الحكومة: التعامل مع 4550 شكوى كهرباء خلال ديسمبر 2025    "مودة" ينظم المعسكر التدريبي الأول لتأهيل كوادر حضانات مراكز تنمية الأسرة    رشا عبد العال: استمرار الجولات الميدانية لضمان التطبيق الفعلي للتسهيلات الضريبية    أسعار الأسماك اليوم الخميس 8 يناير في سوق العبور للجملة    اسعار الاسمنت اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    البورصة المصرية تستهل جلسة الخميس بارتفاع جماعي    مياه الفيوم تتخذ إجراءات لمواجهة السدة الشتوية وتوفر سيارات مياه نقية مجانية    خبراء كهرباء يوضحون الطريقة الآمنة لعمل رييستارت لعداد الكهرباء مسبق الدفع دون فقدان الرصيد    الجيش اللبناني: أنجزنا المرحلة الأولى من نزع سلاح حزب الله    اليوم.. منتخب اليد يواجه البرتغال في بطولة إسبانيا الودية    تفوق مذهل للميرنجي، أرقام مباريات ريال مدريد وأتلتيكو في جميع المسابقات    الهلال يلتقي الحزم للحفاظ على صدارة الدوري السعودي    بدء ثاني جلسات محاكمة المتهمين بالتسبب في وفاة السباح يوسف محمد    معتمد جمال: لم أتردد في قبول مهمة تدريب الزمالك.. واللاعبون مظلومون    هيئة الأرصاد تحذر: أمطار غزيرة ورعدية متوقعة ليلًا على بعض المناطق    بدء التشغيل التجريبي لمحور صلاح سالم البديل | صور    لطلاب نظام البكالوريا.. شكل ورقة امتحانات الثانوية العامة    إصابة 3 مواطنين فى مشاجرة لخلافات على قطعة أرض بحوض 18 بالأقصر    مصرع سائق فى حادث مروع بين سيارتين نقل بطريق أسيوط الغربى    اليوم.. ندوة لمناقشة فيلم "كولونيا" بحضور أحمد مالك ومايان السيد بسينما زاوية    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : و يا لها من رفقة!?    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    الصحة: تقديم خدمات طبية وتوعوية لأكثر من 31 ألف مواطن    حكام مباريات يوم الجمعة في الجولة 16 لدوري الكرة النسائية    بدء التشغيل التجريبى لمحور صلاح سالم تمهيدا لفك وإزالة كوبرى السيدة عائشة    ارتفاع أسعار النفط وسط تراجع المخزونات الأمريكية وترقب التطورات بفنزويلا    القومي للطفولة والأمومة يتقدم ببلاغ بعد استضافة طفلين في برنامج للمواعدة    تضامن قنا تعلن شروط وفئات مسابقة الأم المثالية لعام 2026    البابا: الرئيس رسخ تقليدًا وطنيًا بزيارة الكاتدرائية عبر فيه عن مصر الأصيلة وقيادتها الحكيمة    قبرص تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي وسط تحديات الحرب والهجرة والتوسيع    اسعار اللحوم اليوم الخميس 8يناير 2026 فى اسواق ومجازر المنيا    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 8 يناير 2026    85 فرصة عمل جديدة لأبناء السويس بالعين السخنة| تفاصيل    فوائد الترمس الحلو ودوره في دعم استقرار سكر الدم    تحذير دولي وسحب احترازي: تفاصيل أزمة حليب الأطفال من «نستله» وتوضيح الجهات الرسمية في مصر    لبنان.. انهيار مبنى سكني في طرابلس    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    اليمن.. قرارات رئاسية تطال محافظ عدن وعددا من القيادات العسكرية البارزة    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    ريهام سعيد تثير الجدل بمنشور عن أزمة لقاء الخميسي    حرب المخدرات على طاولة الحوار بين كولومبيا وترامب    عنصر من إدارة الهجرة الأمريكية يقتل سائقة في مينيابوليس خلال حملة هجرة مثيرة للجدل    ترتيب هدافي الدوري الإنجليزي بعد مباريات الأربعاء    بعد أزمة بغداد، وائل جسار يتألق في مهرجان الفسطاط الشتوي بحضور كامل العدد (فيديو)    ليندسي جراهام: ترامب يوافق على مشروع قانون العقوبات على روسيا    شركة النفط الفنزويلية: محادثات مع إدارة ترامب لتخفيف انتقائي للعقوبات    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ملف الأمن شائك..فلا تقربوه!
