أعلن الرئيس دونالد ترامب، يوم 2 أبريل، فى خطاب متلفز من البيت الأبيض، «انتهاء المهمة فى إيران»، محققا ما وصفه ب«انتصار لم يشهد التاريخ مثيلا له»، زاعما أن «معظم قادة النظام الإيرانى لقوا حتفهم»، وأن «إيران سُحقت عسكريا واقتصاديا». غير أن هذا الخطاب اصطدم بتقارير صحفية خطيرة كشفت أن ترامب مستعد لإنهاء الحرب دون ضمان إعادة فتح مضيق هرمز، تاركا أهم ممر مائى فى العالم تحت الهيمنة الإيرانية. هذا التناقض الصارخ بين ادعاء «النصر الكامل» وواقع «العجز عن فتح المضيق» يكشف حقيقة طالما حذر منها الخبراء، وهى أن الولاياتالمتحدة خاضت حربا اختيارية ضد إيران بدفع إسرائيلى واضح، لكنها خرجت منها خاسرة استراتيجيا، بعد أن تحولت إيران من دولة محاصرة إلى قوة تسيطر على نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، وتفرض رسوما أو ضرائب مرور على السفن. لا يمكن، بأى حال من الأحوال، تجاوز الدور المحورى لإسرائيل واللوبى المؤيد لها فى واشنطن عند تحليل هذه الحرب. فقد كشفت تصريحات كبار المسئولين الأمريكيين، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو، أن قرار الحرب لم يكن أمريكيا خالصا، بل جاء أيضا نتيجة الخشية من أن تقوم إسرائيل بجر الولاياتالمتحدة إلى الصراع، فكان خيار التقدم معها بدلا من الانتظار. وهذا يؤكد ما ذهب إليه الأكاديميان البارزان جون ميرشايمر وستيفن والت من أن «اللوبى الإسرائيلى» يمثل قوة تدفع الولاياتالمتحدة نحو تبنى سياسات قد لا تخدم مصلحتها الوطنية. علما بأن إسرائيل نفسها تعانى من فرط التمدد الاستراتيجى، وتعيش أزمة حقيقية، حيث حذر رئيس أركان جيشها من أن المؤسسة العسكرية «قد تنهار على نفسها» بسبب رفض اليهود الحريديم الخدمة العسكرية، فى وقت تخوض فيه الدولة حروبا متعددة الجبهات. والمفارقة أن إسرائيل، التى أقنعت ترامب بخوض هذه الحرب، لن تشارك فيها بريا، إدراكا منها أن إنزال جنودها على الأراضى الإيرانية سيجعلها الهدف الأول للحرس الثورى. فى خضم هذا الارتباك، كشفت تقارير لصحف مثل «واشنطن بوست» عن سيناريو عملية برية بالغة الخطورة تخطط لها الإدارة الأمريكية، بهدف الاستيلاء على مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وتتضمن الخطة إنزالا بريا فى منطقة جبلية بأصفهان، وفرض حزام نارى، وإنشاء قاعدة جوية مؤقتة، إضافة إلى إنزال فرق هندسية مزودة بمعدات حفر ثقيلة لاقتحام الأنفاق. غير أنه، وحتى لو افترضنا نجاح هذه العملية تكتيكيا، فإنها تبقى مجرد «لقطة» إعلامية لا ترقى إلى مستوى نصر استراتيجى حقيقى. فالاحتفاظ بقوة قوامها بضعة آلاف من الجنود فى عمق الأراضى الإيرانية لأسابيع يُعد مغامرة كبرى، تعرض هذه القوات لخطر الاستنزاف. والأخطر من ذلك أن إيران لا تملك هذا المخزون فحسب، بل تمتلك أيضا احتياطيا ضخما من اليورانيوم المخصب بنسب أقل، إلى جانب تكنولوجيا متطورة لأجهزة الطرد المركزى، وقاعات تخصيب محصنة، مثل تلك الموجودة فى منشأة نطنز على عمق يصل إلى نحو 200 متر. بالتالى، فإن استيلاء واشنطن على 400 كيلوجرام لن يمنع إيران من رفع نسبة تخصيب ما تبقى لديها إلى 90% خلال فترة وجيزة. وفى تطور يُعد من الأكثر دلالة، أشارت تقارير صحفية إلى أن ترامب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحرب دون ضمان إعادة فتح مضيق هرمز. وفى خطابه الأخير، صرّح ترامب بأن «الدول التى تعتمد على نفط الخليج يجب أن تتولى حماية