"لا يستطيع أحدٌ ركوب ظهرك، إلا إذا انحنيت"..ما أروع تلك الحكمة البليغة،التى أدهشتنى أيما دهشة،عندما طالعتها عيناى،وتلاها لسانى،وتوهمتُ لأول وهلة،أنها صنيعة أحد البُلغاء العرب،كونهم لا يُجيدون سوى نظم الكلام،غير أنى فوجئتُ أن قائلها هو القس الأمريكى الراحل "مارتن لوثر كنج"،أحد أبرز المناضلين التاريخيين فى سبيل الحرية. بحثتُ فى تاريخ السيد "مارتن لوثر كنج"،فعلمتُ أن هذا الأمريكي الأسود المقهور،وضع آمالاً عريضة، وطموحات جريئة، تعيد لبني جنسه السود شيئاً من الكرامة السليبة، والعدالة المفقودة،فالتفّ حوله الأنصار والأتباع ، ووجد المقهورون في دعوته بصيص أمل يخلصهم من واقعهم الكئيب،وأخذ أتباعه بالازدياد يوماً بعد يوم، حتى اكتظت بهم الساحات العامة، والشوارع الشهيرة في نيويورك وواشنطن،وغيرهما من مدن الولاياتالمتحدةالأمريكية. ورغم رحلة عمره القصيرة نسبيا "39 عاما"،إلا أن الرجل صاحب مقعد صدق،بين المناضلين فى سبيل الكرامة والحق والعدل ومقاومة الظلم،ولا تزال ذكراه ومواقفه وأقواله،نبراسا للباحثين عن الحق والعدل. ذهبتُ إلى "مارتن لوثر كنج"،فى عالمه الآخر،ودار بيننا حوار طويل،عن الظلم وسبل مقاومته،والحرية،والنضال من أجلها،اجتزأتُ منه السطور التالية.. ها هو "مارتن لوثر كنج" فى انتظارى،تصافحنا،وبدا الرجل ودودا بصورة مدهشة،يفتقدها كثير من المسلمين والإسلاميين الأحياء،وكان باكورة أسئلتى له: فلتحدثنا عن نفسك سيدى؟ قال "مارتن لوثر كنج":أبصرتُ النور،فى عام 1929،بحى فقير،فى مدينة "أتلانتا"،بولاية "جورجيا" الأمريكية،وبسبب بشرتى السوداء،ذقتُ مثل غيرى من السود،مرارة التمييز والاضطهاد العنصريين بأبشع صوره على يد الرجل الأبيض المتحضر، والتي لم تكن إلا واحدة من السوءات المخزية لدولة الحرية والعدالة والديمقراطية . قلتُ: هل تذكر لى مشهدا واحدا يعكس هذا التمييز البغيض؟ فأجاب:"على سبيل المثال.. كان مشهد حافلات نقل الركاب المفصولة قسمين ، قسم المتحضرين، وآخر للسود البائسين ، كان هذا المشهد وأمثاله يملأ قلبى حنقاً وبغضاً لتلك الممارسات غير الأخلاقية". قلت:يوما ما،أطلقت صيحتك التاريخية "إن لدىّ حُلما"،هل تذكر ملابساتها؟ فأجابنى مبتسما:طبعا،طبعا،ففي مجمع جماهيري ضخم، ومسيرة طويلة حاشدة بلغ قوامها ربع مليون إنسان، أطلقتُ عبارتى : " إنَّ لديّ حلماً ،" Ihave Dream "، والحلم الذي كان يداعب خيالى، هو إعادة شيء من الاعتبار للجنس الأسود، وضمان الحقوق المدنية لسكان الولاياتالمتحدة على حد سواء، وتحجيم حيز الكراهة المتبادلة بين الجنسين المتناقضين، الأسود والأبيض ، كي يعيش الجميع في جو مقبول من الاحترام الإنساني المتبادل.." قاطعتُه:"وهل كانت المهمة سهلة يسيرة؟ فأجاب:"بالطبع،لم تكن المهمة يسيرة،ولم يكن الطريق مفروشا بالورود،لكنى بقيتُ متمسكاً بالنضال السلمي ، نابذاً للعنف بكل صوره، مؤكداً في جُلّ خطبى على أهمية ضبط النفس، وكبت الاستفزاز لدى أنصارى المتحمسين"، فقاطعته مجددا بقولى:لكنك تعرضت للسخرية والتهكم؟ فقاطعنى:ليس هذا فقط،بل وصل الأمر إلى حد الاستهزاء بى وازدرائى، على المستوى الرسمي والشعبي. قلت: واعتقد أنك نجوت ذات مرة من محاولة اغتيال،فعقب:بل تعرضت لأكثر من محاولة،ولكنى نجوت منها بأعجوبة،غير أنى لم أنجُ لم من السجن والاعتقال،وحتى حين خرجتُ من السجن لم يتردد رجال الشرطة،فى أن يتصدوا لمسيراتى السلمية، فيوسعونى وأتباعى ضرباً بالهروات والعصي على مرأى من الجميع. قلت:ولكنك اغتلت فى نهاية الأمر أيضا؟فقال متأسفا:هذا حقيقى،فقد اغتالنى "ايرل راي"برصاصة قاتلة استقرت في جانبى الأعلى بين فكى وعنقى، بعد أن ألحقت ضرراً بالغاً بالحبل الشوكي . حينئذ مازحته بقولى:لكنك تعافيت منها الآن؟ فأطلق ضحكة ساحرة وساخرة فى آن واحد،ثم قال:هذا حقيقى،بدليل أنى جالس معك ونتحدث سويا. قلت:أعلم أن حياتك حافلة بالمواقف النضالية المهمة،ولكنى دعنا نعود إلى ما حدث فى يونيو عام 1957؟ فأطلق الرجل ضحكة طفولية،قال بعدها: فى هذا التاريخ،أصبحت أصغر شخص وأول قسيس يحصل على ميدالية "سينجارن" التي كانت تُمنح سنوياً لمن يقدم مساهمات فعالة في مواجهة العلاقات العنصرية، وكنتُ في السابعة والعشرين من عمرى. قلتُ:وماذا فعلت حينئذ؟ فأجابنى بتواضع مدهش: وقفتُ أمام نصب لنكولن التذكاري، ووجهتُ خطابا هاجمتُ فيه الحزبين السياسيين الرئيسيين ،الجمهوري والديمقراطي، ورددتُ صيحتى الشهيرة: "أعطونا حق الانتخاب"، ونجحتُ في تسجيل خمسة ملايين من الأمريكان ذوى الأصول الأفريقية في سجلات الناخبين في الجنوب. سألتُه:سيد "مارتن"،هل أنت سعيد بأن رئيس الولاياتالمتحدةالأمريكية أسود؟ فأجاب من فوره:بالتأكيد،ففى اليوم الذى فاز فيه "باراك أوباما" بمنصب الرئيس،غمرتنى سعادة لم أشعر بها عندما كنت حيا،حتى أننى حرصت على الاتصال به وتهنئته،وأدركت أن نضالى ضد التمييز العنصرى،أتى ثماره،قاطعته:لكن تلك الثمار لم تأت إلا بعد رحيلك،فقاطعنى مندهشا:النتائج هى التى تهمنى،ولا شئ غيرها، فليس المهم طول حياة المرء، بل جودتها،كما أنه إذا لم يجد الإنسان ما يضحي لأجله، فهو لا يستحق العيش،ثم استطرد: لقد كان عندي حلم بأنه في يوم ما على تلال جورجيا الحمراء سيستطيع أبناء العبيد السابقين الجلوس مع أبناء أسياد العبيد السابقين معاً على منضدة الإخاء،كما كنتُ أردد دائما:"عندي حلم بأنه في يوم ما سيعيش أطفالي الأربعة بين أمة، لا يُحكم فيها على الفرد من لون بشرته، إنما من ما تحويه شخصيته"،وهذا ما حدث بشكل أو بآخر. قلت: هل ما زلت تعتقد أن السلام هدف بعيد المنال؟ فعقّب: "ليس السلام هدفا بعيدا نسعى إليه، بل كذلك وسيلة نصل بها إلى هذا الهدف"،قلت:حسنا،يا سيدى،ويبدو أن الموت قد زادك نُضجا وحكمة،فقال: شكرا لك! قلت:أراك عانيت كثيرا من الظلم،فإذا ما طلبت منك توجيه كلمة للظلم والظالمين والمظلومين،فماذا عساك أن تقول لهما؟ فصمت قليلا،ثم أجاب: بالنسبة للظلم،فإننى أقول له:ما أقبحك،فوجودك في مكان ما، يُمثل تهديدا للعدل في كل مكان،وبالنسبة للمظلومين،فإن نصيحتى لهم:"لا يستطيع أحد ركوب ظهوركم إلا إذا انحيتم لهم،و إذا جعلتم أنفسكم ديدانا على الأرض فلا تلوموا من يدوسكم بقدمه". وأقول للظالمين: أنتم أقبح من فى الأرض،ولولاكم لعاش الناس فى سلام آمنين، فالظلم يشل الحياة، والعدل يطلقها؛ الظلم يربك الحياة، والعدل ينسقها؛ فيا أيها الظالمون،كفوا عن ظلمكم وحقدكم،حتى يعم السلام ويسود الحب. قلت:دعنى أسألك سؤالا،أعلم أنه لن يروق لك،وهو:هل يدفع الظلم المظلوم إلى أن يتبع أساليب غير شرعية لاسترداد حقوقه؟ قبل أن يجيب "مارتن" علىّ،فاجأنى بقوله:هذا سؤال ماكر،ولكنك لن تنجح فى محاولة استدراجى إلى قول ما لم أقله وأنا حىّ،ثم قال: "يجب أن تكون الوسيلة التي نستخدمها بنفس نقاء الغاية، التي نسعى إليها"،ثم أضاف:" التراجيديا الكبرى ليست الاضطهاد والعنف الذي يرتكبه الأشرار، بل صمت الأخيار على ذلك.. علينا أن نتعلم العيش معاً كإخوة، أو الفناء معاً كأغبياء.. الحب هو القوة الوحيدة القادرة على تحويل عدو إلى صديق". أصدقكم القول أن الإجابة الأخيرة،أدهشتنى كإجابات أخرى غيرها،لأنى وجدت الرجل ينطق بلسان أقرب إلى الإسلام مما سواه،فإلاسلام ينصح أتباعه بعدم الظلم،ويهدد الظالمين بسوء العاقبة،كما أن الإسلام لا يحبذ أن يتبع المسلم أساليب غير شرعية،لاسترداد حقوقه،ويأمرنا بالصفح والغفران،"فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم"،فضلا عن أن الساكتين عن إنصاف الحق،وإبطال الباطل شياطين "خُرس". قلت:ما الحكمة التى خرجت بها من الحياة؟ فأجاب بسرعة غير معتادة: " المرء إذا لم يكتشف شيئا بإمكانه الموت دفاعا عنه، فهو غير جدير بالحياة". سألته:متى تبدأ حياتنا فى الانتهاء؟ فأجاب:"..في اليوم الذي نصمت فيه عن الأشياء ذات الأهمية". قلت:أما زلت تحلم،حتى بعد رحيلك؟ فأجابنى:نعم،فلا يزال عندي حلم أنه في يوم ما، بأن كل وطاء يرتفع، وكل جبل ينخفض، ويصير المعوج مستقيماً، والعراقيب سهلاً، فيعلن مجد الرب ويراه كل البشر جميعاً. قلت: لقد أدركت الآن أن مثلك يصنع التاريخ،فقاطعنى منفعلا: "نحن لا نصنع التاريخ، بل التاريخ هو الذي يصنعنا". قلت:بم تعظنى؟ فأجاب:" لا تدع أحدا يجذبك لأسفل لدرجة أن تكرهه". قلت:وبماذا تود أن تنهى هذا الحوار؟ ففكر "مارتن" مليا،ثم قال:"أقول للبشر جميعا:دعوا الحرية تدق، وعندما يحدث ذلك، عندما ندع الحرية تدق، عندما ندعها تدق من كل قرية ومن كل ولاية ومن كل مدينة، سيكون قد اقترب هذا اليوم عندما يكون كل الأطفال الذين خلقهم الله، السود والبيض، اليهود وغير اليهود، الكاثوليك والبروتستانت قد أصبحوا قادرين على أن تتشابك أيديهم وينشدون كلمات أغنية الزنجي الروحية القديمة : "أحرار في النهاية، أحرار في النهاية،شكراً يا رب العالمين، نحن أحرار في النهاية". وبعدما أنهيت الحوار مع السيد "مارتن لوثر كنج"،ولملمتُ أوراقى،وتصافحنا،فاجأنى بقوله:" اعلم أنك لست فقط مُحاسباً على ما تقول ، أنت محاسب أيضاً على ما لم تقل حيث كان لابد لك أن تقول"،فتمتمتُ: نعم،لقد فهمتُ واستوعبتُ،وسوف أفعل،طالما وجدتُ إلى ذلك سبيلا. c.v -وُلد "مارتن لوثر كنج"في 15 يناير عام 1929،وتوفي في 4 أبريل 1968. -"مارتن"..زعيم أمريكي من أصول إفريقية، قس وناشط سياسي إنساني، من المطالبين بإنهاء التمييز العنصري ضد بني جلدته. - في عام 1964 حصل "مارتن" على جائزة نوبل للسلام، وكان أصغر من يحوز عليها. - اغتيل في الرابع من أبريل عام 1968. -يُعتبر "مارتن لوثر كنج" من أهم الشخصيات التي دعت إلى الحريه وحقوق الإنسان.