"العدل" يناقش مساهمة الأحزاب في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان    النيابة الإدارية تشرف على جولة الإعادة بانتخابات المحامين غد0    النقل تتوعد سائق ميكروباص سرق كشافات الإنارة بالدائري الإقليمي    اتحاد منتجي الدواجن: العرض والطلب يحركان الأسعار يوميًا قبل رمضان    الأوكازيون قبل رمضان.. علاء عز: تخفيضات حقيقية تحت الرقابة لتخفيف الأعباء عن الأسر    محافظ قنا يتفقد "وادي الطليحات" بجبل دندرة لتحويله إلى مقصد للسياحة الريفية    ترامب: أعتقد أن المفاوضات مع إيران ستنجح    الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: سعينا لتشكيل مسار ثالث يكسر الثنائية القائمة بين فتح وحماس    الولايات المتحدة تسمح لبعض شركات النفط بإنتاج النفط والغاز في فنزويلا    الدوري السعودي، الاتحاد يتقدم على الفيحاء 1-0 في الشوط الأول    عثمان ديمبيلي يقود هجوم باريس سان جيرمان أمام رين في الدوري الفرنسي    مائل للحرارة نهارا، الأرصاد الجوية تعلن حالة الطقس غدا السبت    فيفي عبده تعود في رمضان عبر شاشة MBC مصر ببرنامج "ألف ليلة"    مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية يكشف عن قائمة المكرمين في دورته ال15    استشاري تغذية تكشف مخاطر المشروبات الغازية على الأطفال    الأهلى يهزم طلائع الجيش فى ثان جولات المرحلة الثانية من دورى محترفى اليد    ترامب يطالب زيلينسكى بلقاء بوتين وأوروبا تعلن دعم أوكرانيا    موعد بداية شهر رمضان.. الأربعاء أم الخميس؟.. الحسابات الفلكية تحسم الجدل    زوج ينهي حياة زوجته بالمحلة الكبرى    النصيري يقود هجوم الاتحاد ضد الفيحاء فى الدورى السعودى    طلب إحاطة لإلغاء إضافة العربي والتاريخ لمجموع طلاب المدارس الدولية    جميل مزهر ل سمير عمر: محاولات إسرائيل لنزع سلاح المقاومة لم تؤتِ ثمارها    دراما المتحدة.. إبداع وتنوير وتطوير مستمر مع معالجة القضايا الاجتماعية.. فيديو    وزير الخارجية يجدد التزام مصر بدعم استرداد التراث الإفريقي خلال حلقة نقاشية لليونسكو والمفوضية الأفريقي    شريهان أبو الحسن تحذر: كبت المشاعر السلبية ضريبة يدفعها الجسد من صحته    تفاصيل تتر بداية مسلسل «السرايا الصفرا» ل أمينة قبل عرضه في رمضان المقبل    طارق سعدة يهنئ الدكتور شريف فاروق بتجديد الثقة وزيرًا للتموين والتجارة الداخلية    برلمانيون: انتخابات المحليات ضرورة لاستكمال البناء المؤسسي    حقيقة الهجوم على قطعة أرض والتعدي على سيدة وابنتها بالإسكندرية    منتخب ألعاب القوى البارالمبى يحصد 5 ميداليات متنوعة في بطولة فزاع بالإمارات    سؤال برلمانى حول توطين الصناعات وتقليل الاعتماد على الاستيراد    افتتاح 10 مساجد جديدة ضمن خطة وزارة الأوقاف بالبحيرة    استشارة طبية.. الحياة بلا خضراوات    القبض على المتهم بقتل شاب لخلافات مالية فى الجيزة    جراحات القلب المفتوح.. ماذا بعد؟    وزير الصحة يتلقى تقريرًا بإنجاز 33 زيارة ميدانية ل58 مستشفى و62 وحدة صحية ب12 محافظة    تلف 4 سيارات ملاكي إثر سقوط تندة حديد بسبب سوء الأحوال الجوية بالعاشر من رمضان    وزير الأوقاف ومحافظ المنوفية يفتتحان مسجدا قباء والعمري الكبير بقويسنا البلد    طارق يحيى: الزمالك سيتوج بلقب الدوري هذا الموسم    جوارديولا يرد على تصريحات رئيس مانشستر يونايتد بشأن المهاجرين    أذكار مساء الجمعة.. كلمات من نور تحفظ القلب وتغمر النفس بالسكينة والطمأنينة    بعد إجبار شاب على ارتداء «بدلة رقص» .. ماذا يقول الإسلام عن ترويع الناس وإهانتهم؟    