الدورات الرمضانية تُزين الملاعب الترابية والنجيل الصناعي بقرى بني سويف.. تقنية الفار والفيديوهات الترويجية تقليد جديد | صور    نجمة استثنائية .. إشادة كبيرة بأداء منة شلبي في "صحاب الأرض"    مؤسسة Euromoney العالمية: البنك الأهلى يحصل على جائزة أفضل صفقة مصرفية مستدامة فى مصر لعام 2025    مصر تدين تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل وتؤكد ثوابت موقفها من القضية الفلسطينية    مائدة رمضانية ووجبات ساخنة من الهلال الأحمر المصري للأسر المعيلة بشمال سيناء    نائبة تتقدم بطلب إحاطة ضد تصريحات السفير الأمريكي بشأن إسرائيل    عاجل- السيسي يوجه باستمرار خفض التضخم وتعزيز دور القطاع الخاص لدعم النمو المستدام    يوفنتوس يستعد للتحرك من أجل ضم لاعب ريال مدريد    بونو يكشف تفاصيل فشل انتقاله لبايرن ميونخ قبل الانضمام للهلال    جنايات المنيا تحيل أوراق متهم بقتل سيدة في نزلة الفلاحين إلى المفتي تمهيدا للحكم    ضبط شخصين عرضوا بيع طائرات درون بدون ترخيص على مواقع التواصل الاجتماعي    هيئة التنمية السياحية تعيد طرح 18 فرصة باستثمارات تتجاوز 2.4 مليار دولار بالبحر الأحمر    تطورات صادمة في الحلقتين الثانية والثالثة من «إفراج»    يسرا اللوزي تحاول استعادة نفسها بعد الطلاق في مسلسل كان ياما كان    مجلس الإعلاميين العرب بأوكرانيا: تباين أوروبي يعطل الحزمة ال20 ضد روسيا    وزيرا الخارجية والتخطيط يبحثان الجهود الحكومية لتحقيق مستهدفات مصر التنموية    تفاصيل جريمة مأساوية بالمنيب... قاصر يقتل طفلة    منافس الأهلي - الترجي يستعيد صدارة الدوري بالفوز على الملعب التونسي    أمين عمر يخوض اختبارات الترشح لكأس العالم 2026    وزير الشباب والرياضة يناقش برامج إعداد أولمبياد لوس أنجلوس 2028    آدم ماجد المصري يقدم أغنية ضمن أحداث مسلسل أولاد الراعي    تعرف على ضحية ثالث أيام رمضان في "رامز ليفل الوحش"    بعد أزمة الطبيب ضياء العوضي، أستاذ يجامعة هارفارد يكشف خرافات نظام "الطيبات"    مقتل ثلاثة أشخاص في غارة أمريكية على زورق شرق المحيط الهادئ    الصحة: بدء تكليف خريجي العلاج الطبيعي دفعة 2023 من مارس 2026    في ثالث أيام رمضان.. مواقيت الصلاة في الاسكندرية    تأجيل محاكمة عصام صاصا و15 آخرين في واقعة مشاجرة الملهى الليلي بالمعادي ل14 مارس    المحافظ ورئيس جامعة الإسكندرية يبحثان توفير أماكن استراحة لمرافقي مرضى مستشفى الشاطبي    الصحة: مبادرة دواؤك لحد باب بيتك بدون أي رسوم    وزير النقل يتفقد محطة الملك الصالح بالخط الرابع للمترو    الدراما المصرية فى مواجهة حرب الإبادة والإرهاب    السعودية تحتفل بيوم التأسيس غدا.. 299 عامًا على انطلاق الدولة السعودية الأولى    السفير اليوناني بالقاهرة: الثقافة والفن جسور دائمة تربط مصر باليونان    الرئيس السيسي يوجه بمواصلة تعزيز السياسات الداعمة للاستقرار المالي والحد من التضخم    كم رمضان صامه النبي صلى الله عليه وسلم؟.. إجماع العلماء يحسم الأمر    انتهاء تنفيذ 2520 وحدة ضمن مشروع «سكن مصر» بمدينة الشروق    محاضرات « قطار الخير» لنشر رسائل رمضان الإيمانية بالبحيرة    النائب العام يوفد 90 من أعضاء النيابة لأمريكا وعدد من الدول العربية والأوروبية    «الصحة»: فحص 16 مليون مواطن ضمن مبادرة الكشف المبكر وعلاج الأورام السرطانية    «الصحة» تعزز التعاون المصري الإسباني في طب العيون بتوقيع مذكرة مع مركز باراكير العالمي    كلاسيكو السعودية - ثيو هيرنانديز جاهز لقيادة الهلال أمام الاتحاد    يوفنتوس وكومو في مواجهة مثيرة بالدوري الإيطالي    إصابة 11 شخصا في قصف أوكراني لجمهورية أودمورتيا الروسية    حبس سائق ميكروباص بتهمة التحرش بطالبة في أكتوبر    محافظ أسيوط يستقبل وفد الكنيسة الكاثوليكية للتهنئة بتوليه مهام منصبه الجديد    وزارة «العمل» تعلن توفير 5456 وظيفة جديدة في 14 محافظة    رمضان 29 ولا 30 يوم.. الحسابات الفلكية ترد وتكشف موعد عيد الفطر 2026    التزموا بالملابس الشتوية.. الأرصاد تحذر المواطنين بسبب طقس الأيام المقبلة    المرور يضبط 96 ألف مخالفة و33 سائقا مسطولا في 24 ساعة    رابط الاستعلام عن الأسماء الجدد في تكافل وكرامة 2026 بالرقم القومي وخطوات معرفة النتيجة    كلية الهندسة بجامعة المنصورة تحقق إنجازًا دوليًا بمشروع مبتكر لتحلية المياه بالطاقة المتجددة    ترامب يواجه عقبات متتالية قبل أيام من إلقائه خطاب حال الاتحاد    قرار ضد عاطل قتل عاملا في مشاجرة بالمرج    تحريات لكشف ملابسات مصرع 3 أشخاص سقطوا من أعلى كوبري الساحل بالجيزة    سمية درويش: أغنية «قلب وراح» فتحت قلوب الناس لي    تحالف مفاجئ وزواج بالإجبار.. مفاجآت في الحلقه 3 من مسلسل «الكينج»    المفتي: إخراج الزكاة نقدا أو حبوبا كلاهما صواب وصحيح    صيام "الجوارح الرقمية".. تحديات الخصوصية الروحية للمرأة المعاصرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مبارك وزمانه من المنصة إلي الميدان (الحلقة الخامسة عشرة) .. الاتصال الأخير!
نشر في الشروق الجديد يوم 16 - 02 - 2012

