قبل عام 1928 لم تكن مصر تعرف مفهوم التطرف الفكرى أو الإرهاب الديني، إلا أنه وبمرور الأيام ومع نجاح الخطة الممنهجة لتشويه المفاهيم الصحيحة للإسلام بقصد تحقيق مآرب أخرى غير نصرة الدين، استطاع حسن البنا ومن خلفه من قيادات جماعة الإخوان الإرهابية تربية أجيال من المتشددين عاثوا في الأرض فسادًا وراحوا يروعون الآمنين ويسفكون دماء الأبرياء. وبانضمام الجماعات السلفية والجهادية إلى سرب التطرف تحولت مصر إلى أرض خصبة لصناعة الإرهاب، واستطاعت العقول المصرية المتشددة والساعية إلى نشر أفكارها الإرهابية الدامية أن تقود الجماعات المتطرفة على مستوى العالم، وليس أدل على ذلك من أن مكتب الإرشاد الإخوانى هو القائد لكل العناصر الإرهابية المنتمية لهذه الجماعة على مستوى العالم، ناهيك عن قيادة أيمن الظواهرى لتنظيم القاعدة الأكثر دموية على مستوى العالم، وغير ذلك من الكوادر المصرية التي يتخذها متشددو العالم مرجعيات لهم. ويملأون الدنيا عنفًا وتطرفًا وإرهابًا في أي مكان يحلون به فضلا عن الاجيال الجديدة التي تربت في كنف تلك الجماعات والتي تعد امتدادا طبيعيًا لها. ويؤكد العديد من المتخصصين في شئون الجماعات الإسلامية، أن «ولاية العنف» هو مفهوم أرسى قواعده قائد جماعة الإخوان المسلمين سيد قطب، في كتابه الشهير «معالم في الطريق»، والذي تحول فيما بعد لواحد من أهم مصادر الحركات الداعية إلى استخدام العنف والتطرف كوسيلة لفرض أفكارهم على المجتمع. واستمد «قطب» قواعد ما أسماه بمفهوم «الحاكمية» الذي يشتمل على الكثير من الأفكار الشاذة والبعيدة كل البعد عن المفهوم الصحيح للإسلام، من المرجع الهندى أبو الأعلى المودودي، واكتملت بهذا المفهوم سلسلة العقائدية المتشددة التي بدأها حسن البنا، بهدف إشاعة ثقافة العنف لترويع الدول الإسلامية ومن ثم إجبارها على الخضوغ لحكم الجماعات المتشددة. وفى بحث أعده معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أكد أن وتيرة العنف في مصر ازدادت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، وأنه حتى عام 2013 كانت 67% من الهجمات الإرهابية تقع في محافظة شمال سيناء، إلا أنها انخفضت في عام 2014 إلى 38% وأخذت في الانتشار في بقية أنحاء مصر. وعن الأسباب التي جعلت مصر تتبوء المراكز الأولى بين أكثر الدول صناعة للتطرف، أكد عصام الإسلامبولي، المحامى والفقيه الدستوري، أن من أهمها تردى الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، والبطالة التي تعصف بالملايين من الشباب، وفساد التعليم الناتج من فراغ المحتوى المنهجى من أي مضمون علمى يؤهل النشء الجديد لأن يصبح ذا فكر مستنير يستطيع من خلاله التمييز بين الجيد والرديء فيما يلقى إليه من أفكار، وما قابله من غزو فكر التعليم الخاص الذي يهدف لتجريف العقول لتحقيق أهداف معينة يستطيع الخارج من خلالها توجيه المجتمع كيفما شاء. وأضاف «الإسلامبولي» أن من أسباب صناعة التطرف أيضًا، انتشار العشوائيات، وتراجع دور الدولة في القيام بمسئولياتها تجاه المواطنين، وزج الدين في اللعبة السياسية ودخول العلماء والمشايخ في صراعات وهو ما نتج عنه فقدان المواطن البسيط للثقة بهم وبما يصدر عنهم من