أسعار اللحوم اليوم الجمعة 24 أبريل 2026    سعر الذهب اليوم الجمعة 24 أبريل 2026    مع ذكرى تحرير سيناء.. "النقل" تستعرض جهودها لتنمية أرض الفيروز    وزيرا الزراعة والتعليم يبحثان التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية    الصناعة: افتتاح خط جديد بمصنع كوكاكولا فى الإسكندرية خلال شهر يونيو    مدير "المتوسط للدراسات": هدنة لبنان "غامضة" وتحركات واشنطن العسكرية تشير لاحتمال التصعيد    الاستهداف الديناميكى.. CNN تكشف خطة ترامب ضد ايران حال فشل المفاوضات    قمة نيقوسيا.. السيسي يشارك في اجتماع تشاوري عربي أوروبي حول التطورات الجيوسياسية الراهنة.. ويلقي كلمة يستعرض خلالها رؤية مصر لتحقيق التهدئة والاستقرار الإقليمي والدولي وتعزيز التعاون المشترك    ماكرون يعلن اعتزامه اعتزال السياسة نهائيًا في 2027    7 مواجهات قوية بالجولة ال28 من دوري الكرة النسائية اليوم    الإسماعيلي في اختبار صعب أمام مودرن سبورت للهروب من دوامة الهبوط    ريال مدريد في اختبار صعب أمام بيتيس لمواصلة مطاردة برشلونة على صدارة الليجا    سلوت: تسجيل الأهداف أمر طبيعي لصلاح في ليفربول    حادث مروع في الفيوم.. سيارة عكس الاتجاه تصدم طفلًا وتصيبه بإصابات بالغة    النيابة تحقق في واقعة التعدي على طفل حتى الموت داخل مول بمدينة 6 أكتوبر    الأمن يضبط ميكانيكى مزق جسد عامل مخبز فى مشاجرة ببورسعيد    الإسكندرية تحتفي بذكرى إنشائها في أجواء كرنفالية وموكب فني يجسد تاريخ المدينة    أمسية أدبية في ضمد السعودية تستعرض "هوامش التجربة ومتونها"    وزيرة التضامن تتابع الموقف التنفيذي لمراكز التجميع والمواءمة لتوفير الأطراف الصناعية    موعد والقناة الناقلة لمباراة الأهلي والزمالك في دوري المحترفين لكرة اليد    بعد فوز الزمالك على بيراميدز .. هل فقد الأهلي الأمل في حسم اللقب؟    ضوابط استخراج رخصة السايس والرسوم المطلوبة وفقا للقانون    موسكو: نأخذ خطط ألمانيا للتسليح على محمل الجد    اختتام ملتقى"التراث وتأصيل الهوية المصرية"بأكاديمية البحث العلمي.. صور    برلمانية تؤكد أهمية إسناد تدريس مادة التربية الدينية إلى متخصصين مؤهلين علميًا وشرعيًا    بعد قليل.. بدء انتخابات التجديد النصفي لنقابة أطباء الأسنان بكافة المحافظات    الرئاسة القبرصية: مشاركة الرئيس السيسى فى قمة نيقوسيا تمنحها زخما سياسيا    طب الإسكندرية: تسخين الخبز أكثر من مرة قد يؤدي إلى فقدان جزء من قيمته الغذائية    الولايات المتحدة توافق على علاج جيني مبتكر للصمم الوراثي    فريق من إشراف الرعاية الصحية بالإسماعيلية يتابع توافر الأدوية بمستشفى القصاصين    