كان آخر اتصال مباشر بين الرئيس «مبارك» وبينى بعد ظهر 2 ديسمبر 2003، وكنت فى بيتى الريفى فى «برقاش» عندما قيل لى إن الرئيس «مبارك» على التليفون يريد أن يتحدث معى، وعلى نحو ما فإن تلك لم تكن مفاجأة لأنه سبقها ما مهَّد لها!

سبقها أن الأستاذ «إبراهيم المعلم» (رئيس مجلس إدارة دار الشروق) اتصل بى من «فرانكفورت»، حيث كان يحضر المعرض السنوى للكتاب، يقول: «إنه يظن أن اتصالا تليفونيا مهما قد يجرى معى الآن!».

وتساءلت، وكان التفصيل لديه أن وزير الثقافة الأستاذ «فاروق حسنى» اتصل به فى «فرانكفورت» يطلب منه رقم تليفون بيتى فى «برقاش»، «لأنهم يريدون» أن يتصلوا بى.

وزادت دهشتى لأن تليفونات «برقاش» معروفة فى مكاتب الرئاسة، فإذا كان هناك من يطلبها الآن، إذن فإن الاتصال يجرى من خارج القنوات الطبيعية.

●●●

والغريب أننى استبعدت أن يكون الرئيس «مبارك» نفسه هو الذى يريد التحدث إلىَّ، فقد كنت أعرف أن ضيقه بما أكتب وأقول قد بلغ مداه، ضايقته بشدة رسالة بعثت بها إلى الجمعية العامة لنقابة الصحفيين، وهى تبحث مشروع قانون جرى التفكير فيه ومطلبه تقييد حرية الصحافة، وطلبت النقابة حضورى، وآثرت أن أكتفى برسالة إلى الاجتماع موجهة إلى مجلس نقابة الصحفيين، تلاها نيابة عنى السكرتير العام للنقابة فى ذلك الوقت الأستاذ «يحيى قلاش»، وكان النص يحتوى على ما يمكن اعتباره مواجهة مباشرة:

1 إن هذا القانون استفزنى كما استفزكم، واستفز الرأى العام وحملة الأقلام وكل القوى السياسية والنقابية والثقافية فى هذا البلد.

