يكتب الصحفى ثم يكتب حتى يعتمد عند قارئه كاتبا، وعندما ينال تلك الصفة لا يستطيع أحد أن ينزعها منه، لا بقرار جمهورى أو فرمان إدارى، وكان المرحوم أنور السادات يندهش بغضب حين يجد الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل يمارس عمله الصحفى فى صحف دولية ويعيش حياة «الجورنالجى» كاملة حتى بعد خروجه من الأهرام، وعندما أجرى حواره الشهير مع الخومينى، قال السادات جملته الأشهر مستغربا: «هو أنا مش رفته»؟!. ومثل السادات كثيرون ظنوا أن الصحافة وظيفة وأن الكاتب مثله مثل مدير فى مصلحة حكومية يمكن فى يوم من الأيام أن يصير «كاتبا سابقا»، بما يجعل أيسر قرار يمكن أن يتخذه صاحب سلطة أو نفوذ سياسى أو إدارى أو مالى لإسكات قلم أن «يرفت» صاحبه على طريقة السادات، أو يغلق صحيفة أو يشتريها أو يشترى بعضا ممن فيها، على طريقة الاقطاعيين الجدد. وعندما خرج الراحل الكبير محمود عوض من «أخبار اليوم» فى وقت أريد له فيه أن يصبح «كاتبا سابقا»، وظن هو نفسه لوقت طويل أنه «مدفوع نحو التقاعد»، واستغرقته المعركة لوهلة وظن أن العودة إلى «أخبار اليوم» هى معركته الأولى التى كاد ينسى من أجلها «الكاتب والصحفى» بداخله، الذى يبنى المؤسسات ويصنعها، ويمكن كما فعل شخصيا بعد ذلك بإصرار نادر، أن يتحول لمؤسسة فردية لا تقل توهجا. أدرك محمود عوض قبل أن تستغرقه دوامة «المكايدات»، أن القضية ليست «أخبار اليوم» بقدر ما هى كلمته التى من المفترض أن تستمر وتتواصل، وقلمه الذى يجب ألا يغيب طالما أنه قادر على أن يقول جديدا، فتدثر بموهبته واستقلاله وصدقه وولائه لقارئه، وانطلق إلى آفاق أرحب. يمكن إذن أن يصبح الرئيس سابقا، والوزير سابقا، ورئيس الحزب سابقا، ورئيس مجلس الإدارة سابقا، ورئيس التحرير أيضا، لكن الكاتب لا يكون سابقا، ولا توجد فى حياته محطة كتلك حتى لو توقف لوقت «طال أو قصر» عن الإطلال على قارئه، يمكنك القول إن فى حياته «نقطة.. ومن أول السطر»، يغلق صفحة ويسطر بقلمه صفحة جديدة، تضيق به نافذة فيفتح نافذة جديدة، ويبقى ما أراد له الله يضع نقاطا وسطورا حتى يصبح كاتبا راحلا وليس سابقا. يعيش الكاتب القابض على استقلاله فى بلادنا مثل وصف منير للنهر: «ولا بيوصل، ولا بيتوه، ولا بيرجع، ولا بيغيب.. تفوت أيام، تموت أحلام، تعدى شهور، تدور الأرض والدنيا وهو يدور.. ولسه بيجرى ويعافر.. ولسه عيونه بتسافر.. ولسه قلبه لم يتعب من المشاوير». أقول قولى هذا على سبيل استئذان صحيفة «الشروق» والزملاء العاملين فيها أن أكون بينهم، وأن أطل عبرهم من جديد على قارئ يقرؤنى وهو يعرف أننى «لا أحتكر يقينا»، لكننى اجتهد.. هذا القارئ هو من أجدد له العهد والولاء.. ولنفسى أقول: «اللى قدرت عليه يكفى ويحلالى»..!