جامعة المنصورة: علاج 400 ألف مريض وإجراء 16 ألف جراحة خلال الربع الأول من 2026    زلزال بقوة 5.7 درجة يضرب جزيرة كريت اليونانية    إصابة شخصين إثر سقوط أجزاء من عقار قديم بالعطارين الإسكندرية    دونجا: أرفع القبعة لشيكو بانزا.. وتغييرات معتمد جمال كلمة السر في الفوز أمام بيراميدز    "الرغبة" ل فاضل رزاق يقتنص الجائزة الكبرى، الإعلان عن الفائزين في مهرجان موسكو السينمائي الدولي    العظمى بالفاهرة 31.. الأرصاد: استمرار ارتفاع درجات الحرارة اليوم الجمعة    انخفاض العنب وارتفاع الكنتالوب، أسعار الفاكهة في المنيا اليوم الجمعة 24 أبريل 2026    غلق جزئي بكوبري 6 أكتوبر بسبب أعمال تطوير وتحويلات مرورية    جهود أمنية لفك لغز العثور على جثة سيدة بها طعنات آلة حادة داخل منزلها في قنا    مبادرة عالمية توزع 100 مليون جرعة لقاح على الأطفال منذ 2023    أمريكا تحذر إيران من اندساس "عناصر الحرس الثوري" بين وفدها المشارك في كأس العالم 2026    طلاب تمريض دمياط الأهلية يتألقون علميًا في مؤتمر بورسعيد الدولي التاسع    وكيل "شباب الجيزة" يشهد احتفالية عيد تحرير سيناء ونجوى يوسف تسرد بطولات الجيش على أرض الفيروز (صور)    المؤبد لنجار في قضية شروع بالقتل وسرقة بالإكراه    دعاء يوم الجمعة لنفسي وأهلي وأحبتي في ساعة الاستجابة المباركة    اليوم.. قطع المياه لمدة 8 ساعات عن بعض مناطق الهرم والعمرانية والمنيب    راهن على مادورو..اعتقال جندى أمريكى من القوات الخاصة بعد ربح 400 ألف دولار    فيفا يعرض تذاكر نهائي كأس العالم بأسعار خيالية تصل لملايين الدولارات    حقيقة الحالة الصحية ل هاني شاكر.. الجالية المصرية في فرنسا تكشف التفاصيل    عمرو يوسف يحتفل بالعرض الخاص لمسلسله "الفرنساوى"    احتفالا باليوم العالمي للكتاب.. انطلاق الملتقى العلمي الأول لدار الكتب والوثائق بالتعاون مع كلية دار العلوم    مصطفى بكري: المصريون عمرهم ما خذلوا دولتهم.. وعندما نصارح المواطن بالحقيقة يطمئن    برلماني: قانون المسيحيين الجديد يعتمد الأدلة الرقمية لإثبات الزنا    هاني شاكر بين القلق والأمل.. تضارب التصريحات يكشف حقيقة اللحظات الأصعب في رحلة العلاج    الأوقاف تختتم فعاليات المسابقة القرآنية الكبرى بمراكز إعداد محفظي القرآن الكريم    أحمد كريمة: المنتحر مسلم عاص وأمره إلى رحمة الله    خايف على أولاده من الحسد بعد استقرار حياته.. ماذا يفعل؟ أمين الفتوى يجيب    النقاب ليس فرضًا| العلماء: ضوابط فى الأماكن العامة للتحقق من هوية مرتديه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفلاح المريض
نشر في الشروق الجديد يوم 09 - 02 - 2013