2 إن الأسلوب الذى اتبع فى تصميم هذا القانون وإعداده وإقراره هو فى رأيى أسوأ من كل ما احتوته مواده من نصوص، ذلك أن روح القانون لا تقبل منطق الخلسة والانقضاض، وإنما تقبل منطق إطالة النظر والحوار، والقانون بالدرجة الأولى روح، وإذا نُزعت الروح من أى حياة فما هو باقٍ بعدها لا يصلح لغير التراب!

إن روح القانون فى رأيى أهم من كل نصوصه، حتى إن استقام قصد النصوص وحَسُنَت مراميها.

وأشهد آسفا أن وقائع إعداد القانون كانت أقرب إلى أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع أحكام.

3 إن هذا القانون فى ظنى يعكس أزمة سلطة شاخت فى مواقعها، وهى تشعر أن الحوادث تتجاوزها، ثم إنه لا تستطيع فى نفس الوقت أن ترى ضرورات التغيير، وهنا لا يكون الحل بمعاودة المراجعة والتقييم، ولكن بتشديد القيود وتحصين الحدود، وكأن حركة التفكير والحوار والتغيير تستحق أن توضع فى قفص.

●●●

لقد أحزننى تصريح منسوب للرئيس «حسنى مبارك» منشور فى كل الصحف أمس الخميس نُسب فيه إليه قوله بأنه «إذا التزم الصحفيون بميثاق الشرف فإن القانون الجديد ينام من نفسه»، ثم نُسب إليه أيضا قوله «إنه يرحب بالرأى شرط أن يكون صادقا».

ومع كل الاحترام لمقام رئاسة الدولة فإن القوانين لا تعرف النوم، وإنما تعرف السهر، وهى لا توضع لتنام بكرم أو بسحر المغناطيس، وإنما قيمة القوانين أن تعلو حركتها الذاتية فوق إرادات الأفراد.

●●●

وأصبح تعبير «سلطة شاخت» فى مواقعها على كل لسان، بل أصبح شعار كل المعارضين لسياسة «مبارك»، وظل كذلك حتى لحقته قضية التوريث، ثم جاءت محاضرة لى فى الجامعة الأمريكية فى القاهرة نوفمبر 2002، تحدَّثت فيها عن احتمالات التوريث، ونبَّهت إلى مخاطره، وثارت عواصف الغضب فى الرئاسة، وفى الحزب، وفى دوائر السلطة والحكم، وكان داعى الغضب فجائيا: من ناحية لأن السر تفجر فى العلن، ومن ناحية أخرى لأن تفجير السر وقع على غير انتظار، كما أن من يعنيهم الأمر كانوا مشغولين عما يجرى فى القاهرة باحتفالات افتتاح مكتبة الإسكندرية، وكانت احتفالات أسطورية ذكَّرت كثيرين بمهرجان افتتاح قناة السويس أيام الخديو «إسماعيل» وقصص الإمبراطورة الفرنسية «يوچينى» (التى كانت ضيفة ذلك المهرجان ولخيمته الكبرى بقرابتها «فرديناند دليسيبس» مهندس مشروع حفر قناة السويس).

احتفالات افتتاح مكتبة الإسكندرية


وكانت محاضرة الجامعة الأمريكية قد أذيعت على قناة «دريم» ثلاث مرات فى يومين، ثم تنبَّه المحتفلون إلى آثارها، فإذا عاصفة الغضب تطيح بكل من كان له دخل فى إذاعتها وتكرار إذاعتها وتركز الغضب على كل رجل وسيدة كان لهما دور فى تكرار إذاعة المحاضرة، وهما المهندس «أسامة الشيخ» (مدير قناة «دريم» وقتها)، والدكتورة «هالة سرحان» (منسقة برامجها).

ونجا صاحب القناة الدكتور «أحمد بهجت» بشبه معجزة، وقال لى بنفسه بعدها: «إن إذاعة هذه المحاضرة كانت على وشك أن تكلفه 2 مليار جنيه، لولا أن قدَّر الله ولطف، واستطاع شرح موقفه لمن يعنيهم الأمر».

