تتواصل الترتيبات الغربية للتدخل العسكري المباشر في ليبيا، سواء بالقصف الجوي، أو نشر عناصر من القوات الخاصة والاستخبارات على الأراضي الليبية. والمعروف أن العنصر البشر الغربي متواجد بأشكال مختلفة في ليبيا منذ ما قبل الإطاحة بمعمر القذافي. ولكن يبدو أن هناك دولا أوروبية بعينها، وعلى رأسها فرنساوبريطانيا وإيطاليا، ترغب في المزيد من إحلال قوات وعناصر نوعية للسيطرة الكاملة على ليبيا، بصرف النظر عن نجاح حكومة "الوفاق الوطني" من عدمه. النائب السابق لرئيس وكالة المخابرات الأمريكية مايكل موريل واصل هذا الطريق لتثبيت نفس السيناريو الذي يعمل عليه الساسة ورجال المخابرات الغربيين. إذ أعلن أن مسلحي "داعش" في ليبيا سوف ينشطون بعد فقدان مواقع مهمة في سورياوالعراق جراء تدمير منشآت نفطية يسيطر عليها التنظيم هناك. وقال موريل، في خطاب ألقاه في لجنة مجلس النواب الأمريكي الخاصة بالقوات المسلحة إن "هناك احتمالا بأن يبسط تنظيم داعش سيطرته على أراضي واسعة في ليبيا قريبا. إضافة إلى أن التنظيم يواصل توسيع نطاق نفوذه في هذا البلد والاستيلاء على أراض جديدة، حيث يتدفق مسلحون أجانب على ليبيا للانضمام إلى داعش.. ولن تكون مفاجأة بالنسبة لي إذا رأينا في يوم من الأيام المتطرفين يسيطرون على جزء ملموس من أراضي البلاد". أما رئيس جمعية البحوث الاستراتيجية الدولية جريجوري كوبلي، فقد رأى أن التنظيم يعمل على إيجاد بديل لمصدر العائدات المالية من بيع النفط السوري والعراقي، وقال: "سوف يضطر المتطرفون إن عاجلا أو آجلا لإثبات مواقفهم في أرض أخرى.. أعتقد أنهم ينظورون حاليا في تحقيق هذه الإمكانية على أرض ليبيا". كل الشواهد تؤكد أن عدد مسلحي "داعش" تضاعف بشكل ملموس خلال عام ٢٠١٥ في ليبيا عموما، وفي مدينة سرت على وجه الخصوص، وهي التي تعتبر معقلا رئيسيا للتنظيم في ليبيا، حيث يحاول إحكام سيطرته على الحقول النفطية وساحل البحر المتوسط. وأسفرت نشاطات داعش النوعية في ليبيا عن عمليات قصف وإبادة ليس فقط في سرت، بل في عدة مناطق أخرى مثل ميناء راس لانوف النفطي الذي شهد عدة عمليات إرهابية أودت بحياة العشرات وتدمير البنية التحتية. وزارة الدفاع الإيطالية قررت، في ١٥ يناير الحالي، تحريك ٤ مقاتلات من طراز AMX وطائرة من دون طيار من طراز Predator إلى قاعدة "تريباني - بيرجي" الجوية في صقلية. وذكر بيان هيئة الأركان العامة الإيطالية أن هذا القرار اتخذ بسبب الأحداث الأخيرة في شمال إفريقيا وما ترتب عليها من تدهور الوضع الأمني في المنطقة. كما أشار إلى أن الهدف من الإجراء المذكور هو "ضمان الأمن في مجال حماية المصالح الوطنية الإيطالية في البحر المتوسط". أما باريس فقد حسمت أمرها وبدأت في الإعداد لتدخل عسكري جديد هذه المرة في ليبيا للقضاء على داعش الذي بات يشكل تهديدا جديا للقارة العجوز. وأكدت صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية، أن فرنسا "انتهت إلى الاقتناع بأنه لا مفر من التدخل لضرب سرطان داعش وأورامه التي بدأت بالانتشار في ليبيا، وهذه القناعة أصبحت أكثر من راسخة في أذهان المخططين العسكريين الفرنسيين، على أن يكون التدخل في ظرف لا يتجاوز ٦ أشهر". واستندت الصحيفة إلى عدة تسريبات ومؤشرات من جانب قيادة الأركان الفرنسية حول الإعداد لتدخل عسكري قريب في ليبيا