د. سعد الزنط يكتب:
نشر في صوت الأمة يوم 07 - 11 - 2009

· هناك مساحة ضبابية وخطيرة تفصل ما بين أداء رسالة المؤسسة الأمنية والمسئولية الأخلاقية المتوقعة من جانب المجتمع المدني
· أداء المؤسسة الأمنية «الرسالة» يقابله بالضرورة التزامات من جانب المجتمع المدني «المسئولية الأخلاقية»
بداية دعوني ألخص لكم ما قرأته بجريدتكم تحت عنوان" قضية شائكة" يوم 24/10/2009م والذي يمكن لأي قارئ أن يستنتج أو يتصور خطأً خلاصة محددة مما عرض بالمقال وهي: أن جهاز الشرطة علي وشك الانهيار من هول ما يعانيه ضباطه وأفراده من جوع وسوء تشغيل وجزاءات قاسية وانعدام العدالة فيه وعدم القدرة علي الرفض لهذه الظروف القاسية أو حتي إمكانية تنظيم احتجاج أو تظاهر، بل وصل الأمر إلي حد القهر من جانب القيادات العليا بالوزارة لمرؤوسيهم المساكين مكممي الأفواه في حال الشكوي وقد تم تصويرهم في النهاية بالشياطين، وهم -أي القيادات- مجرد ناقلين لتعليمات السيد الوزير التي تحمل في طياتها التهديد والوعيد، وقد نعت كاتب المقال هذه القيادات بذوي القصور الفكري والثقافي والعلمي الحريصين علي الاستحواذ علي ملايين الجنيهات في نفس الوقت الذي يبلغ متوسط ما يتقاضاه الضابط 500 جنيه شهرياً، الأمر الذي أمسي معه جائعاً وعرضة للانحراف والسقوط والانحطاط الأخلاقي والمسلكي وانتهاءً لشعور الكاتب بالهزيمة الشخصية وتأكده من أن انهيار الأمن قادم لا محالة،ذكر أيضاً بأنه كان هناك أيام الزمن الجميل للشرطة ضباط حرامية ومحتقرون ولكنهم كانوا حرامية جمال عملاً بالمثل:"إن سرقت اسرق جمل"وهي إشارة خاطئة وخطيرة في حق جيل القادة القدوة، كما تكلم عن عدم وجود أمل أو حل،وقد وصف ما يحدث بالانفجار الخلفي للشرطة وصوره باختلاط الزيت بالمياه نتيجة خراب موتورها الذي يحتاج إلي عمرة.
..إلي هنا انتهي الكلام وفهم القصد..ودعني عزيزي القارئ لأن أوضح لك الأمر بشكل علمي بعيدا عن الاسترسال والغوغائية..
أولاً: التعليق علي المقال: واضح أن صاحب القضية مهموم بها ومن حقه كمواطن مصري ولكونه كان يحمل شرف الانتساب لجهاز الشرطة أن يبدي وجهة نظره تجاه مؤسسة لها رسالة سامية ودور مهم، بل وخطير في الحفاظ علي أمن الوطن وأمان المواطن وعلي الدولة ككيان، ولكن للحقيقة فقد استخدم مفردات ولغة خطاب صعبة لا تليق لا مكاناً ولا زماناً ولا به شخصياً ولا بالجهاز الذي انتسب إليه حتي وصل إلي رتبة عميد، فعندما نتكلم عن الأمن في أي وطن فنحن نتعرض لرمز ولهيبة دولة يجب أن تحترم ولا يجب أن نسمح بتناول هذه القضية بهذا الشكل، فهناك أساليب وأدوات وأماكن وقنوات خاصة يمكننا إثارتها ومناقشتها من خلالها نظراً لحساسية وخطورة الأمر خاصة في ظل ظروف ومعطيات أمنية معقدة وشائكة نكابدها حسبما سيرد لاحقاً، هذا فضلاً عن المفردات واللغة المستخدمتين بمستوي لا يليق مطلقا بأصحاب رسالة ولا بمن شارك في حملها، لأن في ذلك قمة التخلي عن المسئولية الأخلاقية التي هي في الحقيقة جوهر العلاقة التي نعرضها للتصدع والانهيار بقصد أو عن غير قصد.