إلى جانب ذلك، فإن الصحافة الرسمية كرَّست صفحاتها لحملات ضارية لكلام من نوع تأقلمت على متابعته من باب الرصد السياسى، وبمنطق أن كل قول يدل على قائله بأكثر مما يشير إلى سامعه!

وفى مثل هذا المناخ فقد استبعدت احتمال أن يتصل بى الرئيس «مبارك»، لأن حديث التوريث سوف يفرض نفسه على أى اتصال!

ولكن الرجل بالفعل خيَّب ظنى»!

فهو لم يتحدث عن التوريث بكلمة، وإنما انصب كل ما قال على موضوع آخر لم أتوقعه!

●●●

جاءنى صوت الرئيس «مبارك»، وبدون مقدمات قائلا:

«يا راجل ماذا تفعل بصحتك؟!».

كنت قد وضعت ورقا وقلما على المكتب، أحاول أن يكون لدى سجل حرفى وضرورى لمكالمة تصورتها سياسية، وتوقف القلم فى يدى، أكرر سؤال الرئيس ولكن موجها إليه:

سيادة الرئيس ماذا فعلت بصحتى؟!

قال:

«أنت لا تعطى نفسك فرصة العلاج الضرورى ماذا تفعل عندك؟ لابد أن تسافر فورا إلى أمريكا وتستكمل علاجك هناك، لأن صحتك ليست مهمة لك فقط، ولكن للبلد، فأنت أديت خدمات كبرى للشعب، ودورك فى الحياة العامة يشهد لك».

ودُهشت حقيقة فقد كنت أعرف ما فيه الكفاية عن رأى «مبارك» فى مواقفى، وفيما أكتب أو أقول تعبيرا عنها، ولم يكن فى استطاعتى وبظاهر الأمر أمامى دون حاجة إلى استعادة مخزون الذاكرة أو استقراء النوايا غير شكر الرئيس على بادرته، وكان ردى: «إننى متأثر باهتمامه، شاكر لفضل سؤاله»، ثم شرحت:

«إن أحوالى الصحية والحمدلله الآن طيبة، وهو يعرف أننى أجريت عملية جراحية منذ أربع سنوات، وذكَّرته بأنه وقتها تفضَّل وسأل عنى ثلاث مرات فى مستشفى «كليفلاند» فى الولايات المتحدة، وبعد العملية فإننى عُدت إلى «كليفلاند» عدة مرات، وقصدت إلى «أوماها» مرة للفحص والمتابعة، والآن فإن ابنى الأكبر وهو أستاذ فى كلية الطب يتابع أحوالى، وهو على اتصال منتظم بأطبائى فى أمريكا، وصحتى والفضل لصاحب الفضل مستقرة، لم يطرأ عليها داعٍ للقلق من جديد!

وقاطعنى الرئيس بحزم قائلا: لا، لا، هذا المرض لا يُعالج مرة واحدة، واسمع منى، واستطرد يشرح وجهة نظره:

«مرة أخرى صحتى مسألة مهمة، ولابد أن أعود إلى أمريكا وأكرر العودة»، ثم إن هناك موضوعا يريد أن يتحدث فيه معى بصراحة، «رغم أنه يعرف الكثير عما وصفه ب«الكبرياء»، لكنه برغم ذلك مضطر أن ينبهنى إلى «أن تكاليف العلاج فى أمريكا «نار» مهما كانت مقدرة صاحبه»، ثم يصل الرئيس إلى موقع الذروة فى كلامه فيقول:

«هذه المرة تكاليف علاجك ليست على حساب الدولة، وليست على حساب الأهرام، وإنما من عندى شخصيا، وبينى وبينك مباشرة دون غيرنا».

واعترضت: «سيادة الرئيس أرجوك، الدولة لم تتحمل عنى نفقات علاجى فى أى وقت»، والأهرام «كذلك لم يتحمل مليما من نفقات علاجى حتى عندما كنت لسبع عشرة سنة رئيسا لمجلس إدارته ورئيسا لتحريره فقد تحمَّلت باستمرار تكاليفى بنفسى، واعتبرت ذلك حقى وحق الآخرين، خصوصا إذا كنت أقدر عليه».