«كيف يتأتى فى بلاد يقطن معظم سكانها الريف (57% من السكان) ألا نجد إلا مصادر محدودة تتحدث عن علاقة الطبيب بالعالم الريفى؟ وبالرغم من أن الهدف الأول كان علاج هذا الجمهور الريفى، لا نجد إلا مذكرات لثلاثة من الأطباء مارسوا المهنة خلال الفترة 1920 1940، وبعض المجلات التى تتحدث عن هذه السنوات التى كرس فيها الأطباء أنفسهم لعلاج سكان الأقاليم». بهذه المقدمة المحملة بالدلالات استهلت سيلفيا شيفولو بحثها المهم الذى صدر فى كتاب مهم يتناول حال الطب والأطباء والريف المصرى قبل نصف قرن، وتُرجم تحت عنوان «الطب والأطباء فى مصر».

هل تغير حال الفلاح المريض؟

من المؤسف أن الحال لم يتغير كثيرا. فبعد أن كان الريف المصرى فى العشرينيات والثلاثينيات يعانى الأمراض المعدية المهلكة كالسُل والجدرى والملاريا والبلهارسيا والكوليرا وغيرها من الأمراض، أصبح الريف وسكانه يعانون من عبء مزدوج للأمراض المعدية التى تغيرت نسبيا باختفاء الجدرى والكوليرا والبلهارسيا إلى حد كبير، وظهرت بديلا عنها أمراض غير معدية هى أشد فتكا، كارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكر ومضاعفاتها، إلى جانب أمراض الكبد (الفيروسات الكبدية س وب) واسعة الانتشار، علاوة على أمراض الكلى والسرطانات عافاكم الله بأنواعها. هذا دون حوادث الطرق التى تجعل الوفيات فى الريف بسبب شبكة الطرق المتهالكة ووسائل النقل غير الآمنة (التوك توك والنصف نقل والميكروباص.. إلخ.)، مع غياب منظومة طوارئ طبية ناجعة، تتصاعد معدلاتها لمستويات مخيفة.

ما الذى حدث فى منظومة الصحة الريفية بحيث جعل عبء المرض له هذه السطوة المقلقة، والمستنزفة لخزان القوى البشرية المصرى المتركز فى ريف يمتد شمالا وجنوبا فى الوادى والدلتا؟ ولماذا امتد الريف إلى المدن بأحزمة من الهجرة الداخلية أدت إلى نشوء عشوائيات مدينية تحمل أحوال الريف المرضية؟ ما يجعل الإشارة إلى ما يسمى بخصوصية أمراض الريف كثيرة التداخل مع الأمراض الاكثر شيوعا فى المجتمع قياسا للحضر من البلاد.

•••

توضح دراسات علم الاجتماع الصحى أو الأنثروبولوجيا الطبية تزايد ظاهرة ترييف المدن مع انتشار العشوائيات وسكانها القادمين من الأرياف، على نحو صنع حزاما صنع سياجا مختلطا حول المدن القديمة، يشغى بكل أمراض الريف وأعبائه وعاداته. كما تجلى على الجانب الآخر فى بعض مظاهر شكلية لمدينية الريف تتمثل كما قال أحدهم فى هذا السياق «أن بعض نسائنا فى القرية يفضلن الآن شق البطن (الولادة القيصرية) بديلا عن الولادة الطبيعية» رغم أن ذلك يُعد استثناء طبيا تحذر القواعد الطبية من اللجوء إليه إلا لضرورة معتبرة، وهذا مجرد ملمح لمستوى تشوه الوعى الطبى والتى تنبئ عن تلك المظاهر الخادعة لتحضر ظاهرى لحواف المدن لا يؤدى إلا إلى مزيد من التخلف!

سنجد لدى مراجعتنا لمؤشرات التنمية ذات العلاقة بالصحة أن نسب وفيات الأطفال (تحت سن الخامسة والرضع وحديثى الولادة) والتى سجلت عموما تحسنا نسبيا فى السنوات الأخيرة، لم تتحسن بنفس القدر فى الريف. فلم تزل تلك النسب تشير لنسبة أكبر للوفيات عن الحضر (تقدر بزيادة 2.5% وفيات). كما أن خدمات الصحة الإنجابية ورعاية الأمهات والحوامل التى تتم تحت إشراف طبى مازالت بياناتها تشير إلى فجوات كبيرة بين الريف والحضر (فى الحضر 80%، فى الريف 50%)، ناهيك عن تدهور محددات الصحة الأساسية فى الريف عن الحضر، ومنها توافر خدمات الصرف الصحى ومياه الشرب النقية الآمنة. ففى الريف لا تتجاوز نسبة توافر الصرف الصحى 50%، فى حين تكاد تصل إلى 100% فى الحضر (نظريا). كما أن مياه الشرب الآمنة لم تزل حالها أفضل فى الحضر عنها فى الريف بصورة ملحوظة، ولسنا ببعيد عن حوادث تسمم ضربت قرى بأكملها جراء تلوث المياه. وقد انتجت هذه الفروق النسبية ثقلا مضافا للعبء المرضى لدى ساكن الريف، وتؤثر سلبا على إنتاجيته دون شك.

