خلال الندوة التى شاركتُ بها قبل أيام فى القاهرة، إبان احتفال معرض الكتاب الدولى بمئوية الفنان الكبير الراحل يوسف شاهين، وبعد يومين من مشاركتى الممتعة أيضا بندوة احتفلت باختيار الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ «شخصية العام» فى المعرض نفسه؛ كانت الندوة «الشاهينية» ممتعة بقدر ما كانت الندوة «المحفوظية». وكانت ممتعة خاصة بالنسبة إلى، إذ استذكرتُ فيهما صديقى الكبيرين فى عقر دارهما، وهو ما كنتُ أتمناه منذ زمن طويل. لكن الذى حدث هو أن بعض الأصدقاء والصحفيين الذين حاورونى بعد ندوة شاهين خاصة إذ ذكرتُ لهم أننى تعرفتُ إلى صاحب «باب الحديد» و«المصير» بين تحف سينمائية أخرى منذ العام 1964، حين عملتُ معه فى فيلم كبير له هو «بياع الخواتم»- سألوا عما إذا كان ذلك قد حدث فى القاهرة؟ وساعتها، وسط زحام الندوة وضيق وقتها، ضاعت إجابتى؛ وبالتالى ها أنا أرويها هنا معطوفة على حكايات صغيرة لم يسعفنى الوقت للدخول فى تفاصيلها، بعدما لاحظتُ كيف أن التعليقات الصحفية التى أشارت إلى الموضوع لم تفهم تماما إجابتى، إلى درجة ورود عنوان مضحك يتحدث عن كونى «كشفتُ كواليس اللقاء الأول بين يوسف شاهين وعاصى الرحبانى»، وكأن فى الحكاية ألغازًا وخفايا من النوع الغريب! ولذا، أجدنى أعود هنا إلى تلك الحكاية التى يمتعنى دائماً أن أرويها وأعيد روايتها لما فيها من معانٍ ودلالات. ففى العام 1964، وبعد أن تنحى المخرج الفرنسى «برنار فاريل» عما كان قد جاء إلى بيروت ليحققه وهو بالتحديد فيلم سينمائى مقتبس عن المغناة الرحبانية الرائعة «بياع الخواتم» تمكن المنتج المصرى جان خورى (زوج شقيقة يوسف شاهين) من إقناع الأخير بتولى إنجاز الفيلم، بالاتفاق مع المنتج السورى نادر الأتاسى وتحريض من الإعلامى الفلسطينى الكبير صبرى الشريف، الذى كان "القائد" المبدع الحقيقى فى المشروع الرحبانى برمته. وبعد اطلاع شاهين على السيناريو ومشاهدته المغناة تحمس للأمر. وهكذا التقينا ذات صباح باكرا، حين وصل شاهين للمرة الأولى إلى مكتب الرحابنة فى شارع «بدارو» ببيروت، حيث كان عاصى ومنصور يجتمعان كل صباح تقريبا. وكان ذاك مقرى أنا، الذى كنت قد عملت أول الأمر مساعدا ثانيا للمخرج الفرنسى، لأنضم إلى اجتماعات الأخوين المبدعين يوميا وقبل أن يتواجد بقية أعضاء الشلة المحيطة بهما، من صبرى الشريف إلى المخرج المسرحى بيرج فازليان، وصولا إلى الشاعر عبد الله بشارة الخورى (صهر الرحبانيين)، الملقب ب«عبد الله الأخطل» باعتباره ابن ووريث الشاعر «الأخطل الصغير»، الذى عُرف بصداقته مع أمير الشعراء أحمد شوقى وكتابته قصائد بالعامية المصرية أبدعها محمد عبدالوهاب تلحيناً وغناء (ومنها مثلاً «يا ورد مين يشتريك»، إضافة إلى «جفنه علم الغزل»). المهم، هناك عرفونى على يوسف شاهين على اعتبار أننى سأكون أحد مساعديه فى فيلم «بياع الخواتم»، بالنظر إلى أننى خلال العمل مع المخرج الفرنسى بتُّ -بشكل ما- ذاكرة المشروع المولع بوضع المخرج المصرى الكبير فى صورة الترتيبات التى سبقت حضوره. وباتت لقاءاتنا يومية، أعتبرها اليوم من أغنى لقاءاتى فى تلك الفترة من حياتى إذ «كوّنتنى». وكيف لا تفعل وأنا ابن العشرين أجد نفسى محاطاً بكل أولئك الكبار، أصغى إلى أحاديثهم وأتعلم وأتمنى لو يطول النهار عشرات الساعات؛ فيما أنا أصغى لمنصور وهو يقرأ للحاضرين نصوصه الشعرية ويستمزج رأيهم فيها، فيبادر عبد الله الأخطل إلى التعليق ممتدحاً أو مصححاً وزناً من هنا وكلمة من هناك. ثم ينبرى عاصى وهو كعادته جالس إلى البيانو، يحاول أن يعزف بيد واحدة بينما الأخرى حاملة سيجارته التاريخية التى لا تفارق أصابعه أبداً، وعيناه ملتفتتان نحو شاهين يحاول أن يبهره، فيما هذا الأخير منبهر فعلاً، ينظر