ورد الرئيس «أنه يعرف أن الدولة لم تتكلف بعلاجى»، ولا الأهرام، «لكن ضرورات صحتى تقتضى الآن شيئا آخر، حتى لا يعود المرض»، وكرر «أن المسائل المالية» سوف تكون معه شخصيا، ولك أن تطلب بلا حدود وبدون تحفظ، وأنا أعرف الكثير عن «عنادك»، ولكن «.. وتوقف قليلا ثم استطرد»:

«محمد بيه.. المرض مالوش كبير!!» ثم يستكمل العبارة: «السرطان ليس لعبة» وعلاجه مكلف، وفى أمريكا بالذات تكاليفه «ولعة».

و«نحن» جربنا هذه التكاليف فى حالة «سوزى» (يقصد السيدة قرينته)، وكانت هذه الإشارة إلى أقرب الناس إليه دليل حميمية آسرة.

والحقيقة أن إحساسا متناقضا بدأ يتسرب إلى فكرى:

من ناحية فإن الرجل فى كلامه يعبر عن اهتمام واضح بأمرى، وهذا يستحق اعترافا بفضله.

ومن ناحية أخرى فإن هذا العرض المالى بلا حدود وبدون تحفظ يتبدى لى غير مريح لا فى موضوعه، ولا فى شكله، ولا فى أى اعتبار له قيمة ومعنى، مهما كان حُسن النية لدى قائله!

ورددت: بلهجة قصدتها واضحة لا تحتمل أى التباس:

«سيادة الرئيس أريد أن أضع أمامك موقفى»:

العملية الجراحية التى أجريتها قبل سنوات نجحت والحمدلله، وطوال هذه السنوات فإننى تحت رعاية طبية أثق فيها، سواء فى مصر أو فى أمريكا، ومنذ عدة شهور فقط استجد عارض عُدت فيه إلى الولايات المتحدة، وظهر والحمدلله أنه أهون مما قدَّرنا.

ولو جد، لا سمح الله، جديد، فسوف أذهب إلى حيث ينصح أطبائى، وفق ما يرون من أحوالى.
وإذا حدث ذلك فإننى والحمدلله قادر على تحمل نفقات علاجى، فالحقيقة أن ما كتبت ونشرت من كتبى بمعظم لغات العالم وفر لى ما أحتاج إليه وأكثر».

وأضفت:

«أننى شاكر لكم كل ما أبديتم من اهتمام وكرم، ولكنى أعتقد أن هناك من يحتاج إلى ذلك أكثر منى، وفى كل الأحوال فإن عرضكم يأسرنى بفضله، وأعد أنه إذا حدث ولم تستطع مواردى أن تواجه ضروراتى، فإننى سوف أعود إليكم، معتبرا ما عرضتم علىَّ نوعا من «الاحتياطى الاستراتيجى»، ألجأ له إذا احتجت، أما الآن فليس هناك ما يدعونى إلى استخدامه!

ورد الرئيس: «أنت لاتزال تعاند، وقلت لك إن المرض «مالوش كبير»، وإن تكاليفه فى أمريكا لا تُحتمل، ثم تقول لى «احتياطى استراتيجى» يعنى إيه «احتياطى استراتيجى!».

وقلت للرئيس والحديث كله يصبح محرجا: «سيادة الرئيس، هل أنا الذى أشرح لك معنى «احتياطى استراتيجى» أنت بخلفيتك العسكرية تعرف ذلك أكثر منى أو غيرى معنى احتياطى استراتيجى، وما أقصده هو أن عرضكم رصيد موجود ماثل فى خلفية تفكيرى، ووجوده فى حد ذاته يطمئننى حتى بدون استعماله، وقد أستدعيه لضرورة قصوى، لكن هذه الضرورة القصوى ليست حاضرة فى هذا الوقت!».

وقال الرئيس:

«هذا كلام يمكن أن تكتبوه فى الجرائد، لكنه «لا يودى ولا يجيب».

وانتهت مكالمتنا بطريقة حاولت كل جهدى أن تكون ودية، دون أن يضايقه اعتذارى قاطعا عن عرضه.

●●●

ولساعات ظل حديثه يلح على تفكيرى، وبالحق فقد كنت حائرا فى تأويل مقاصده:

فهو لم يذكر بكلمة ما قلته فى محاضرة معارضة «التوريث»، ولم يشر إليها بكلمة واحدة خلال مكالمة زادت على عشرين دقيقة.