ومن بين هذه المؤشرات التي اعتمدتها الصحيفة تزايد عدد الطلعات الجوية فوق سماء ليبيا، كما أن غاية هذه الطلعات أيضا التأكد من تعاظم خطر تنظيم داعش في ليبيا، وتزايد المواقع الخاضعة لسيطرته فيها، خاصة قرب المواقع النفطية، والحدودية التي تسمح له بتعزيز موارده المالية. وبينت الصحيفة، أن التقارير الكثيرة الواردة من ليبيا، تدعو الخبراء العسكريين الفرنسيين إلى المضي قدما في خطط الإعداد لعملية عسكرية واسعة في ليبيا، بسبب تمدد داعش على الحدود الجنوبية لأوروبا، وتزايد عدد الإرهابيين القادمين من دول المنطقة، ومن العراقوسوريا، ومن اليمن والسودان، إلى جانب الاضطرابات والتهديدات التي يشكلها طوارق جنوب ليبيا وشمال مالي والنيجر. المثير أن باريس تؤكد أن الدعم الفرنسي للمبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا مارتن كوبلر يأتب بدافع الحرص على إعداد سيناريو بديل يسبق التدخل، ويتمثل في الاتفاق على حكومة وحدة وطنية، توكل إليها مهمة الحرب على داعش، معتمدة في ذلك على تحالف دولي مستعد لمدها بالقوات والسلاح، وفي حال فشل هذا السيناريو، فإن ذلك لن يكون ذريعة لإثناء باريس عن "إنجاز المهمة" وتشكيل تحالف عسكري تتولى قيادته للتدخل في ليبيا. هناك مقدمات سياسية وضعها عدد من المسؤولين الفرنسيين. فوزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان، أعلن في وقت سابق أن تنظيم "داعش" باشر بتوسيع رقعة سيطرته في ليبيا بعد سورياوالعراق. بينما صرح رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس بأن الدول، التي يستهدفها داعش ربما تضطر للإسراع بسحق التنظيم في ليبيا. وقال فالس:"نحن نعيش مع التهديد الإرهابي. لدينا عدو مشترك هو داعش، وينبغي أن نهزمه وندمره في العراقوسوريا وربما غدا في ليبيا". لقد أبلغت فرنسا والولايات المتحدةالجزائر بعمليات عسكرية كبيرة ستشنها دول غربية ضد تنظيم "داعش" في ليبيا. وقالت مصادر عسكرية في هذا الصدد إن الدول الغربية تحضر في الوقت الراهن لعمليات عسكرية ضد التنظيم. هذا الأمر يوضح النشاطات المتزايدة لأجهزة الاستخبارات الغربية التي تعمل منذ فترة طويلة على جمع المعلومات عن نشاط "داعش" في ليبيا بهدف التحضير لشن الهجمات. المنسقة العليا للشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موجيريني، أكدت دعم الاتحاد لاتفاق السلام الذي ترعاه الأممالمتحدة والذي يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا. وقالت، في تونس يوم ٨ يناير الحالي، إن "أوروبا جاءت إلى هنا لتُظهر أنها موحدة في دعم الجهود الرامية إلى تطبيق الاتفاق الذي وقع يوم ١٧ ديسمبر ٢٠١٥ في مدينة الصخيرات المغربية". وشددت على أنه "مع الاتفاق السياسي وحكومة الوحدة الوطنية التي سنشكلها قريبا، ستكون هناك أخيرا إمكانية لدعم الوحدة بين الليبيين ومحاولة لمكافحة الإرهاب مع القوات الليبية". وأشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي "أعد خطة لدعم ليبيا بقيمة مئة مليون يورو جاهزة فورا.. ولكن حال تولي حكومة الوحدة الوطنية الليبية مهامها". المراقبون يتحدثون عن النبرة التي أعلنت بها موجيريني تصريحاتها المذكورة أعلاه. إذ رأي البعض أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف الناتو يمكنهم التدخل بصرف النظر عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية من عدمه. وتساءل البعض، لماذا بدأ الاتحاد الأوروبي يغدق بالمساعدات المالية على ليبيا، والتي تظل في إطار الوعود إلى حين تشكيل تلك الحكومة. وذهب البعض إلى أن المساعدات المالية الموعودة لحكومة الوحدة الوطنية ما هي إلا الثمن المباشر لشرعنة التدخل العسكري الغربي المباشر أو غير المباشر في ليبيا. ويأمل الغرب هذه المرة أن لا يتكرر السيناريو السوري بتدخل أطراف أخرى، مثل روسيا. ولذلك تحديدا تسعى الدول الغربية إلى محاصرة ليبيا تماما وعدم السماح لأطراف أخرى، من بينها أطراف عربية، بعدم التدخل في هذا الملف. وكان الدبلوماسي الإيطالي باولو جينتيلوني، هو الأكثر صراحة ومباشرة في تصريحاته بأن تحالفا دوليا ضد تنظيم "داعش" بليبيا ضروري في حال فشلت الأطراف الليبية في التوصل إلى الاتفاق الذي ترعاه الأممالمتحدة. وقال جينتيلوني، في تصريح لصحيفة "لو فيجارو الفرنسية الجمعة ١٥ ينايرالحال، إنه في حال عدم توصل الأطراف الليبية إلى تطبيق الاتفاق، فإن تحالفا دوليا سيرى النور لمكافحة تنظيم "داعش" مثل التحالف الذي ظهر بالعراقوسوريا. واضاف هذه الخطوة تعني مباشرة أن الليبيين فشلوا في الوصول إلى اتفاق فيما بينهم وحكموا على كل المساعي بالفشل، وأن التدخل لمحاربة الإرهاب في ليبيا يجب أن يكون بطلب من حكومة ليبية لتقديم الدعم لها. المعروف أن البرلمانين المتواجدين في ليبيا (البرلمان المعترف به دوليا في طبرق، والآخر المنتهية ولايته في طرابلس) وقعا في شهر ديسمبر الماضي اتفاقا في المغرب تحت رعاية الأممالمتحدة ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا، علما بأن الأطراف الليبية يجب أن تصادق على الاتفاق قبل ال17 من يناير الحالي. وإذا كانت فرنسا هي الدولة الأكثر اهتماما بما يجري في ليبيا، حيث أجرى سرب المقاتلات الفرنسية المتمركز على سطح الحاملة "شارل ديجول" يومي ٢٠ و٢١ نوفمبر ٢٠١٥ تحليقين استطلاعيين على الأقل فوق الأراضي الليبية، فإن بريطانيا لا تقل اهتماما، حيث زار السفير البريطاني في القاهرة جون كاسن وزارة الخارجية المصرية والتقى السفير أسامة المجدوب، مساعد وزير الخارجية لشؤون دول الجوار، لمناقشة مستجدات الأوضاع فى ليبيا. وذكرت مصادر دبلوماسية أن السفير البريطانى أطلع مصر على قلق بريطانيا من تمدد تنظيم داعش فى ليبيا، مشيرة إلى أن لندن طلبت من مصر تكثيف التنسيق فيما يتعلق بالخطوات اللازمة لوقف هذا التمدد الداعشى. والمعروف أن مصادر عسكرية واستخباراتية بريطانية ألمحت أكثر من مرة إلى أن بريطانيا تعتزم توجيه هجمات على مواقع تنظيم داعش فى ليبيا. غير أن مصر ترى أن أولى خطوات وقف تمدد داعش في ليبيا تتمثل في دعم ما توافقت عليه القوى الليبية فى مدينة الصخيرات المغربية، ووقف حظر التسليح المفروض على قوات الجيش الوطنى الليبى. كما تعتبر القاهرة أن أى تدخل عسكرى أجنبى فى ليبيا، سيزيد من تدهور الأزمة الليبية. ومع ذلك تدير القوى الغربية حوارات جانبية مع دول الجوار، وتواصل في الوقت نفسه التحضير لضرب ليبيا بشكل يحكم الطوق الغربي فقط حول هذه الدولة. بينما تصر نفس الدول الغربية على شروطها بشأن إشراك القوى الدينية والتنظيمات الأخرى في إدارة ليبيا، ومحاولة إبعاد شخصيات عسكرية بعينها من المشهد السياسي الليبي.