ثانياً: أثر المقالات والبرامج الحوارية المشابهة في توسيع الفجوة التي تفصل بين المؤسسة الأمنية والمجتمع المدني والمسئولية الأخلاقية تجاهها:
(1) تحليل العلاقة: فلا شك أن مثل هذا المقال وما يسببه من إثارة اللغط لدي المواطن العادي وما يترتب عليه من خلق صورة ذهنية قاتمة وظالمة عن المؤسسة الأمنية قد أسهم في تعميق الفجوة التي تفصل بين الشعب والمؤسسة الأمنية، بل إنها زادت من حالة الاحتقان والاستنفار لدي البعض ممن لديهم جهل بحقيقة رسالة جهاز الشرطة.. ونعتقد أنها فرصة لتناول هذه العلاقة التي أصيبت بمقتل خلال السنوات القليلة الماضية بشيء من التحليل لتشخيص الحالة والمتوقع أن تصل إليه من نتائج خطيرة علي المجتمع المدني أولاً وعلي المؤسسة الأمنية.
1- علاقة المجتمع المدني والمؤسسة الأمنية:.. كنا قد تطرقنا في مقالات سابقة قدمناها إلي موضوع جديد وهام وهو ضرورة إعادة هندسة الرؤي الاستراتيجية للقيادات الأمنية علي أساس أن ذلك قد أصبح موضوعاً ملحاً قد نتمكن من خلاله من تقديم مداخل وآليات وأدوات جديدة تساعد ضابط الشرطة علي مقابلة متطلبات المرحلة الصعبة التي يعاني من مفرداتها سواء المهنية أو الإنسانية دون الاستدراج إلي منطقة الخطأ.
وقدمنا لهذا الطرح،بأن فلسفة رؤيتنا الشخصية باختصار تكمن في أن هناك منظومة للأداء الأمني جديدة تتكون من رسالة يقابلها مسئولية أخلاقية، بمعني أوسع فإن أداء المؤسسة الأمنية "الرسالة" يقابلها بالضرورة التزامات من جانب المجتمع المدني "المسئولية الأخلاقية" هذه الرسالة تستهدف تحقيق أمن وطن وأمان مواطن وهيبة دولة، أما المسئولية الأخلاقية فهي تفرض التزاماً أخلاقياً من جانب عناصر المجتمع المدني المتمثلة في هيئاته ومنظماته والمؤسسات والهيئات الحكومية وأفراد المجتمع "الشعب".. وقد توصلنا إلي أن هناك مساحة ضبابية وخطيرة تفصل ما بين أداء رسالة المؤسسة الأمنية والمسئولية الأخلاقية المتوقعة من جانب المجتمع المدني، يسهم في صنعها أربعة أسباب رئيسية، ثلاثة منها تقع مسبباتها خارج المؤسسة وتتمثل في الإعلام السلبي ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية وبيئة ومناخ العمل الأمني الجديد أما السبب الرابع فيتمثل في تعليمات وزارة الداخلية وقراراتها ذات الأطر الإنسانية الضيقة وغير المرنة المضطرة لها.