ثم إنه أبدى حرصا لا يصح لى أن أقابله بشك فى نواياه، لكنى بأمانة تصورت أن المسألة يجب وضعها فى إطارها الصحيح، بمعنى أنه من باب التجنِّى أن أشك فى النوايا، فإنه من باب السذاجة ألا يرد الشك على بالى، وأن يكون لهذا الشك متنفسا!

وعلى نحو ما فقد تصورت أن أسجل الواقعة فى خطاب شكر مكتوب، أبعث به إليه من باب الوفاء، وفى نفس الوقت لكى يكون هناك مرجع لا يترك مجالا لسوء فهم.

وجلست فكتبت له خطابا مختصرا، سجلت فيه مجمل ما دار بيننا، وكان نصه بالحرف:

القاهرة فى 3/12/2003

سيادة الرئيس..

لا أعرف كيف أعبر لكم عن عرفانى بالفضل، وتقديرى لحديثكم التليفونى المستفيض مساء الأمس (الثلاثاء 2 ديسمبر) سؤالا عن صحتى واهتماما بأمرى. واعتقادى أن نصيحتكم بشأن ضرورة ذهابى لفحص شامل فى الولايات المتحدة الأمريكية نصيحة سديدة النظر، وحقيقية بحكم تقدم العلوم والتكنولوجيا. وبالفعل فإننى كنت فى الولايات المتحدة الأمريكية فى شهر مايو الأخير على موعد مع الدكتور «أرميتاج» عميد كلية الطب فى جامعة نبراسكا (أوماها)، الذى قيل لى إنه من أبرز الاختصاصيين فى العارض الصحى الذى تعرضت له أوائل الصيف، وسبَّب ضغطا على القصبة الهوائية كانت له مضاعفات حتى على صوتى. وقد وضع الدكتور «أرميتاج» خطة علاج جرى تنفيذها فى مصر، ويبدو لى أن نتائجها ناجحة بدرجة كبيرة حتى الآن، وأنوى بمشيئة الله أن أعود إلى الولايات المتحدة لمراجعة أخرى.

إننى لا أستطيع أن أشرح لكم كيف تأثرت بعرضكم الكريم فى شأن تكاليف العلاج، وكانت عفويتكم آسرة حين أشرتم إلى أنكم وليس مؤسسة أو دولة سوف تتحملون بها، تقديرا كما تفضلتم «لرجل له قيمته»، وداعين إلى أن أطلب بغير حساسية وبغير تحفظ وذلك كرم عظيم. وكان بين دواعى تأثرى أنكم تعرفون سيادة الرئيس مما أكتب وأقول إننى على خلاف مع بعض توجهات السياسة المصرية، وأن تتجلى مشاعركم على هذا النحو الذى تجلت به فإن ذلك دليلا على حِس صادق، يقدر على التفرقة بين العام والخاص، وبين السياسى والإنسانى.

وقد أعجبنى قولكم إن «المرض مالوش كبير» لأن تكاليف العلاج فى أمريكا مهولة، وبالفعل فإننى جربت ذلك مرتين من قبل، لكن الصحة تبقى أغلى ما يحرص عليه الإنسان.

إننى سوف أحتفظ بعرضكم الكريم معى، وسوف أعود إليكم فى شأنه عند الحاجة، معتبرا أنه احتياطى استراتيجى (كما يُقال) يريح وجوده ويطمئن، وذلك فى حد ذاته فضل لا يُنسى، ونبل قصد يستحق كل عرفان ووفاء.

سلمتم سيادة الرئيس مع أخلص الشكر وأعمقه، وتقبلوا موفور الاحترام.

محمد حسنين هيكل

صورة لخطاب هيكل للرئيس مبارك

●●●

وفى الحقيقة فإن هذا النص كان من أصعب ما كتبت على كثرة ما كتبت! فلم يكن فى مقدورى إنكار الظاهر من فضل الرجل، ولا كان فى مقدورى ألا أسجل اعتذارى عن عرضه بطريقة لا تحتمل اللبس، ومن باب الاحتياط فقد اختبرت تأثير الخطاب على غيرى بأن أطلعت عليه على عكس العادة عددا من رؤساء التحرير المتصلين به وقتها، وبينهم الأستاذ «إبراهيم نافع» (رئيس مجلس إدارة «الأهرام»)، والأستاذ «إبراهيم سعدة» (رئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم»).