بمشاركة 56 شركة، ملتقى توظيفي ل زراعة عين شمس بعنوان "الذكاء الاصطناعي"    مستوطنون إسرائيليون يجرفون أراض يملكها فلسطينيون.. واختناقات خلال مواجهات    قتيلان ومصابان في مشاجرة بالأعيرة النارية بنجع حرب بالخيام بدار السلام بسوهاج    الداخلية تمنح نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل زيارتين استثنائيتين احتفالا بشهر رمضان    وزارة النقل تعلن مواعيد تشغيل الأتوبيس الترددي خلال شهر رمضان لتيسير تنقل المواطنين    المحكمة العليا البريطانية تقضى بعدم قانونية حظر جماعة فلسطين أكشن    الصحة تشارك بكوادرها في القمة المصرية الثامنة لأمراض دم الأطفال    جامعة الدلتا التكنولوجية تشارك في فاعلية دعم الصحة النفسية والإرشاد الأسري    "بحوث الإلكترونيات" يستضيف لجنة قطاع علوم الحاسب والمعلوماتية ب"الأعلى للجامعات"    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لصلاه الجمعه الأخيرة من شهر شعبان    أخبار فاتتك وأنت نايم| الأهلي يستعيد «عاشور».. وجيش الاحتلال يستهدف عنصر من حزب الله    عودة إمام عاشور تشعل استعدادات الأهلي لموقعة الجيش الملكي بدوري الأبطال    صلاة الجمعة: حكمها وآدابها وسننها وفضلها    الجيش الإسرائيلي: استهداف عنصر من «حزب الله» في منطقة الطيري جنوبي لبنان    مشاجرة على الهواء بين ضيوف "خط أحمر" بسبب الخيانة الزوجية.. فيديو    نائب المدير الرياضي ل نورشيلاند: انتقال إبراهيم عادل للأهلي؟ لن ننخرط في هذه الممارسات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن الديمقراطية المحمولة على ظهور الحمير.. والترويج العربي لجيوش الاحتلال!
نشر في الشروق الجديد يوم 26 - 08 - 2009

استذكر كثير من الناس، والعرب أولهم، وهم يتابعون وقائع العملية الانتخابية فى أفغانستان، طفولتهم واستمتاعهم بالصور الطريفة التى كانوا يتفرجون عليها بمتعة على إيقاعات المشغل الظريف لصندوق الدنيا، وهو يهتف بمرح: تعال تفرج يا سلام على عنترة الهمام وعلى عبلة بنت الكرام، تعال شوف الشاطر حسن المغوار وهو يشق البحار للوصول إلى ذاتِ الخمار، تعال تفرج على بلاد العجائب والأحلام بلاد الجبابرة والأقزام إلخ..
أوقفت معظم الفضائيات العربية برامجها العادية، وأسدلت ستارا من النسيان على القضايا موضع الاهتمام العام، وبينها حروب أو مشاريع حروب أهلية جديدة أو مجددة فى أكثر من قطر عربى، بينها على سبيل المثال لا الحصر ما يجرى فى العراق ولأهل العراق، وما يجرى فى اليمن ولأهل اليمن، فضلا عما يحيق بفلسطين، قضية مقدسة وشعبا مضيع المصير، وانتقلت بمراسليها ومعلقيها وجهابذة التحليل، إلى أفغانستان، والى الإنجاز التاريخى فيها: الديمقراطية المحمولة على ظهور الحمير بحراسة الطائرات والحوامات الحربية والصواريخ التى لا تخطئ أهدافها فى تلك البلاد التى استعصت، عبر التاريخ، على المستعمرين والمحتلين، سواء أجاءوها من الجار الخطير أو من دول عظمى خلف البحار تملك أسلحة الدمار الشامل وقرار الشرعية الدولية الذى لا يقل قدرة تدميرية عن القنابل النووية!
كانت مجريات الديمقراطية المحمولة فى غاية الطرافة: صناديق الاقتراع تنقل إما على ظهور الحمير، فى مناطق شديدة الوعورة، أو فى طوافات وحوامات حربية طالما أطلقت صواريخ الشرعية الدولية على الفلاحين البسطاء ورجال القبائل الذين لم يعرفوا كثيرا عن العالم البعيد، وإن كانت طبيعة بلادهم الجبلية وانعزالها خلف جبالها وخلف ذاكرة الدنيا قد وفرت لهم شيئا من الحماية والمنعة وجعلتها «مقبرة الغزاة» بالمعنى الفعلى.
