بعد أن تتوقف المذبحة فى ميدان التحرير، ينبغى أن تكون المهمة العاجلة هى تطهير وزارة الداخلية وليس هدمها. قد لا يعجب هذا الكلام كثيرين فى ميدان التحرير وفى وزارة الداخلية معا، لكن الضمير والأمانة والموضوعية تحتم قول هذا الكلام الآن.
فى ميدان التحرير لا يرون فى الوزارة إلا أنها مبنى يضم حفنة من الشياطين ينبغى حرقهم.. وفى الوزارة ينظرون إلى شباب الميدان باعتبارهم حفنة من الخونة والعملاء والمأجورين وفى أفضل الأحوال مجموعة من المغرر بهم.
رغم الغبار الكثيف والمشاعر المتأججة ينبغى ألا نخلط بين الفرعى والرئيسى وبين التكتيكى والاستراتيجى.
نعم نريد تغيير كل السياسات القديمة والخاطئة فى وزارة الداخلية، لكن ينبغى ألا نهدم الوزارة نفسها وإلا كررنا الكارثة التى وقعت فى العراق بعد الغزو الأمريكى الغاشم.
الأمر من وجهة نظر المهمومين بمستقبل أفضل لهذا الوطن هو أن النظام السابق أصاب وزارة الداخلية بمرض يشبه السرطان.. علاج السرطان صعب كما نعرف جميعا، لكنه ليس مستحيلا، وهناك حالات كثيرة اتبعت علاجا فعالا وتخلصت من المرض. وبالتالى فالمطلوب أن نعالج هذا المرض وعلينا ألا نتركه يموت لأنه ربما يكون مصابا بمرض معدٍ فيصيب كل المجتمع معه.
وزارة الداخلية ليست هى العدو، كل أفرادها إما قريبى وإما قريبك، مشكلتها فى الهيكلة والعقيدة التى تعمل بها، إذا صلح رأسها صلح باقى الجسد. وإذا تمكنا من تطهير وإبعاد العناصر المنحرفة عنها نكون قد أنهينا معظم المشكلة.
لا أعرف كيف يفكر الذين يحاولون اقتحام أقسام الشرطة أو مديريات الأمن فى المحافظات، وماذا يريدون؟!
هل نتصور ماذا سيحدث عندما يستولى المتظاهرون على المديريات والأقسام.. هل نريد أن نكرر ما حاول البعض أن يفعله فى سيناء عندما رأينا مسيرات بالرايات السوداء تحاول اقتحام الأقسام أو هدمها.. هل فكرنا فى اللحظة التالية لانهيار شامل وجديد للشرطة؟.
نريد قرارا سياسيا سياديا مدعوما بضغوط شعبية لا تلين بتطهير الداخلية وإبعاد كل العناصر الفاسدة والمنحرفة عنها والتى ترى فى ثورة 25 يناير «عدوها الأول والأخير».
نريد نسف كل القديم من سياسات وأفكار، لكن لا نريد هدم وتدمير المبانى والمعانى. اللجان الشعبية لن تكون بديلا عن وزارة الداخلية، هى تجربة طيبة وعظيمة ومحترمة كان لها ظرف خاص أثناء الثورة، وانتهى هذا الأمر، كما لا يمكننا أن نعهد لهذه اللجان بتأمين الانتخابات، لأنه ببساطة قد يندس البعض وسطهم ويفسد «كل الليلة».
القوات المسلحة نفسها غير مؤهلة أو مدربة على أن تحل محل الشرطة.
الحل هو تغيير جذرى لجهاز الشرطة، وهناك مئات الأفكار والخطط الموجودة لإصلاح الجهاز، منها تأهيل خريجى حقوق ليعملوا ضباطا إذا أصر كبار الضباط على مواصلة التمرد.
علينا ألا نتوقف عن انتقاد كل السياسات والأفكار الخاطئة فى الشرطة، لكن حذار من محاولات هدمها.
هدم الشرطة سيحول المجتمع إلى فوضى عارمة، أما تطهير الشرطة فهو العلاج الرئيسى كى نبدأ بناء مصر الجديدة.