إن مسألة إتاحة الخدمات الصحية فى الريف، وتوفيرها وفق معايير معتبرة للجودة، مازالت تمثل التحدى الأكبر للتنمية الريفية. وما هو متاح من الخدمات الطبية الريفية يقتصر على شبكة مهترئة من وحدات الرعاية الأساسية، تفتقر عموما لوجود الطبيب المؤهل والأدوية الأساسية. ما زال طبيب الريف المؤهل الذى يقرر أن يندمج فى المجتمع الريفى متفهما لمشاكله وتحدياته غائبا! ولعل مرد ذلك لاستراتيجيات التعليم الطبى التى تخرج أطباء يتلخص سعيهم المهنى فى حلم المكانة المدينية والثروة بعيدا عن أهداف العمل الاجتماعى الطبى ذات الطبيعة النضالية.

•••

ومما زاد الأمر سوءا، ما شهدته العقود الأخيرة من تصاعد للتصنيع العشوائى، المفتقد لمعايير صحية، أو جودة بيئية. كذلك انتشار الصناعات الملوثة كالأسمنت والسيراميك والكيماويات.. إلخ، فى أحوزة الريف، أو قريبا منها. هذا إلى جانب ما نما من اتجاهات الزراعة الرأسية المكثفة، وهى المسئولة عن زيادة الضغط على الموارد، وأحوال التدهور البيئى الذى ينمى أعباء الأمراض غير المعدية (NCDs) من السرطان للسكر لارتفاع ضغط الدم وغيرها.

ومما يجعل الصورة أقرب لمأساة صحية كاملة، هذا التضخم فى نسب الاصابة بما يعرف بأمراض الفيروسات الكبدية (س وب) بنسبة وصلت إلى 22% من السكان لمن يعانون منها ومن مضاعفاتها، فى ظل وجود عناصر للخطر Risk Factors متضاعفة، ناجمة عن الممارسات الطبية التى لا تخضع لإجراءات مكافحة العدوى، مما جعل هذه المؤسسات الطبية هى المصدر الرئيسى لانتشار أمراض الكبد الفيروسية بنسبة وصلت إلى 75% من الأسباب! وصرنا نسمع عن دور الحقن غير الآمنة وأخطاء الغسيل الكلوى والمناظير غير المعقمة والقساطر والولادات والجراحات الصغرى وغيرها، يضاف هذا إلى العوامل والأسباب العامة لاستفحال المرض كالفقر والأمية والتكدس السكانى الذى يتصاعد فى الريف والعشوائيات، كل ذلك ضمن إطار من ضعف النظم الصحية إجمالا.

•••

ما العمل؟

تاريخيا ينسب علماء الصحة العامة المكاسب الكبرى فى تحسين صحة السكان إلى ايجاد تحولات ملموسة مبدئيا فى نوعية الغذاء، وتعديل نظم التخلص أفضل من النفايات والصرف الصحى. واحداث انتقالية أفضل فى حال المسكن وفق معايير المسكن الصحى، وإنماء سلوكيات صحة سليمة من خلال التعليم المستمر. كما تشير أحدث الشواهد إلى أن الرعاية الصحية الجيدة مسئولة أيضا عن نصيب ملموس من التحسن فى أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية، وتؤكد أن الارتقاء بخدمات الرعاية الصحية الأساسية فى الريف من شأنه أن يحرز خفضا معتبرا فى معدلات الوفاة، ويقلل من عبء المرض خاصة فى الريف والعشوائيات وأن هذه الارتباطات العرضية تفترض أن لإصلاح القطاع الصحى دورا حاسما يلعبه فى الصحة وفى التنمية.

•••

إن تصاعد الجدل حول السياسات العامة لا يعفى النظام القائم من السعى إلى إقرار برامج عاجلة لإصلاح المنظومة استراتيجيا ولا تتناقض معها، مثال: قانون التأمين الصحى على المرأة المعيلة خاصة فى العشوائيات والريف، وقانون التأمين الصحى على المواليد والأطفال تحت سن المدرسة، وتحسين جودة ما يقدم من النظم العمالية الصحية التأمينية بشكل عام.

تلك تحديات كبرى يجب المبادرة بإعادة ترتيب أولويات مواجهتها، وذلك قد لا يتحقق إلا بوجود قيادة وإرادة سياسية واعية للقطاع الصحى تدرك مخاطر مرحلة التحول الوبائى خاصة فى الريف المصرى إلى جانب مخاطر التحول الديموقراطى بطبيعة الحال بعد الثورة.





خبير فى إصلاح القطاع الصحى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.