المضيق بنفسها»، مشيرا إلى أن الولاياتالمتحدة «لم تعد بحاجة إلى نفط الشرق الأوسط» بفضل إنتاجها المحلي. هذه المقاربة تعني، فى جوهرها، أن أمريكا تنسحب من معركة كانت من صُنعها، تاركة وراءها إيران فى موقع يمكّنها من فرض رسوم مرور على السفن والتحكم فى شريان حيوى للتجارة العالمية. • • • وفقا لتحليلات الخبراء، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة بعد الانسحاب الأمريكى. أولها، نهاية الحرب دون اتفاق، مع بقاء المضيق تحت سيطرة إيران التى ستواصل فرض رسوم تُقدر بنحو مليونى دولار لكل سفينة، ما يؤدى إلى استمرار ارتفاع أسعار النفط. ثانيها، تقنين إيران للوضع القائم، عبر إدراج نظام «العبور المدفوع» فى قوانينها الداخلية، لتحويل السيطرة على المضيق إلى مصدر دائم للنفوذ والدخل. وثالثها، يتمثل فى تشكيل تحالف دولى لفتح المضيق من دون الولاياتالمتحدة؛ وهو ما أشار إليه إعلان رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر عن نية تشكيل تحالف يضم 35 دولة لضمان حرية الملاحة فى الخليج، لكنه لم يحدد آلية عسكرية واضحة للتعامل مع هذا التحدي، خاصة فى حال انسحاب الأسطول الأمريكى. تمتد تداعيات الحرب لتشمل علاقات واشنطن مع حلفائها. ففى أوروبا، التى لم تُستشر فى قرار الحرب، تواجه اقتصاداتها أوضاعا صعبة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، فى وقت تحاول فيه تجنب العودة إلى الاعتماد على الطاقة الروسية، وتجد نفسها مضطرة فى الوقت ذاته إلى زيادة الإنفاق الدفاعى بعد تراجع الثقة فى الالتزام الأمريكي. وفى آسيا، سحبت أمريكا أنظمة دفاع متطورة، مثل «ثاد»، من كوريا الجنوبية واليابان لإعادة نشرها فى الخليج، ما بعث برسالة مقلقة مفادها أن حلفاء واشنطن فى آسيا لم يعودوا على رأس قائمة الأولويات. أما دول الخليج العربية، فتعيش حالة من الانقسام؛ خصوصا بعد أن أظهرت إيران قدرتها على توجيه ضربات مؤثرة. وتدرك بعض هذه الدول، رغم رغبتهما فى تصعيد أكبر، أن تكلفة ذلك قد تكون باهظة للغاية. المفارقة الأهم أن الحرب التى قيل إنها ستوجه ضربة لحلفاء إيران، أى الصينوروسيا، تحولت عمليا إلى هدية استراتيجية لموسكو وبكين. فقد استفادت روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة وتخفيف الضغوط على نفطها، كما تراجع تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا لصالح الشرق الأوسط. أما الصين، فقد خرجت من هذه الحرب بصورة الدولة المسئولة الساعية إلى الاستقرار. والأهم من ذلك أن واشنطن، التى كانت تستعد للتحول الاستراتيجى نحو آسيا، تجد نفسها اليوم غارقة فى مستنقع إيرانى، تاركة المجال لبكين لتعزيز نفوذها الإقليمى والدولى. • • • بعد شهر من اندلاع الحرب، أصبحت الخيارات أمام ترامب محصورة بين السيئ والأسوأ. فإما أن يواصل التصعيد، مخاطرا بكارثة اقتصادية عالمية، وإما أن يتراجع ويقبل بشروط إيرانية، أو أن ينسحب دون اتفاق، تاركا المضيق رهينة للسيطرة الإيرانية. وهو سيناريو يبدو صعب القبول بالنسبة للرئيس ترامب، لكنه بات واقعا يفرض نفسه بقوة. الرسالة الأكثر قسوة التى يحملها خطاب ترامب الأخير هى أن أمريكا لم تعد مستعدة للدفاع عن حلفائها كما فى السابق. فبعد أن كانت الضامن الرئيسى لأمن الطاقة العالمى، أصبحت تعلن صراحة أن على الآخرين «حماية نفطهم بأنفسهم». فعن أى انتصار نتحدث؟ باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية