تعثر الاتفاق بين الولاياتالمتحدةوإيران الذى لاح فى الأفق اليومين الماضيين، وبدا الوضع خلال الساعات القادمة كئيبًا، مع انتهاء المهلة التى حددها الرئيس دونالد ترامب لإيران لفتح مضيق هرمز، وتهديده لها بدمار غير مسبوق. مشروع الاتفاق الذى تناولته وكالات الأنباء يمكن اختصاره فى العبارة التالية: انتصرت الولاياتالمتحدة، وحليفتها إسرائيل عسكريًا، ولم تكسب الحرب ذاتها، فقد تقلصت قدرات إيران العسكرية، وهدمت منشآتها، وقتل جُل قادتها، لكنها لم تخسر الحرب بعد. فقد استطاعت واشنطن وتل أبيب تدمير جانب أساسي من القدرات العسكرية الإيرانية، طال معظم البنية العسكرية والتحتية، من بينها القوات البحرية، ومنصات إطلاق الصواريخ، والمنشآت النووية، فضلا عن استهداف قيادات عسكرية ودينية إيرانية رفيعة، بات معها النظام الإيرانى مكشوفًا، ورغم ذلك، تمكنت إيران من الرد بترسانة من الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيرة، أوقعت خسائر بقواعد أمريكية، ومنشآت نفطية ومدنية فى دول الخليج، وأضرت باقتصادات دول شريكة للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط خلاف دول الخليج، مثل مصر والأردن ولبنان وكذلك باكستان، وشكلت تحديًا اقتصاديًا لأوروبا- التى يُفترض أنها حليف تقليدى للولايات المتحدة، وعلى العكس لم يتأثر بالأزمة بدرجة كبيرة، خصوم الولاياتالمتحدة، مثل الصين وروسيا. ورغم امتداد الحرب لأسابيع، تسببت فى قتال ودمار، وأزمة طاقة عالمية غير مسبوقة، يحتاج العالم معها إلى سنوات طويلة حتى يتعافى من آثارها، لم يستطع دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تحقيق هدفهما بإسقاط النظام الإيرانى، الذى لا يزال مستمرًا حتى الآن، وإذا توقفت النيران، وظل موجودًا، قد يتمكن من إعادة بناء قدراته العسكرية. أيضا فإن بنود الاتفاق، التى لم تقبلها إيران، تعود إلى سقف اتفاق عام 2015، من حيث التركيز على السلاح النووى الإيرانى، بينما غاب كل حديث، ساد فى المفاوضات التى سبقت الحرب الراهنة، مثل برنامج الصواريخ الباليستية، وأذرع إيران فى المنطقة، وغيرها، وانطوى الاتفاق على حوافز لإيران مثل صرف الأصول المجمدة، وتخفيف العقوبات المفروضة عليها، وهو ما سبق أن اعترض عليه ترامب عندما قام به باراك أوباما. لماذا الحرب إذن؟ ألم تكن الدبلوماسية كفيلة بذلك، لا سيما أنها نجحت فى الوصول إلى اتفاق قبل أحد عشرة عامًا، ألغاه ترامب عندما وصل إلى البيت الأبيض فى ولايته الأولى عام 2016؟ يبدو أن دونالد ترامب يريد إنهاء الحرب فى مواجهة الضغوط التى تتصاعد، واختصر الأمر حاليا فى مضيق هرمز، ولاسيما أن هناك أصواتًا أمريكية وأوروبية تتحدث عن الأزمة التى سببتها الحرب، خاصة أن إيران لم تشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة، ولا أوروبا، ولا تخدم تلك الحرب سوى إسرائيل، التى تريد أقصى استفادة من تداعيات 7 أكتوبر 2023، بإعادة رسم خرائط التأثير والنفوذ فى المنطقة، وفى سبيل تحقيق ذلك تعمل على تقويض إيران ذاتها بعد تقليم أظافرها المنتشرة إقليميًا. ومن سوء تقدير النظام الإيرانى توسعه فى العمليات العسكرية، وتوجيه الصواريخ والمسيرات إلى دول الخليج، التى تحسنت علاقاتها به فى الأعوام الأخيرة، مما أحدث خسائر ليس فقط فى المنشآت الاقتصادية أو الأهداف العسكرية لكن أيضًا فى مستقبل العلاقات التى تجمع تلك الدول به إذا ظل قائمًا. يبدو أن إيران تدرك أن دونالد ترامب يريد أن ينهى الحرب سريعًا، وهى إن كانت لا تثق فى المسار التفاوضى مع الولاياتالمتحدة، إلا أنها تريد أن تحصد مكاسب، وليس مجرد إيقاف الحرب، وتستغل الأوراق التى فى يدها رغم محدوديتها. وإذا ظل الحال هكذا دون اتفاق، فإنه سيقود أغلب الظن إلى مزيد من الاشتعال، واستفحال أزمة الطاقة إقليميًا وعالميًا، وتوترات واسعة فى العلاقات بين دول المنطقة. وعلينا أن ندرك أنه إذا توقفت الحرب، التى يسعى وسطاء كثر لإيقافها، فإنها لن تنتهى، حيث تبقى الخسائر الاقتصادية المؤلمة، والمشاعر السلبية لفترة طويلة على عدة مناح: العلاقات الخليجية الأمريكية، وبين دول الخليج بعضها بعضًا، وبين بعض دول الخليج ودول عربية أخرى، وزيادة التساؤلات حول دور جامعة الدول العربية، وقد يمتد الأثر لمستقبل الاتفاقات الإبراهيمية، والعلاقات مع إسرائيل، وتنضح الثأرات التاريخية بشدة!