• التكفير حكم شرعي والفتوى العشوائية به إراقت الدماء على مر العصور أكد الدكتور نظير عياد محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن انطلاق فعاليات المنتدى العلمي الأول لمركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف، برعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، تحت عنوان:«الإمام الأشعري ومقارباته الفكرية للفرق الإسلامية: من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية» يمثل أهمية زمنية وفكرية الأمة في أمس الحاجة إليها. وأضاف في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى: "يأتي المنتدى في لحظة تستدعي استحضار العقل، وتحرير المفاهيم، وتحديد أدوات الحوار، في عالم تتنازعه الأفكار، وتتنازع فيه الخيبات، وتشتد فيه الأزمات، حيث نحن بحاجة إلى ما يعيد للعالم أخلاقه، وللوحدة معناها، وللفكر اتزانه". وأوضح أن استحضار فكر الإمام الأشعري ليس استذكارًا للماضي، ولا عرضًا لسيرة ذاتية فحسب، وإنما هو منهج استطاع أن يحوِّل معول الهدم إلى أداة بناء، وفتنة التكفير إلى طريق فكري للوحدة. وأشار إلى أن التاريخ الإسلامي يشهد، منذ ظهور الفرق وأنواعها، حراكًا فكريًا لم يكن انقسامًا عشوائيًا، وإنما كان تساؤلًا حيًا لقضايا شغلت العلماء وطلاب العلم، مستشهدًا بما أثاره الإمام الحسن البصري من سؤال فكري اقتضى نشوء فرقة المعتزلة، معتبرًا أن القضية تتعلق بطبيعة التعامل مع الأسئلة العقدية عند التعامل مع العلم. وبيّن أن هذا المسار الفكري أخذ في التطور والتعقيد عبر الزمن، حتى بلغ ذروته في رجوع الإمام الحسن البصري عن الاعتزال، عند سؤاله أمامه عن قضية الإخوة الثلاثة، لا في مناظرة، ولكن في لحظة انكشاف علمي متزن. وأكد أن هذا الحراك الفكري لم يتوقف عند حدود ذلك العصر، وإنما تجدد بتجدد القرون، حتى وصل إلينا اليوم في هيئة مفاهيم ومصطلحات معاصرة، ما جعل استدعاء المنهج الإسلامي فريضة إسلامية، لا ترفًا فكريًا ولا حنينًا إلى الماضي. وأضاف أنه وإن كان الخلاف الفكري ظاهرة إيجابية أثمرت فرقًا فكرية، إلا أن انحرافه عن منهج الاستدلال والمنهج الرشيد أدى إلى ظهور قضية من أخطر ما تواجهه الأمة، وهي قضية التكفير، التي أدت إلى سفك الدماء، وتمزق الأمة، وتكالب الأعداء عليها. واعتبر أن هذه الظاهرة لم تقف عند الداخل الإسلامي، وإنما قدّمت مادة خصبة للإعلام الغربي لتصدير فكرة مشوهة عن الإسلام باعتباره دينًا يؤدي إلى العنف وسفك الدماء، فأصبحت تلك الأفكار مغذية لظاهرة الإسلاموفوبيا. وأوضح أن مصر، بصفتها قلب العروبة وموطن الأزهر الشريف، تتقدم بموقف واعٍ وحازم لمواجهة هذه الأفكار المنحرفة، وتقدم خطابًا وسطيًا رشيدًا من خلال مؤسساتها الدينية؛ مؤكدًا أن الرجوع إلى المناهج العلمية ضرورة لا خيارًا، وأن استعادة المنهج الأشعري ضرورة حقيقية لا استجلابًا للماضي. وأشار إلى أن الإمام أبا الحسن الأشعري أنصف الفرق، وارتقى بالخلاف من منطقة التكفير والتفرقة والتشويه إلى الفهم والتراحم، مستدلًا بكتابه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» على منهجية التوثيق قبل النقد، والفهم قبل الحكم. وأوضح أن كتاب «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» أقر منذ البدء أصل التسليم بإسلام كل من توجه إلى القبلة، مهما تباينت الاجتهادات أو زلت القدم، فلم يسارع إلى توصيف المخالف بالردة أو الزندقة أو الابتداع، مؤسسًا بذلك قاعدة أصيلة مفادها أن الخلاف في فروع العقائد لا يخرج من دائرة الإسلام الجامعة. وأشار إلى بدء المؤلف كتابه بالإشارة إلى اختلاف الناس بعد نبيهم في أشياء كثيرة، ضلّل فيها بعضهم بعضًا، فصاروا فرقًا متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم، معتبرًا أن الإصرار بعبارة "الإسلام يجمعهم" هو ركيزة الفكر الأشعري. وأكد أن الإمام الأشعري رفض أسلوب الإقصاء، وتعامل مع الفرق الإسلامية باعتبارهم مسلمين مصلين، يجتهدون فيصيبون ويخطئون، ولا يخرجهم ذلك من الدين، موضحًا أن التعميم سمة العقل الكسول، أما التفكير والتحليل فهو سمة الفكر الأشعري. وبيّن أن جوهر المشروع الأشعري وذروة العطاء الفكري يتمثلان في تلك القاعدة الذهبية التي صانت الدماء عبر القرون، وهي قاعدة عدم تكفير أهل القبلة، مؤكدًا أنها لم تكن مجرد تكرار نظري، بل خلاصة مسيرة طويلة من الجدل والنظر والتأمل. وأوضح أن هذا التفكير الأشعري يتجلى اليوم باعتباره خطابًا مؤسِّسًا، وعلى هذا الأساس ترتكز رؤية المؤسسات الدينية المصرية لمواجهة الإرهاب وتقنين الخطاب الديني، باعتبار أن التكفير حكم ديني لا يمكن إلقاؤه جزافًا، وإنما وفق أسس شرعية منضبطة، ولا تكفير لمتوجه إلى القبلة موحِّد، بما يصون الأعراض، ويحقن الدماء، ويدعم الحوار البنّاء بين أبناء الأمة.