هل كان استفتاء 19 مارس على التعديلات الدستورية أم على الثقة فى المجلس العسكرى لإدارة المرحلة الانتقالية؟ على لسان أكثر من مسئول داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة قيل إن الاستفتاء كان على ثقة الشعب فى المجلس وقد منحه إياها بنسبة تجاوزت 77 فى المائة.. وأزعم أن هذا غير صحيح لأنه لو كان الاستفتاء على حجم ثقة الناس فى المجلس العسكرى والقوات المسلحة فى ذلك الوقت (19 مارس) لكانت النسبة أكثر من 95 فى المائة، ذلك أنه فى تلك الفترة كانت العلاقة بين الشعب وجيشه فى قمة صفائها وتألقها، حيث أودع المصريون ثورتهم وأحلامهم بالتغيير والإصلاح فى بنك العسكرية المصرية التى قررت أن تأخذ جانب الثورة وتحميها. وعلى الجانب الآخر هناك من يرى أن الاستفتاء كان على الاستقرار واستعادة الأمن والشروع فى البناء، فيما شرعت أطراف فى «تديين» الأمر، بحيث أشاعت أن الاستفتاء كان على المادة الثانية الخاصة بالشريعة الإسلامية. وفى نهاية المطاف بدا وكأن الاستفتاء تحول إلى الفيل فى قصة العميان الشهيرة، كل يدركه ويراه من منظوره هو الضيق والخاص جدا، مع الأخذ فى الاعتبار أن الاستفتاء كان على تعديل 8 مواد من الدستور القديم الذى أسقطته الثورة، ثم تطورت المسألة إلى فرض إعلان دستورى من أكثر من 60 مادة على الجميع بشكل مفاجئ ومباغت ومتجاوز لما دعا المصريون للاستفتاء عليه. وعلى الرغم من كل هذه الملابسات اتخذ عديدون ممن صوتوا ضد التعديلات موقفا أعلنوا فيه احترامهم لما أسفرت عنه نتيجة الاستفتاء، إرساء لمبدأ احترام إرادة الجماهير، حتى وإن كانت هناك خديعة ما فى الكيفية التى تم بها الاستفتاء. والذى حدث بعد ذلك أن نتيجة الاستفتاء ذاتها جرى اختراقها وانتهاكها، بحيث يمكن القول إن الجميع شاركوا بقدر أو بآخر فى الالتفاف على الاستفتاء، فالذين يتمسكون به فقط لأنه يقود إلى انتخابات برلمانية يريدونها عاجلة، غضوا الطرف عن إقحام 62 مادة أخرى على المواد الثمانى التى تم الاستفتاء على تعديلاتها، ومن ثم فلم يعد هناك شىء مقدس، وبالتالى لا معنى لاستحدام فزاعة خيانة الشرعية والخروج عليها والالتفاف على إرادة الشعب كلما حاول البعض التمسك بما كانت تقتضيه الثورة وصيرورتها من أنه يجب أن يوضع دستور للأمة أولا على ضوئه وبمقتضاه تجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية. وها نحن بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر على الاستفتاء نغط فى انقسام مخيف بين القوى السياسية بما يفرض على الجميع التحلى بإحساس المسئولية الوطنية والنظر بجدية فيما تتطلبه مصلحة مصر، وليس مصلحة هذه الجماعة أو ذلك التيار. إن المشهد الآن يشير إلى أن خطرا جسيما يحدق بالثورة المصرية، إذ عادت قردة النظام السابق تلهو بسلاسلها فى كل مكان، بينما الهوة تتسع بين كل العناصر التى تفاعلت وأنتجت ثورة لا يزال العالم يقف مشدوها أمام روعتها.. فلنعد إلى روح الثورة، ونتدثر بعلم مصر مرة أخرى.