وقد أوضحنا أن الأسباب الثلاثة الأولي يترتب عليها ثلاثة أهداف تتمثل في استدراج رجال الأمن لدائرة الخطأ والمساءلة - استعداء الشعب علي مؤسسته الأمنية بكل قطاعاتها - كسر هيبة الشرطة كآخر أهم الدوائر التي لم تخترق للآن في الوطن. بينما استهدف السبب الأخير المتعلق بالمؤسسة الأمنية تحقيق استمرارية التمسك بالدور والرسالة للمؤسسة - الحفاظ علي كيان المؤسسة ذاتها ومن ثم كرامتها وكرامة منسوبيها - الحفاظ علي هيبة الدولة.
وقد تلاحظ لنا أن النتيجة الحتمية لما اُستهدف من الأسباب الثلاثة الأولي هو أن الضابط قد يتحول بمسلكه الوظيفي إلي مجرد بشكاتب أو محولجي ويصاب بالخوف والإحباط والتردد ويميل إلي سياسة التصعيد وعدم الرغبة أو القدرة علي اتخاذ القرار أما النتيجة الحتمية المتوقعة للسبب الرابع فهي المزيد من الضغط علي الضابط في الوقت الذي يحتاج فيه وبشدة إلي التمكين في نفسه وأسرته وبيئة عمله ومجتمعه.. وأمام هذه النتائج المعقدة والمجهضة تكون الحاجة ماسة للبحث عن أدوات وآليات جديدة ومقبولة فنياً وأخلاقياً نطور بها الأداء.. أي إعادة هندسة وصياغة الدور للضابط عن طريق ثلاثة محاور رئيسية،نقترحها علي المؤسسة الأمنية وهي:
* توافر رؤية استراتيجية ووعي بالمستجدات التي طرأت علي المناخ العام للوطن وأثر ذلك علي المناخ الأمني بالضرورة خاصة شقيه السياسي والجنائي "الوعي الاستراتيجي للضابط ".
* تقديم مجموعة من المهارات والقدرات الجديدة والآليات والأدوات المستحدثة التي توضع في إطار أخلاقي أي "مقومات صناعة القادة الملائمين للمرحلة ".
* تنشيط دور الإعلام الأمني تجاه تنبيه المجتمع لخطورة ما يحدث وتفعيل التواصل الإيجابي معه. أي " تحديث وتنشيط الإعلام الأمني ".
هذه المحاور الثلاثة نتوقع أن تؤدي إلي شيوع ثقافة أداء جديدة تحت مسمي أو مفهوم "دبلوماسية العمل الأمني" والتي نحاول من خلالها المواءمة ما بين أمانة الرسالة ومهارة الأداء. والإجابة المبدئية علي سؤال هام ذي صلة بالموضوع وهو: كيف تسهم في إعادة ضبط أطر منظومة الأداء الأمني من منظور إداري؟:
ونري انه وقبل الخوض في تقديم أي مساهمة علينا أن نتفهم حقيقة العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمجتمع المدني والمستوي الذي وصل إليه وإدراك الفجوة التي تفصل بينهما وتزداد مع الأيام وذلك من خلال استيعاب السطور السابقة،ونكمله بتحليل آخر أكثر تطورا يلقي الضوء علي مساحة أكبر وأخطر في خريطة توصيف وتشخيص ما نحن فيه،حتي نتمكن من فهم هذا الملف الشائك - ملف الأمن -هذا التحليل يغطي العلاقة بين تطور المجتمع وتطور الجريمة وهو واقع غاب كثيرا عن معظم من يتناول هذه القضية رغم أهميته.
(ب)تحليل العلاقة بين تطور المجتمع وتطور الجريمة.
أ- تطور الجريمة المعاصرة:
لقد تطورت الجريمة تماشياً مع الإفرازات الجديدة لحياة السرعة وما تحمل في طياتها من اختلاف البيئة والظروف والانعكاسات الخطيرة لهذا التطور الجنوني والهائل من خلال ازدياد مساحة الاتصال ونقاطه بين الأفراد والمجتمعات والقوميات علي اختلاف أشكالها ومعتقداتها.
