يتجاوز الزحام في معرض القاهرة الدولي للكتاب بوابات الدخول والتجوال بين الأجنحة ورفوف العناوين الجديدة، ليصل إلى خشبة المسرح، حيث تتحول العروض اليومية إلى نقطة جذب لا تقل ازدحامًا عن أروقة الكتب. ومع كل فقرة غنائية أو استعراض فولكلوري، تتشكل دوائر من الجمهور حول العروض، بعضهم يكتفي بالمشاهدة، وآخرون يشاركون بالتصفيق والترديد، وكأن المعرض يفتح مسارًا موازيًا للثقافة تُقرأ وتُسمع وتُشاهد في آن واحد. وجاء من بين أبرز أنشطة اليوم عرض أوبريت «الليلة الكبيرة» من كلمات صلاح جاهين، وألحان سيد مكاوي، وإخراج صلاح السقا، إذ جذب التحضير له جمهورًا كبيرًا منذ اللحظات الأولى، فتجمع الزائرون حول خشبة العرض يسترقون النظرات لرؤية العرائس خلف الستار، بينما أعاد الأوبريت إلى الذاكرة مشاهد الطفولة حين كانوا يتابعونه عبر شاشة التلفزيون. قال عمرو، وهو مدرس جاء بصحبة ابنته الصغيرة، إن عرض «الليلة الكبيرة» أعاد إليه ذكريات الطفولة، موضحًا: «نعيش حالة من النوستالجيا.. أحاول مشاركة هذا الإحساس مع ابنتي». وأضاف أن مشاهدة العروض على الطبيعة باتت ضرورية في زمن الشاشات: «في عصر الموبايل يجب أن يتعرض الطفل للمؤثرات الحية». وتابع أنه يحرص على تكرار زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب سنويًا مع ابنته، لمتابعة الفعاليات الفنية، وشراء كتب تفاعلية تعتمد على الذكاء والإبداع وتنمّي مهارات الطفل. وضمن فعاليات اليوم الأحد، يواصل المسرح الصغير حضوره كأحد المساحات الأكثر جذبًا داخل المعرض، عبر برنامج فني متتابع يجمع بين الموسيقى والغناء والعروض التراثية. ويقدّم المسرح فقرة موسيقية بعنوان «أكورديون ميلاد باند»، التي تمنح الجمهور تجربة مختلفة تعتمد على الأداء الحي والآلة في مقدمة المشهد، وسط تفاعل واضح من الزائرين الذين يتوقفون لمتابعة المقطوعات والانتقالات الإيقاعية. وتتواصل الفعاليات مع عرض «كورال سلام» التابع للمركز القومي لثقافة الطفل، حيث يقدّم مجموعة من الأغنيات بصيغة جماعية موجهة للعائلات والأطفال، في أجواء خفيفة تجمع بين الترفيه والتربية الفنية. ويختتم المسرح الصغير برنامجه بعرض «النيل للآلات الشعبية» التابع للهيئة العامة لقصور الثقافة، والذي يستعيد ملامح من التراث الموسيقي المصري عبر الآلات الشعبية وإيقاعاتها، ليؤكد استمرار حضور الفلكلور كجزء أصيل من فعاليات المعرض. كما شهدت فعاليات أمس واحدة من الليالي الأكثر تنوعًا في البرنامج الفني، بين المسرح الكبير والمسارح المكشوفة أمام قاعات العرض بالأجنحة. واستهل المسرح الكبير برنامجه بحفل غنائي لفرقة «حالة» بقيادة المايسترو أمير إمام، وهي فرقة شبابية تعمل على تقديم الأغنية التراثية بروح معاصرة، عبر إعادة توزيع أعمال مألوفة بصياغات أقرب إلى الذائقة الحديثة. وقدّمت الفرقة باقة من أغاني الثمانينيات والتسعينيات التي تفاعل معها الحضور سريعًا، إذ تحولت الفقرة إلى مساحة جماعية للغناء والتصفيق. وعلى أنغام الدبكة، قدّمت الفرقة الفلسطينية للفنون الشعبية لوحات راقصة جسّدت الهوية والصمود، مستحضرة الفلكلور الفلسطيني عبر الإيقاع والحركة الجماعية والزي التقليدي المطرز. ولم يبدُ العرض مجرد فقرة استعراضية، بل رسالة ثقافية واضحة حملت ملامح الذاكرة الفلسطينية إلى جمهور المعرض، فحظي بتفاعل لافت وتصفيق متواصل. وفي سياق موازٍ، أعادت فرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة تقديم رقصات السمسمية المرتبطة بمدن القناة، بما تحمله من طابع بحري وإيقاعات شعبية تعكس بهجة الحياة اليومية وروح المقاومة الشعبية. وبدا العرض كأنه يستدعي ذاكرة مكان بكامل تفاصيله، من الأغاني المتوارثة إلى الحركات التي ارتبطت تاريخيًا بمشهد الصيادين وأحياء الميناء. واختتم المسرح الكبير عروضه بلمسة طربية رومانسية مع فرقة «زي الهوا» بقيادة الدكتور سامح عبد العزيز، وهي مجموعة أكاديمية متخصصة في إحياء كلاسيكيات الموسيقى العربية. وقدمت الفرقة روائع لعبد الحليم حافظ ووردة، لتستعيد مع الجمهور زمن "الفن الجميل" عبر أداء جماعي منضبط، أكد أن البرنامج الفني داخل المعرض لا يقتصر على الفنون الشعبية وحدها، بل يفتح مساحة للأغنية الكلاسيكية أيضًا. وخارج المسرح الكبير، حضرت الأجواء العائلية عبر عروض مواهب مديرية التربية والتعليم بالقليوبية، حيث قدم الأطفال استعراضات مبهجة نالت استحسان الأسر والزوار.