ولم يصلنى من «مبارك» رد ولا اتصال، وإنما كان الذى أبلغنى نوعا من رد الفعل هو الدكتور «أسامة الباز» الذى جاء لمقابلتى يقول لى:


أسامة الباز

«إنه قرأ الخطاب، وأن النص مكتوب بعناية، لكنه («أسامة») فهم بوضوح أننى أردت تسجيل الواقعة».
وقلت ل«أسامة»: «مرة أخرى أن ما فهمه صحيح!».

والغريب أن أحد الصحفيين من أعضاء لجنة السياسات تفضل مرة وكتب يسألنى ماذا أريد من هذه المعارضة المستمرة لسياسة الرئيس، وهو الذى كان كريما «معك»، وعرض أن يتكفل بعلاجك، وكنت أنت الذى اعتذرت، ورددت على غير العادة على الملأ وفى قناة الجزيرة فى سياق حديث مع مذيعها اللامع الأستاذ «محمد كريشان» «إذا كانوا يعايروننى وقد اعتذرت عن العرض، فكيف إذا كنت قبلته؟!».

●●●

وتوقفت بعدها اتصالاته بى، ولكن حوارى مع سياساته لم يتوقف، حتى وصلنا إلى سنة 2010، وكان رأيى أن نظام «مبارك» قد انتهى تاريخيا، حتى وإن بقى على قمة السلطة فى مصر سياسيا، وأن هناك انتقالا ضروريا للسلطة لابد من الترتيب له، وعرضت تصورا متكاملا يقوم فيه ما سميته «مجلس أمناء للدولة والدستور» بإدارة مرحلة الانتقال، وفى حضور القوات المسلحة ممثلة فى المشير «محمد حسين طنطاوى»، ورشحت لعضويته أسماء رجال طرحها الناس فى أحاديثهم بعفوية مرشحين صالحين للرئاسة، ومن المفارقات أن معظم من رشحتهم الآن على رأس القائمة فى سباق رئاسة الجهمورية بعد 25 يناير 2011.

واحتدمت معركة كبرى:

ذلك أنه عندما طرحت اقتراح انتقال للسلطة يديره مجلس أمناء للدولة والدستور، وأن تكون القوات المسلحة حاضرة فى مشهده، وكان سؤال الصحف الموالية ل«مبارك»، وربما أطراف أخرى مهتمة بالشأن المصرى العام، وموضع اعتراضهم على صحة المنطق الذى استندت إليه من أساسه: وهو كيف أطالب بعملية نقل بالتوافق للسلطة بعد «مبارك» أثناء وجوده هو شخصيا على رأس السلطة، وما الذى يدفع الرجل إلى مثل هذا التوافق، وهو الذى يريد تأبيد حكمه مادام فى «قلبه نبض يخفق ونَفَس يتردد» (على حد ما قال بنفسه فى خطاب شهير وأخير له)، ثم إن الرجل يفكر فى توريث سلطته، وعناده كله فى نقطة واحدة هو كيف يحدث التوريث أثناء حياته أو بعد عمر مديد عندما يحين الأجل؟!

وكان ردى على كل من سألنى فى الموضوع:

أن كل استجابة سياسية تتوقف على حجم الضغوط الماثلة والمستمرة، ولم يكن فى مقدورى لحظتها أن أضيف: حتى إذا وصلنا إلى النزول فى الشوارع!!

كما أن المخاطر فى كل الأحوال لا يواجهها غير حالة تنبه ويقظة!


مظاهرات ثورة يناير 2011

●●●

وكان السؤال التالى والأشد إلحاحا هو سؤال الانتقال من «مبارك» إلى ابنه، وكان الظاهر والباطن كلاهما يؤمن أنها عملية شديدة الصعوبة، ومحفوفة بالمخاطر، ذلك أن هناك استثمارات مهولة إقليمية ودولية ومصرية كذلك، وكلها تريد استبقاء النظام وإن بغير الرجل! وكان الخطر كل الخطر من عوامل الإقليم، وعوامل الخارج، خصوصا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.