إلىّ بين الحين والآخر معبرا لى عن افتتان حقيقى بهذا الجو المحيط به. والحقيقة أن تواطؤا رائعا قام حينها بين شاهين والرحبانيين، شارك فيه جان خورى الذى كان يزور «الموقع الإبداعى» ذاك بين حين وآخر، دون أن ننسى انبهار المجموعة كلها بشاهين نفسه وهم يطرحون عليه أسئلة سينمائية لا تنتهى. هى جلسات مر عليها نحو ستين عاما وأكثر، ولكنها ماثلة حتى اليوم فى ذاكرتى وكأنها التأمت أول من أمس فقط. ولعل واحدة منها لا تبارح خيالى بتفاصيل ما دار فيها، مما يجعلنى أستشهد بها فى أحاديثى الصحفية أو حتى فى دردشاتى العادية مع أصدقائى. فذات يوم، وفيما كان عاصى يعزف بيد واحدة ما أتذكر أنه كان نوعاً من تنويع على مقدمة أغنية فيروزية رائعة هى «طريق النحل»، ورصد انبهارا حقيقيا فى نظرات يوسف شاهين، التفت إلى الأخير يسأله: «جوزيف، ما هى فى رأيك اللغة الأسهل فى التلحين؟». أتذكر أن شاهين الذى بُغت بالسؤال أجاب متمعنا: «أعتقد أنها الإيطالية، جراء انتهاء معظم كلماتها بحروف صوتية مثل A أو O أوI…». فابتسم عاصى ورد سلباً دون أن يتوقف عن العزف، والتفت إليّ ليسألنى أن أجيب عن السؤال نفسه، فقلت له بسرعة إن اللغة الإنجليزية هى الأسهل تلحينا. سألنى: لماذا؟ أجبته: «لأن معظم كلماتها تتألف من مقطع صوتى واحد مما يسهل التحكم بالنوتة». فقال: جواباكما منطقيان، لكن هناك لغة تفوقهما سهولة فى التلحين ومرونة. نظرنا إليه معا منتظرين تفسيرا يدهشنا، فإذا به يقول ببساطة إنها اللغة الأقرب إلينا وهى «لغتنا العربية الجميلة». وفسر أن اللغة العربية لغة تكونت موسيقيا بأفضل مما فعلت أى لغة أخرى فى العالم، مستطرداً أننا لو قلنا مثلاً «أكلَ الولدُ التفاحةَ» بضمة على دال كلمة «ولد» وفتحة على التاء المربوطة «التفاحة»، سنجد أنفسنا أمام جملة لحنت نفسها بنفسها. أما إذا كان العكس، أى أن تفتح الدال وتضم تاء التفاحة المربوطة، فإن السلم الموسيقى ينكسر. وبعد أن أفتى عاصى الرحبانى بهذا التفسير، روى لنا حكاية دارت يوما بين محمد عبدالوهاب وأمير الشعراء أحمد شوقى؛ إذ مرة، فى زمن كانت فيه الإذاعة المصرية تبث من الاستوديو مباشرة أغنية «الجندول» لمحمد عبدالوهاب (ولم تكن من شعر أحمد شوقى على أية حال)، أخطأ الفنان الكبير عبدالوهاب فى التنوين حين قال: «يومَ قابلتَه -بفتح التاء- أول مرة»، فانتفض شوقى دون أن يراه عبدالوهاب، إذ كان الشاعر واقفاً بالطبع خارج الاستوديو. غير أن عبدالوهاب حين كرر العبارة صحح ما يقول لتتحول «قابلتَه» إلى «قابلتُه» بضمة على التاء. وحين خرج المغنى من الاستوديو أثنى عليه الشاعر معلنا أنه بات ضليعاً كما يبدو فى قواعد اللغة العربية، فأجابه المطرب: «لا ضليع ولا حاجة يا باشا.. إن موسيقى العبارة هى التى صححت لى الخطأ الذى وقعت فيه». والحقيقة أن هذه الحكاية التى رواها لنا عاصى الرحبانى، دون أن ينفض سيجارته أو يتوقف عن العزف أو عن الضحك، أتبعها بعدة حكايات أخرى منها ما يتعلق بالأخطل الصغير أو بالغناء الأندلسى بشكل بهر يوسف شاهين حقا. بل بهره إلى درجة أنه حين خرجنا بعد تلك الجلسة (شاهين وصبرى الشريف وأنا) باحثين عن مطعم نأكل فيه، واصل المخرج الكبير إبداء إعجابه بفصاحة عاصى الرحبانى وبجو المكتب. لكنه فى ذات لحظة، وكمن تذكر شيئاً شديد الخصوصية، وقف ملتفتا إلى صبرى الشريف وإلى ليقول بشىء من الحيرة -متحدثا طبعا عن عاصى الرحبانى، وربما بشىء من الغيظ -: «إذا كان هذا الفنان العبقرى الكبير يحب العروبة ولغتها إلى هذا الحد، أرجو أن تسألوه غداً لماذا لا يتوقف عن تسميتى (جوزيف)، بينما أنا أحب اسمى العربى (يوسف) إلى حد الجنون؟ إن هذا الاسم (جوزيف) هو للخواجات عندنا فى مصر، فلماذا يصر عاصى على أن أكون جوزيف وليس يوسف؟».