في تلك المرحلة وهم الذين حركوا الأحداث السياسية والأحوال الاقتصادية والاجتماعية والفنية والأدبية ونشروا الحضارة العلمية من جامعة «أون- عين شمس» إلى العالم القديم، بينما كانت أوروبا في ذلك الوقت قابعة في ظلام وتخلف علمى وثقافى وحضارى. ويشرح مؤلف الكتاب،- وهو رئيس الشمامسة- الدور السياسي والثقافى والاجتماعى والوطنى الذي لعبته الكنيسة القبطية المصرية قديما في مقاومة الغزو الفكرى والثقافى الأجنبى من جانب الاستعماريين والحفاظ على التراث واللغة المصرية القديمة من الاندثار. مصر المؤمنة ويقول المؤلف: عرف المصريون الدين باكرا، عن طريق «مصرايم بن نوح» الذي حمل معه إلى مصر عبادة الإله الواحد نقلا عن أبيه نوح، حيث بنوا المعابد لممارسة الطقوس والعبادات وأنشدوا الألحان للاحتفالات الدينية.. وهو ما أكده العلامة الألمانى بروكش في دراساته الأثرية المصرية، بعدما عثر على نص العقيدة المصرية (الفرعونية) وهى "أن الله هو الواحد الأحد، لا إله إلا هو، الذي صنع كل شيء، الله روح وهو روح خفى، روح الأرواح (خالقها من روحه) روح المصريين الأكبر، الروح القدس، والله هو الموجود منذ الأزل وهو موجود قبل كل الوجود.. فهو أبو الأصول، الله أزلى وهو الحى الدائم الذي لا نهاية له.. لا يعرف أحد شكله هو الخالق للحق ولم يخلق مُعطى الوجود، ولم يوجده أحد، الموجود بذاته، الكائن بنفسه، المُبدع لشكله"، كما أشار بعض علماء المصريات إلى أن قدماء المصريين هم من ابتدعوا فكرة (الحج) وأن أهم أماكن الحج الفرعونية في «أبيدوس-جرجا سوهاج». ويوضح أن "المصريين القدماء رفضوا كل أشكال الهيمنة الثقافية والدينية عليهم، فقد كرهوا ملوك الحكم البطلمى بداية من بطليموس الأول 323 ق.م وحتى العصر الرومانى 30 ق.م، بسبب سخريتهم من عباداتهم واعتبارهم أن دينهم مجرد خرافات، وهذا ما ساعد على سرعة قبول المصريين (الأقباط) تعاليم المسيحية لتقاربها من الأخلاق المصرية والتي تؤمن بالإله الواحد كما كانوا يعتقدون منذ عهد إخناتون. اضطهاد الأقباط ودخول العرب ويكشف أنه "بلغت قمة الاضطهادات للأقباط الأرثوذكس من قبل الأباطرة البيزنطيين المسيحيين نحو قرنين ( 451- 641م ) لأسباب في ظاهرها دينى حول طبيعة المسيح، ولكنها في الواقع سياسية واقتصادية وذلك لإحكام السيطرة على مصر، مما اضطر الأقباط والكهنة إلى الهروب إلى جوف الصحراء والاختباء في الأديرة البعيدة، ولكن بعد دخول العرب سنة 642م، أكرم عمرو بن العاص المسيحيين وخفض الضرائب وأرجع البابا المصرى الأنبا بنيامين ال38 إلى كرسيه الكنسي، وقدم له 100 ألف دينار لترميم الكنائس، كما عين كبار الأقباط في مناصب رسمية وإدارية، واستراح الأقباط الأرثوذوكس من بطش الرومان. يسترشد الكاتب بما ذكره المقريزى عام 1441م، الذي أكد أن المقوقس، عظيم القبط والأصلح (قيرش) الملكانى البيزنطى، الحاكم والرئيس الدينى المسيحى، قد أهدى لنبى المسلمين، عشرين ثوبا من قباطى مصر، كما ذكر المؤرخ أبو المحاسن سعد الله، أنه في السنة الحادية عشرة من حكم الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله(1006م) تم كساء الكعبة بقماش قبطي. الحياة الفكرية والثقافية في العصر القبطى المسيحى ويشير إلى أنه في عام 61م، شيد القديس مارمرقس المدرسة المرقسية المسيحية، كى تضارع في موضوعاتها وإدارتها المدرسة الفلسفية الوثنية البطلمية القديمة بالعاصمة الإسكندرية، فكان منهجها دراسة الفلسفة والمنطق والفنون والطب وكل العلوم، وذلك للانفتاح على ثقافة اليونانيين ومحاورتهم دون تكفيرهم والرد على منطقهم بالعقل والإيمان، مما ساعد على نهضة اللاهوت المسيحى في القرون الأولى. ويكمل: كان للرهبان والأديرة المصرية دور كبير في حفظ مخطوطات التراث القبطى والسريانى واليونانى من الضياع، فكانت ملاذا آمنا من قسوة الرومان والبيزنطيين، بالإضافة إلى أنها كانت منارة العلم ففتحت أبوابها لتعليم الناس وعلاجهم أثناء تفشى الأوبئة، ولا ننسى أن المسيحية الأرثوذكسية المصرية نقلت تعاليمها وقوانينها إلى إنجلترا وأوروبا والشام وآسيا الصغرى وأفريقيا والسودان والحبشة، فكانت المعاهد القبطية منارة العلم والثقافة في الشرق والغرب.