فتاوى. وأشار الفقيه الدستوري، إلى أن هذه الأسباب وغيرها جعلت الشباب ينتابه شعور بالسخط على المجتمع، ويتصور خطأ أنه بانضمامه إلى الجماعات المتطرفة ومن ثم الإقدام على سفك الدماء البريئة وترويع الأنفس الآمنة فهو يقدم شيئًا لله سيخلصه وباقى المسلمين من تلك المعاناة، وفى الوقت ذاته أهدت هذه الأسباب الفرصة على طبق من فضة لكوادر الإرهاب في أن ينجحوا بسهولة في استقطاب العديد من الأجيال بعد أن يقنعوهم بأنهم حينما يقتلون أو يفجرون فإنهم يجاهدون في سبيل الله والجائزة التي تنتظرهم هي الجنة. وأوضح «الإسلامبولي»، أنه لا بد من ملاحظة شيء مهم، وهو أن التطرف صناعة حديثة ابتلى بها المجتمع المصري، ففى الخمسينيات والستينيات لم يكن لهذه الظاهرة أي وجود وبدايتها الفعلية كانت عندما عقد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، صفقة مريبة مع عمر التلمساني، مرشد جماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، سمح بمقتضاها «السادات» لعناصر هذه الجماعة وغيرها من المتشددين بالانتشار في الجامعات المصرية ومكنهم من نشر فكرهم المتطرف دون خوف من حساب أو مهابة رادع، ثم تفاقم الأمر سوءًا حين أرسلهم إلى أفغانستان ليقاتلوا ضد الاتحاد السوفييتى تحت راية الولاياتالمتحدةالأمريكية، وحينما عادوا من هناك كانوا أكثر تطرفًا وأشد شراسة ونهمًا للقتل وإراقة الدماء. وأضاف الفقيه الدستوري، أن من الأسباب المهمة التي ساعدت في صناعة التطرف بمصر هو المحاولات التي تقوم بها بعض دول الخليج لاستخدام عناصر هذه الجماعات أداة يصدرون إلينا من خلالها الفكر الوهابى المتشدد، ويدعمون الأشخاص الداعين لانتشاره في مصر ماديًا ومعنويًا. وأشار «الإسلامبولي» إلى أن التعصب بين أصحاب المذاهب الفقهية له دور رئيسى في صناعة التطرف، وأن هناك جزئية أخطر من هذا وهى الخلط بين مفهومى الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، فمفهوم الأولى هو النصوص قطعية الثبوت والدلالة والتي لا يستطيع أي شخص التلاعب بها أو توجيهها حسبما تقتضيه مصلحته الخاصة، أما مفهوم الفقه الإسلامى فهو علم قائم على الاجتهادات البشرية والتي حرفها البعض من كوادر الجماعات المتطرفة الذين لبسوا عباءة الدين ظلمًا وبهتانًا وأقنعوا السذج بأن ما يلفظون به أقوال ليست مجرد فتاوى وأحكام تخضع للصواب والخطأ، بل هي مفهوم للشريعة الإسلامية وما عداها باطل، وهذه هي أم المصائب التي انحدرت بنا إلى مستنقع الدماء الذي سيق إليه المجتمع رغمًا عن إرادته، فنحن نجد اليوم كل شخص يفهم الدين حسب هواه ويحيد بأوامره ونواهيه إلى الاتجاه الذي يحقق من خلاله ما يهدف إليه من مصالح خاصة ومن منطلق التعصب للمذهب الذي يتبناه. وحول الخطوات التي يجب أن تتخذ لكى يتم القضاء على هذه الظاهرة، أكد الفقيه الدستوري، أنه لا بد من فصل الدين عن السياسة، ومحاربة الأفكار المتخلفة التي شوهت صورة الإسلام لدى كل دول العالم، وأن تتحمل الدولة مسئولياتها تجاه المواطنين وتعود إلى دورها الطبيعى في العمل على توفير عيشة كريمة تزرع حب الوطن ومحاربة التطرف بداخل كل مواطن، والاهتمام بالتعليم وتهيئة بيئة صالحة للنوابغ والباحثين في كل المجالات.