وكان «المجتمع الدولى» بقيادته الأمريكية وحوارييها الأوروبيين يستمتع بالمشاهد الطريفة المنقولة من «قعر الدنيا» عبر الفضائيات، لبعض شعوب العالم الثالث، والإسلامية منه على وجه الخصوص، وهى تمارس الديمقراطية على الطريقة الغربية، بما يذكر بحكاية القرد الذى حاول تقليد النجار فى الحكاية الشعبية المعروفة.
لم يكن مما يهتم له المجتمع الدولى الجانب الدموى لهذه المشاهد الطريفة.. فهو يرى أن الديمقراطية إنجاز سام يستحق التضحية بالروح والدم، لاسيما أن «الناخبين المفترضين» مرشحون للقتل على مدار الساعة، إن لم يكن فى نزاعاتهم الداخلية فعلى أيدى قوات الاحتلال الأمريكى المدول المجهز بأحدث أسلحة الإبادة التى يمكنها أن تستأصل مع أهل البلاد أسباب الحياة فيها، بيوتا هى كالجحور وأشجار وحقولا.. اللهم باستثناء مصدر الثروة التى ستعوض تحالف دول الاحتلال خسائرها: حقول الأفيون!
ثم إن القفزة الهائلة التى سترتفع بشعب أفغانستان، على اختلاف أعراقه، من وهدة التخلف إلى مجد المعاصرة والحداثة قد تكون مكلفة، ولكن لا بد منها لمن أراد ولوج القرن الحادى والعشرين محمولا على الدبابات الأمريكية، ومع الاحتفاظ بأصالة أفغانية مؤكدة بعباءة كرزاى وعمائم شيوخ القبائل التى أسقطت عليها الديمقراطية بالمظلات!
صحيح أن الاحتلال أبشع من أن تخفى طبيعته المتوحشة « كتب» القوائم الانتخابية عديدة الصفحات والدعايات المتلفزة للمرشحين وأبرزهم عاد إلى البلاد مع قوات الاحتلال وصناديق الاقتراع المحمولة على ظهور الحمير، فى حماية القاذفات الأسرع من الصوت والتى صواريخها اشد إحراقا من نار جهنم، لكن الصحيح أيضا أن العصر الأمريكى مصفح بحيث لا يمكن أن تلجه الشعوب المقهورة إلا بدمائها،
كذلك فإن العملية الديمقراطية تجرى تحت رقابة البعثات الأوروبية لمراقبة الديمقراطية.. وهى قد أعطت شهادتها القاطعة بسلامة هذه العملية!
فضلا عن أن رئيس دولة الاحتلال، الرئيس الأمريكى باراك أوباما قد هنأ الشعب الأفغانى على إنجازه الديمقراطية مع استمراره على دينه الحنيف، دون أن ينسى تحذير الديمقراطيين الجدد من اللجوء إلى العنف!
****
لولا شىء من التحفظ المبدئى لأمكن اعتبار الإصرار على إسقاط الديمقراطية بمظلات الاحتلال العسكرى على بعض الشعوب التى قادها طغيان أنظمتها معززا بالتخلف إلى وهدة التدمير الشامل لدولها وطاقاتها وثرواتها، بمثابة إعلان رسمى بتفجير الحروب الأهلية عبر صناديق الاقتراع.
فالديمقراطية المحمولة على ظهور الحمير أو بالحوامات العسكرية لجيش الاحتلال كافية للتدليل على الاستعجال فى تحويل الانقسام الأهلى إلى اشتباك مسلح ينظمه ويرعاه ويقطف نتائجه المحتل المتحكم بمجريات الأمور، والمتعجل فى نقل مشكلته مع شعب البلاد التى يحتلها إلى اشتباك مفتوح بين أهلها!
... خصوصا أن هذا المحتل قد تعرف، على الأرض التى تنزف دماء ناسها، إلى عمق الانقسامات الإثنية والدينية والمذهبية، الموروثة والمنسية، وإن كانت لا تزال قابلة للاشتعال، بما يشغل هذه الشعوب المقهورة أصلا بالطغيان الذى سهل على الاحتلال وراثته، عن التضامن والتكاتف والتعاضد، لتحرير البلاد عبر تجاوز مخلفات حقب غائرة فى الماضى من أجل استنقاذ المستقبل.
... وهذا العراق شاهد وشهيد!
فانقسام الشعب الواحد إلى أطراف مقتتلة على وهم السلطة فى ظل الاحتلال هو المخرج المثالى المنقذ للمحتل من مواجهة المقاومة التى قد تجمع شتات أبناء الوطن الواحد على هدف نبيل وسامٍ يتصل بحياتهم وبحقهم فى صياغة مستقبلهم (الواحد بالضرورة) بإرادة التحرير.
وهذه محنة فلسطين تشهد بأن الانقسام الوطنى خدمة مجانية للاحتلال الإسرائيلى.
