أحلامهم لا تتعدي قطعة خبز وكوب ماء يذهبون به جوع بطونهم.. تطلعات الفقراء محدودة، ومطالبهم لا تتجاوز الستر، وفي أواخر أيام هذا الشهر المبارك يعتصر الحزن قلوب هؤلاء، فقد أوشك الشهر الفضيل على الرحيل، ومعه ستختفي تلك الموائد التي كانوا يجدون عليها ضالتهم، «موائد الرحمن» عادة عرفها العالم الإسلامي منذ القدم، وحرص الحكام في مختلف العصور على استمرارها، إلا أن مصر أضافت إلى هذه العادة رونقًا خاصًا، فقد كان لحكام المحروسة أسرارًا وحكايات مع موائد الإفطار، جعلتهم أقرب في هذا الشهر إلى قلوب الشعب، بعد أن كفلوا مؤنة الطعام والشراب لكل المحتاجين، وورث عوام المصريون الكثير من هذه المفاهيم والقيم الإنسانية الراقية، فخرجوا حاملين الطعام ينشدون الجوعي وفاقدي العائل في الأزقة والطرقات، ليٌأمنوا الجميع في أيام هذا الشهر، ويريحوهم من عناء البحث عن لقمة العيش. العهد النبوي عرف العالم الإسلامي موائد الرحمن منذ حياة الرسول صلي الله عليه وسلم، حين قدم إليه في المدينةالمنورة، وفدًا من مدينة الطائف، ليعلنوا اعتناقهم الإسلام على يديه الشريفة، واستقروا في المدينة حينًا من الزمن، فكان صلي الله عليه وسلم، يرسل إليهم بطعام الإفطار والسحور مع الصحابي بلال بن رباح، رضي الله عنه، فصارت ضيافة هذا الوفد عادة اقتدي بها الخلفاء الراشدون، وخاصة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي بلغ من تمسكه بإحياء هذه العادة أن أنشأ دارًا للضيافة تقوم على إفطار الصائمين. هارون الرشيد وفي مدينة بغداد كان الخليفة العباسي هارون الرشيد، يقيم مائدة في حديقة قصره، لإفطار الصائمين، يجلس حولها كل طبقات المجتمع، بالإضافة إلى عدة موائد كان يقيمها في شوارع عاصمة الإمارة، وكان يتجول متنكرًا بين الموائد يسأل الصائمين عن رأيهم في جودة الطعام؟، وهل الوجبة المٌقدمة إليهم تكفيهم أم أنها قليلة؟. الليث بن سعد وعرفت مصر موائد الرحمن منذ أزمنة سحيقة، ويرجح غالبية المؤرخين أنها بدأت أيام إمام أهل السنة وشيخ الفقهاء «الليث بن سعد»، المولود في قرية قلقشندة بمحافظة القليوبية، سنة 94 هجرية، فقد كان «الليث» يحرص على إقامة موائد الرحمن ويقدم فيها للصائمين أشهى وأفخر الأطعمة، وكان من أشهرها أكلة «الهريسة»، التي أعجب مذاقها المصريين، وهو ما جعلهم يطلقون عليها «هريسة الليث» نسبة لهذا الفقيه. وكان الليث بن سعد، من أكثر المصريين ثراءً في ذلك الوقت، ورغم ذلك كان لا يأكل في شهر رمضان إلا الخبز والفول، فقد عٌرف عنه الزهد في الدنيا، وتوفي هذا العالم العارف في النصف من شهر شعبان لسنة 175 هجرية. أحمد بن طولون ومنذ ذلك الحين لم تنقطع إقامة موائد الرحمن عن مصر، وكان أشهرها تلك الموائد التي كان يقيمها حاكم مصر ومؤسس الدولة الطولونية «أحمد بن طولون»، والذي ظل لمدة 3 سنوات بعد توليه الحكم يقيم وليمة كبرى في أول يوم من شهر رمضان، لرجال الحكم، والتجار. وفي السنة الرابعة من حرصه على إقامة هذه المائدة شدد على رجاله أن يحضروا كل رجال الحكم، والأثرياء، والتجار، وأمرهم أن يضعوا على المائدة أطيب وأشهى أنواع الطعام والشراب، ولما فرغ المدعون من تناول طعامهم، خطب فيهم قائلًا: «إني جمعتكم اليوم لأعلمكم طريق البر بالناس، وإني أعلم أنكم لستم في حاجة إلى هذا الطعام والجلوس على مثل هذه الموائد، ولذلك آمركم من الآن أن تفتحوا بيوتكم، وتمدوا موائدكم للسائل والمحروم، ومن يرفض تنفيذ هذا الأمر سيتعرض لأشد العقاب»، ثم أمر أحد وزرائه بكتابة هذا الأمر من عدة نسخ وتعليقه في كل مكان. وكان الأثرياء في دولة «أحمد بن طولون» يبعثون بخدمهم إلى الطرق، والأسواق، بحثًا عن الصائمين وإحضارهم لتناول طعام الإفطار، ويذكر مؤرخي تلك الحقبة أن الخدم كانوا أحيانًا لا يجدون فقراء في شوارع المحروسة من كثرة الخير الذي كان يٌقدم في هذا الشهر المبارك، فكانوا يضطرون إرضاء لسادتهم في إجبار من يجدوه مارًا بالشوارع أو جالسًا في الأسواق على الذهاب معهم إلى المائدة، وبعد وفاة «ابن طولون» ورث ابنه «خمارويه» هذا الأمر، فكان يقيم موائد الرحمن للإفطار والسحور في الأماكن العامة. العزيز بالله ويعتبر الخليفة الفاطمي «العزيز بالله»، أول من أقام موائد الرحمن لإفطار الصائمين بشكل دائم في عصر الدولة الفاطمية، وكانت تٌعرف وقتها باسم «السماط»، وهي عبارة عن مائدة كبيرة يقيمها الخليفة داخل قصره في قاعة الذهب، وتبدأ من ليلة الرابع من شهر رمضان، وتستمر حتى ليلة السادس والعشرين، وكان يحرص «العزيز بالله» أن يجلس عليها بجوار الفقراء، كبار رجال الدولة من الأمراء، والوزير، وقاضي القضاة. ثم أمر «العزيز بالله» بإقامة مائدة كبيرة «سماطًا» ليفطر عليها الأهالي في منطقة الجامع العتيق «عمرو بن العاص»، ومائدة أخرى في الجامع الأزهر تمتد في أشهر رجب وشعبان ورمضان، وكذا باقى مساجد مصر الكبرى، وكان يخرج من مطبخ القصر في شهر رمضان ألف ومائة قدرة تحوي جميع ألوان الطعام، ويطوف بها العاملين ليوزعها على المحتاجين والفقراء في كل يوم، وقد بلغت نفقات 27 يومًا من أيام شهر رمضان في عهد «العزيز بالله» ثلاثة آلاف دينار. لم يكتفي الخليفة الفاطمي «العزيز بالله» بإقامة الموائد وتوزيع الأطعمة في الشوارع والطرقات، بل تعدي الأمر إلى إقامة دارًا بجوار قصر خلافته في القاهرة، أطلق عليها «دار الفطرة»، كانت تقدم الطعام إلى أهالي مصر بدءا من أول شهر رجب وحتى نهاية شهر رمضان، كما أمر بأن يعمل في هذه الدار 100 من أمهر صانعي الحلوي ليقدموا إلى الناس في أول أيام العيد الحلوي والكعك والتمر والبندق، بالإضافة إلى العشرات من العاملين والموكل إليهم نظافة الدار وغسل أنيتها، وكان يصرف على أجرة الصنّاع والعاملين 500 دينار في اليوم الواحد. وقد اعتاد الخليفة الفاطمي «العزيز بالله» في النصف الثانى من شهر رمضان على الحضور إلى «دار الفطرة»، يرافقه «وزير الدولة» وبعض من حاشية الحكم، ليجلس على عرشه المٌعد له داخل تلك الدار، ويجلس الوزير على كرسي بجواره، ثم يشاهد أصناف الطعام المطهي، والمعبأ داخل أجولة لطهيه في الأيام التالية. وخلال تلك الزيارات ل«دار الضيافة» كان يحرص «العزيز بالله» على توزيع أطعمة الفقراء بنفسه، ثم ينصرف والمرافقين له من الحاشية بعد أن ينعم على مستخدمي الدار بعطية مقدارها 60 دينارًا. المماليك والعثمانين وشهد عصر دولتي المماليك، والعثمانين، تراجعًا لدور التكافل ومساندة الفقراء الذي كانت تقدمه موائد الرحمن، وذلك بسبب كثرة الحروب التي خاضتها الدولتان، حيث قل آنذاك إقامة الموائد. سنوات الإستعمار وعندما وقعت مصر فريسة للاستعمار الفرنسي، والإنجليزي، أعادت الجمعيات الخيرية التي أقامها الشعب إحياء دور موائد الرحمن، ومنذ مطلع السبعينيات بدأت تلك الموائد في تقديم التكافل المجتمعي بشكل قوي، حيث ازدهرت في كل ربوع مصر، ومن ثم انتشرت في غالبية الدول العربية والإسلامية.