إن أحد أسباب تطور ظاهرة الجريمة هي ظاهرة العولمة بما تحمله من تجاوز الحدود الجغرافية للدول والتي تجعل من النشاط - أياً كان - سريع الانتشار وسهل التحقيق وخاصة بفكر إجرامي يؤدي إلي اقتراف الجريمة في ظل التقدم والتطور التقني الهائل وعولمة النظم المصرفية والمالية وظهور الجرائم المعلوماتية وقرصنة الأموال.
هذا التطور للجريمة يستتبع بالضرورة تطور أساليب البحث الجنائي في التحقيق والإثبات والدراسة النفسية الواعية للوصول إلي تشكيل صورة كاملة عن الجريمة وأركانها وإظهار القصد الجرمي ووصف الجريمة للوصول إلي الحقيقة كمطلب عام والارتقاء بأساليب البحث الجنائي المتطور إلي التطبيق الأمثل كمطلب خاص وذلك للحد من الجريمة كإحدي أدوات معالجة ومكافحة الجريمة قبل وقوعها تماشياً مع سرعة تطور فكر الجريمة.
أيضا هناك مجموعة من الملاحظات منها أن هناك ظاهرة إجرامية أصبحت ذات امتداد عالمي، وأن هناك علاقة سبب وأثر بين العولمة وهذا التطور، ومنها أن هذا الوضع يرتبط بوجود أزمة قانونية، تتعلق بمصداقية القانون وبفعاليته.
أضف إلي ذلك أن هناك عجزا عن إقرار قواعد قانونية وتوفير ضمانات مؤسسية تكافئ التحديات التي تفرضها العولمة.
وقد تسببت هذه الأزمة في تراجع الوظيفة الأصلية التي تمثل أساس القانون الجنائي ومبرر وجوده، وهي الحد من العنف سواء كان ناتجا عن الجرائم نفسها أو ناشئا من ردود الأفعال عليها، وهو ما يعني الوقاية من الجريمة، من جهة، وتجنب العقوبات المفرطة وغير القانونية من جهة أخري.
ب- خصوصية الإجرام المعاصر:
في عالم الجريمة التقليدي يأتي الاعتداء علي الحقوق والممتلكات عادة من أفراد علي هامش المجتمع أو عصابات معزولة، ولتحقيق الكفاية غالبا.أما اليوم فإن الإجرام الذي يمثل التهديد الأكبر لاستتباب أمن المجتمعات والأمم والتحدي الأبرز لتشريعاتها ومؤسساتها هو ما يسميه فيراجولي "إجرام السلطة"، وهو صنف من الجريمة غير هامشي ولا استثنائي لأنه، خلافا للجريمة التقليدية، متجذر في مركز المجتمعات المعاصرة ويتحكم في مفاصلها.
وتنتمي إلي عالم الجريمة المنظمة التي تمارس من موقع السلطة، أو بالقرب منها، ثلاث فئات متميزة من حيث طبيعتها رغم أنها تكرس، في حالات كثيرة، تداخل المصالح وتواطؤ المواقف بين سلطان الجريمة المنظمة ونفوذها وبين انحرافات وجرائم السلطة سياسية كانت أو اقتصادية.
الأولي: قوي الجريمة المنظمة:هذه المنظمات وجدت دائما، لكنها اليوم حققت تطورا مذهلا علي مستوي الانتشار والتأثير كما أصبح لها وزن مالي هائل جعل أنشطتها ضمن طليعة قطاعات الاقتصاد العالمي الأكثر مردودية.
ولا ينطوي هذا التأكيد علي أي مبالغة، فقد قدر الباحث الفرنسي جان دو مايار قبل سنوات أن حجم الأعمال المرتبطة بغسيل الأموال يبلغ سنويا ما بين 800 إلي 2000 بليون دولار.
إنما المفارقة أن هذه الأرباح الضخمة تتحقق نتيجة لاستغلال أكثر الأوضاع بؤسا، وهو ما يتجلي في سيطرة عصابات المافيا علي سوق المخدرات واستخدامها البشع لجيوش من صغار الموزعين، فضلا عن استغلالها للبؤس المعنوي للمدمنين.
