رحمة الله على الزعيم الخالد جمال عبدالناصر. لى أصدقاء يعشقون الرئيس عبدالناصر وينتقدون من حكم مصر بعده. وأنا أتفهم مواقفهم حين يكون الانتقاد منصبا على الاعتراف بإسرائيل كثمن لاستعادة سيناء والتخلى عن القومية العربية والاشتراكية مثلا. ولكن أتعجب كثيرا حين ينتقدون الرئيس مبارك لأنهم يرون أنه لا توجد حرية صحافة فى عهده، طيب، لماذا لا يوجهون نفس الانتقاد وربما ما هو أشد منه للرجل الذى يعشقونه؟ وأتعجب حين ينتقدون الرئيس مبارك لأن الكثير من الانتخابات فى عهده مزورة، طيب ماذا عن عهد الرئيس عبدالناصر، حيث لم يوجد سوى تنظيم سياسى واحد؟ وأتعجب حين ينتقدون عهد الرئيس مبارك لأن فيه الكثير مما يتعارض مع استقلال القضاء، وماذا عن مذبحة القضاة فى عهد الرئيس عبدالناصر؟ نعم أتفهم أن الرئيس عبدالناصر كان سيفوز فى أى انتخابات حرة نزيهة تحدث فى عهده، لا سيما بعد تأميم قناة السويس. ولكن القضية ليست فى فوزه كشخص؛ فلا شك أن شرعية الثورة كما شرعية الإنجاز كانتا تقفان بجوار الرجل. ولكن شرعية الانتخابات التنافسية والحرة والنزيهة لم تقف بجواره. وهو ما حرص عليه آخرون فى دول أخرى كانوا أكثر اهتماما ببناء قواعد مؤسسية قابلة للحياة بعدهم. فما فعله السادات هو أنه استخدم شرعيته الثورية التى ورثها عن عبدالناصر ثم طور بعهدها شرعية تحرير الأرض بعد أكتوبر 1973، ثم استخدم قراراته الفردية ليضع مصر فى اتجاه مضاد تماما لسياسات عبدالناصر مستخدما نفس قضبان القطار التى رسخ لها عبدالناصر. الحقيقة أننى لا أعرف كيف ننتقد الاستبداد ولا ننتقد من وقف وراءه؟ التفسير المنطقى عندى هو أننا مُغرمون بعالم الأشخاص والأشياء أكثر من اهتمامنا بعالم الأفكار والأحداث. نحن نعيش فى الدولة التى خلفها عبدالناصر ومعه الضباط الأحرار الذين فعلوا الكثير للوطن لكنهم لم يتركوا لنا قواعد مؤسسية منضبطة تقوم بترجمة تفضيلات المواطنين من خلال انتخابات حرة نزيهة، ولهذا الخطأ، فكل ما أنجزوه يتهاوى أمامنا، كمن زرع زرعا ونسى أن يحميه من الآفات. ولا عجب فالهنود يعيشون فى الدولة التى وضع قواعدها الآباء المؤسسون للهند المعاصرة من رفقاء غاندى ونهرو، ويعيش الأمريكان فى الدولة التى وضع قواعدها واشنطون وجيفرسون وماديسون، وستعيش جنوب أفريقيا فى الدولة التى صنعها مانديلا ورفاقه. وأظن لو أن هذا الزعيم عبد الناصر بعث حيا، لوقف بشجاعته المعهودة معلنا مسئوليته عن الكثير مما نعانيه من مشاكل اليوم.