لا يمكن استيراد الديمقراطية، كما لا يمكن إسقاطها من الطائرات الحربية للاحتلال.
وبالمقابل فليس بناة الديمقراطية هم من ينصبهم الاحتلال حكاما بعسكره، ثم يحاول أن يستدعى شعبهم إلى تأييدهم بقوة مدافعه، أو بما هو أخطر: بتهديدهم بأن البديل هو حرب أهلية لا تنتهى، تدمر وطنهم وتمزق وحدة شعبهم وتمكن للاحتلال أن يصبح الملجأ الأخير!
الدرس العراقى شديد الوضوح بحيث إنه يكشف الدول المتواطئة مع الاحتلال الأمريكى على وحدة شعب العراق وبالتالى على وحدة كيانه السياسى، أى دولته.
إنه درس مكتوب بدماء العراقيين، كما أنه إنذار بالنجيع لشعوب المنطقة جميعا، من حول العراق، فالاحتلال يأتى ببعض من يفترض أن شعبهم يحترم تاريخهم ويضعهم فى الواجهة، فإن فشلوا فهم المسئولون، وإن نجحوا فالفضل له وهذا يشرعن دوامه.. عبر الإرادة الشعبية كما تجسدها صناديق الاقتراع!
أما فى أفغانستان فإن أصحاب السلطة فيه هم الذين جاء بهم الاحتلال بطائراته المدنية بمواكبة طائراته العسكرية ليسقطهم على قمة الحكم.. ثم هيأ لهم أن يشرعنوا سلطتهم بالديمقراطية المحمولة على الحمير!
ولان أصحاب السلطة، وبالشراكة مع كبار ضباط الاحتلال، هم المستثمرون الفعليون لزراعة الأفيون وتجارته وتسويقه عالميا، فلقد كان طبيعيا أن يتولوا حماية هذه «السلعة الإستراتيجية»، خصوصا أن بعض أرباحها ستستخدم فى الصراع الديمقراطى على سلطة محلية تنفع كقناع يخفى وجه الاحتلال.
وهكذا فإن المنافسة قد تركزت، أساسا، بين «الرئيس» الذى كان معتمدا من طرف الاحتلال على امتداد سنواته الرئاسية الفائتة، كرزاى، وبين من كان بمثابة الرجل الثانى أو الاحتياط الاستراتيجى للاحتلال عبدالله عبدالله، وهو الذى اعتمد وزيرا للخارجية طوال سنوات.
إنها تمارين على إدامة الحرب الأهلية.. بالديمقراطية على الطريقة الأمريكية!
بالمقابل فإن أجهزة الإعلام العربية التى أنفقت عليها المليارات لتغنى الناس عن السياسة بالفرجة عليها، ترافق هذه الجهود الأمريكية لتدريب شعوب العالم الثالث، والمسلمين منهم خصوصا، والعرب ممثلين بشعب العراق على وجه أخص، على الديمقراطية بحملة مكثفة لأنسنة الاحتلال: تقدم لنا الجنود القادمين لاحتلال أرضنا، وسط عائلاتهم فى وطنهم، والتى سيتركونها وقد لا يعودون إليها، فى مشاهد عاطفية مؤثرة.. ثم يتم تصوير هؤلاء وهم يتدربون، فى قرى بنيت خصيصا لتشبه مواقع متمردة مفترضة فى العراق، فيقومون بالهجوم عليها مستعينين بأدلاء من المهاجرين العراقيين الذين تخلوا عن هويتهم منذ زمن بعيد، وقد يصاب أحدهم أو يقتل وينقل جثمانه إلى ذويه فى موكب تظلله المأساة، لكن ما يعزى أهله أنه قد فتك بالمتمردين العراقيين فتكا فظل يقتل منهم بقنابله ورشاشاته ( تعاونه قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات) حتى أباد قريتهم تماما!
****
الديمقراطية الأمريكية مكلفة أكثر من الدكتاتوريات العربية،
والخيار محدد: هل تريد ديمقراطية محمولة تسقط عليك مع القذائف من طائرات الاحتلال، أم تقبل «الدكتاتورية الوطنية» باعتبارها أهون الشرين؟!
فى الحالين يضيع عليك وطنك، وتسقط عنك هويته، لتغدو مجرد رعية فى قبيلة أو طائفة أو مذهب، وتحت الاحتلال والطغيان معا؟!
لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب تصنع أقدارها.. ولو بكلفة عالية!
ويبدو أن هذا هو المقدر والمكتوب على العرب والمسلمين جميعا فى هذا العصر الأمريكى الإسرائيلى!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.