والشيء نفسه يمكن أن يقال عن متاجرة مافيا الهجرة السرية بأحلام العاطلين، وتلاعب جماعات الإرهاب العابر للأوطان بعواطف الشباب المتمرد.والملاحظ في أغلب هذه الحالات أن هناك فرزا طبقيا تستغل "النخب" الإجرامية بمقتضاه بؤس وخصاصة وهامشية عالم الجريمة الصغيرة وتقوم بتوظيفه لتعظيم أرباحها.
الثانية: النفوذ الاقتصادي العابر للحدود:ويتجسد هذا النوع من الجريمة -الذي يمثل بامتياز أثرا مباشرا لظاهرة العولمة بما تعنيه من فراغ في القانون العام- عبر صيغ مختلفة من الفساد والعدوان علي الحقوق الاجتماعية واغتصاب الموارد الطبيعية وتدمير البيئة.
الثالثة: إجرام السلطات العمومية:وهو أكثر هذه الفئات تعقيدا وتنوعا فهناك الارتباط الوثيق بين هذه السلطات وقوي الجريمة الاقتصادية السابق ذكرها، وللجماعات الإرهابية دائما تحالفاتها المعروفة أو الخفية مع الأنظمة السياسية وأجهزة الاستخبارات.
بل إن أنشطتها تخدم في حالات كثيرة الأجندة السياسية للأنظمة التي تدعي مواجهتها، وهناك الظهور المتواتر لأشكال قديمة متجددة من الفساد واستغلال السلطة.ويعني ذلك حصول تحول في الخلفية الاجتماعية للظاهرة الإجرامية، علي الأقل في مستوياتها "العليا"، حيث لم تعد "الطبقات الخطيرة" هي تلك الأكثر فقرا وهامشية، وإنما "النخب" المتحكمة سياسيا واقتصاديا، وغدت الأولي خاضعة للثانية التي ترعي كل نزوع إجرامي وتستغله لحسابها.
كما أن الصيغ الجديدة للجريمة أضحت تمثل عدوانا جديا علي مصالح أساسية فردية وجماعية لأن الأمر تحول من انحراف أفراد معزولين وعاجزين إلي إجرام واسع النفوذ يتمتع بمستوي غير مسبوق من الحصانة ضد العقوبة وقدرة فائقة علي الابتزاز تتناسب مع تزايد قوة المنظمات الإجرامية وتوثق صلاتها بالسلطات العمومية.
ج - ملامح أزمة السياسة الجنائية لم يكن تطور الجريمة وتمكن تأثيرها في المجتمعات المعاصرة والعجز عن التصدي لها ليكون علي النحو الذي هو عليه الآن لولا الخلل في أدوات حماية المجتمع من الجريمة، وفي مقدمتها القانون الجنائي الذي بات يعاني من التضخم التشريعي وترهل الأجهزة القضائية وشيوع الحلول الظرفية ذات المنحي الديماغوجي.
ولا شك أن مثل هذه الحلول حرفت مفهوم الأمن واختزلته في مطلب الحفاظ علي النظام العام اعتمادا علي مقاربات أمنية وجنائية طبقية وقاصرة، مما أدي إلي استنزاف طاقات الجهاز القضائي في ملاحقة الجريمة الصغيرة والهامشية وصرفه عن الاهتمام بتعقب الإجرام الأكثر خطورة والذي يتصرف من مواقع السلطة والسطوة والنفوذ.
وهذا بدوره مثل إخلالا مكشوفا بالترتيب المنطقي للأولويات وتجاهلا غير مقبول لحقيقة أن مقاربة الجريمة الصغيرة من المنظور الجنائي حصرا إنما تؤدي إلي تغذية الأوهام حول الفاعلية المطلقة للردع العقابي، في الوقت الذي تعفي فيه الدولة وسلطاتها والمجتمع ومؤسساته من أعباء البحث عن حلول بنيوية للأزمات الاجتماعية التي تنتج هذا الصنف من الجريمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.