ارتمت عيناه فوق زرقة البحر الصافية، فمنذ زمن بعيد لم ير ارتعاشتها الرشيقة، لم يصغ لأمواجها المتهافتة، لم يقف خارج دائرة وجوده. نبض الأعوام يتدفق كالسيل جارفا الذكريات والأمنيات، خطوه لاهث، أنفاسه متلاحقة، الدعة قلق، والسكينة فناء، والصمت انقطاع عن العالم، والقلب في عناء، أيما عناء، ذاب في أتون العمل المتواصل وانصهر، وها هو يجلس أمام البحر متبتلا ليبصر الأفق وقد التصق بسطح مياهه في غموض وانزواء، والخريف تتساقط أوراقه فتعانق أديم الأرض في هوان وانكسار. بينما يضرب النسيم جذوره الراسخة فتنفض عن أطرافها وسن النسيان وتتذكر، للرتابة ظل في كل ركن، في كل غرفة، في كل وجه، يعود إلى بيته، لم تعد بعد من عملها.. في زمن مضى من أعوامهما الأولى كان ينتظر، ينتظر عودتها.. - اشتقت إليكِ - أنا أكثر - ماذا أعددت على الغذاء؟ - تعال لترى بنفسك في كثير من الأحيان نضن على أنفسنا بالسعادة ونرشف كئوس الهموم في غبطة.. دلف إلى المطبخ، تناول غداءه البارد في صمت.. سرعان ما تفقد الأشياء حرارتها ونسأم معانيها.. ضقت بالغضب، خصام يتبعه صلح وصلح يليه خصام، مللت مرور الأيام بين راحتيك في صرامة وحزم، وكأن الحب لم يعد جديرا بحياتنا، لم يعد يليق بسنوات عمرنا ! تسارع يده إلى وجنتيها لتمسح عنهما الغضب، ولكن الدلال يتفحم فيملأ أزمنة الحب ويزحم أروقة القلب، ولم يبق متسع وجمالك تتراكم فوقه طبقات من إهمال وانشغال وحنق وغضب وثوم وبصل وجد وعمل، والليل موحش مقفر والعالم تائه فيه الحسن يا زوجتي فيجذبني في عنف ويشدني في حدة فلا أتراجع ولا أملك قوة الرفض. ومعالم الأشباح تتراءى لي حسنا ثريا والرغبات تستوي ألما حيا، وكبرياؤك فارغ أجوف والإحساس بك مسلوب معدوم، والعالم تائه فيه الحسن يا زوجتي. مولع بأمس ذكراه قريبة يود لو.. يستبقيه، ويعجب لشعوره أن تغيرا ما يحدث! ما الذي تغير ؟ شعيرات بيضاء ؟ ينظر في المرآة مرة بعد أخرى، يسابق قلبه أياما مهرولة ويحن إلى لحظات مقطرة بندى الحب.. إلى غناء قديم. غادر البيت عائدا إلى عمله، شيء ثقيل يجثم فوق الصدر فيختنق الشهيق وتشتاق العين، ويهفو الإحساس ويطير الخيال محلقا متجاهلا، وأنساك يا زوجتي، فغضبك بغيض ونفورك كريه، لم تعد يدي تقترب من وجنتيك لتمسح عنهما الغضب، ويأنس إلى حلاوة المرح. العاشرة مساء، البيت مظلم، لا صوت، ضوء خافت يطل من غرفة ريم ودانا.. وضع أكياس الخبز فوق المنضدة متجها صوب غرفتهما محاذرا أن يحدث صوتا.. تغطان في سبات ناعم، وزوجته بجانبهما نائمة، استدار وغضب يستبد به.. نبض الفؤاد يتضاءل ويصيبه أرق مهمل.. دائما.. لا أحد ؟ ضغط على زر التلفاز نافخًا.. العالم تائه فيه الحسن يا زوجتي، والألم لا تحصره جدران الجسد، سحب تتجمع ورياح تقبل وأمطار لا تسقط، ترك المكان خاليا، والتلفاز دائرا، وانطلق إلى الطريق، برودة الهواء تخفف جفاف الحلق وحرارة القلب لا تبرد، لن أدور في دوامات صفحك ورضاك، لن أسعى لدلالك أرتجيه. في فراغ الصخب أحتسي قطرات سعادة بها لا تشعرين، في حمئة المجهول أمضي ولا تنظرين فأبقي حيث أنت معهما وأنا عندك لا وجود لي، كأنما حملتك فوق جناحي إلى مكان تعشقينه ثم أبديت شكرا وحبا ووليت عني إلى صغيرتين أحبهما، ولاهية بهما، وكلما رأيتني تحجبينني عن عينيك.. وماذا تنتظرين ؟ أن أقدم فروض الصدق والولاء وما زلت في سذاجة دلالك ترفلين ؟!! هيهات فالعالم تائه فيه الحسن عزيزتي! استيقظ مثقل الرأس.. ورنين المنبه يدوي، لا أحد، خرجن جميعا هي إلى عملها، وابنتاه إلى مدرستهما، للقلب أهواء تستعبده ما ذلك العناء يا قلبي ؟ ما ذلك العناء ؟ لو يتغير اللون، ويحمل أريج كل لحظة مذاقا مختلفا، لو ألتفت فأراني فوق عرش ذهبي وأركلك بعيدا، أنبذك في قسوة، لو تتغير الأشياء ! يتجه صوب المنضدة ليتناول إفطاره الذي أعدته زوجته، والغضب في عمق النفس خمار ملتهب، والكيان نزوع قائم.. وإذا بوريقة بجانب فنجان الشاي، رأى مثلها من قبل، تحترق رغبة وتبرد أمنيات حارقة، ويقرؤها في تمعن: شكرا يا بابا على الخبز ربنا يخليك لنا ريم، دانا فيمضي إلى عمله مترعا بالحب !!