وحين جاء يناير سنة 2011 فقد حدث أن تذكرت ما بدأت به من استعادة لمقولة «أندريه موروا»: «أن غير المتوقع يحدث دائما، وأبعد الظنون أقربها إلى التحقيق»!

ذلك أن الذين وضعوا استثماراتهم المهولة على «مبارك» كانوا أسرع الجميع إلى التخلى عنه بعد أن تجلى إصرار كتل الجماهير وطلائع الشباب معا على أن الشعب يريد «إسقاط الرئيس». وكانت الولايات المتحدة الأمريكية بين أول من سحبوا استثماراتهم على «مبارك»، فقد كان تصميمهم على أن مصر لا يجب أن تضيع من أيديهم مرة أخرى، هو رهانهم الحقيقى.

وهنا فقد كانت تلك هى الصدمة الكبرى ل«مبارك»، بمعنى أنه حتى وهو يرى بحر المظاهرات، ودرجة الرفض القاطع لابنه، ظل حتى آخر لحظة مقتنعا بأن كله مدبر، وأنها قلة مندسة ولكنها منظمة وموجَّهة، ورفضها له ليس لشخصه وإنما مقصده الحقيقى إسقاط الدولة، وهو مازال قادرا على الصمود، لكن ما فاجأه ولم يكن فى حسابه هو سحب الرهان الأمريكى عليه، وربما تكشف دخائل فكره محادثة تليفونية جرت بينه وبين صديقه «بنيامين أليعازار» حدثت ظهر يوم 15 فبراير 2011، وبعد تخليه عن رئاسة الجمهورية، واختياره الإقامة فى «شرم الشيخ»، وفى هذا الحديث التليفونى وقد نشرت خبره وتفاصيله صحف إسرائيلية عديدة، كما أن «بنيامين أليعازار» نفسه تحدث عنه مطولا، وراويا أن «مبارك» ظل لنصف الساعة يشكو له كصديق من تخلى الولايات المتحدة الأمريكية عنه، ونكرانها لكل ما قام به، والغريب أنه فى انفعاله يعتبر نفسه من ضحايا الجحود الأمريكى، مثله فى ذلك مثل «شاه إيران» الشاه كان ضحية ل«كارتر»، وهو ضحية ل«أوباما»!

ثم يضيف «مبارك» طبقا ل«أليعازار»: أنهم بعض من فى الولايات المتحدة سوف يندمون يوما على تنكرهم له، ومن المحزن أن «مبارك» لم يخطر له أن يندم هو نفسه، ومن المحزن أكثر أن الرجل الذى رآه العالم يدخل ممددا على سرير طبى فى زنزانة محكمة جنايات مصرية بدا غافلا دون إحساس بالكبرياء، لا كبرياء الإنسان، ولا كبرياء التاريخ!

●●●

وفوق ذلك فقد ترك مصر وسط حقل ألغام!


في الحلقة القادمة:

(مبارك) هل كان في أعماقه شعور غامض ينفر من حديث (التوريث) ؟ .. المؤسسة العسكرية بالفعل عارضت التوريث وقد أرادت أن تجعل معارضتها معروفة لدي الرئيس !!


الحلقات المنشورة:


الحلقة السادسة عشرة والأخيرة .. عقدة التوريث


الحلقة الخامسة عشرة .. الاتصال الأخير !


الحلقة الرابعة عشرة .. ماذا نعرف عنه ؟!!


الحلقة الثالثة عشرة .. مسألة (أشرف مروان)!!


الحلقة الثانية عشرة .. حسين سالم !!


الحلقة الحادية عشرة .. الأمن والتأمين .. والثروة والسلطة!


الحلقة العاشرة .. دور أو وظيفة


الحلقة التاسعة .. منحنى على النهر!


الحلقة الثامنة .. هواجس قديمة وجديدة!!!


الحلقة السابعة .. لا مؤاخذة !!


الحلقة السادسة .. فى باريس حكايات أخرى!


الحلقة الخامسة .. وللحديث بقية !


الحلقة الرابعة .. لقاء الست ساعات!


الحلقة الثالثة .. سؤال واحد وأجوبة كثيرة


الحلقة الثانية .. كيف تم اختيار (حسني مبارك) نائباً للرئيس .. ولماذا؟


الحلقة الأولى.. مبارك وزمانه .. من المنصة إلى الميدان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.