- الأفلام تستعيد أسئلة الذاكرة وتطرح كيفية الانتماء فى عالم بلا يقين تعكس الاختيارات الأولى المعلنة للدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائى ملامح مهرجان لا يزال وفيًّا لهويته بوصفه منصة للأسئلة الكبرى، أكثر من كونه مساحة للاحتفال الشكلى بالسينما برلين ال76 يبدو منشغلًا بالإنسان فى لحظات التحول، وبالذاكرة لا باعتبارها أرشيفًا للماضى، بل قوة فاعلة تُعيد تشكيل الحاضر وتفضح قلقه. العودة الكثيفة إلى لحظة ما بعد سقوط جدار برلين تشكّل أحد أبرز محاور الدورة، عبر أفلام تستعيد تفكك الحدود سياسيًا ونفسيًا، وتطرح أسئلة الهوية والانتماء فى عالم فقد يقيناته القديمة. فى هذه الأعمال، لا تظهر برلين كمكان فحسب، بل كرمز لانكسار الأنظمة الكبرى وبداية قلق معاصر لا يزال مفتوحًا. فى موازاة ذلك، يحافظ الفيلم الوثائقى على موقعه المركزى داخل المهرجان، لا بوصفه نوعًا سينمائيًا هامشيًا، بل كأداة تفكير جمالى وسياسى. أعمال لمخرجين كبار مثل فيرنر هيرتسوج، وشانتال أكرمان، وهارون فاروكى، تؤكد أن الوثائقى فى هذه الدورة يتجاوز التوثيق المباشر نحو التأمل فى الإيمان، والثورة، واليومى الممزق بين الأوطان. كما يبرز اهتمام واضح بسرديات الهامش والهوية، خاصة فى أقسام الأجيال الشابة، حيث تُقدَّم الطفولة والمراهقة كساحات صراع مبكر مع السلطة الاجتماعية، والجسد، والرغبة، لا كمرحلة بريئة أو معزولة عن العالم. هذا الامتداد الجغرافى، من الجنوب العالمى إلى أوروبا، يمنح الدورة تنوعًا إنسانيًا لافتًا. سياسيًا، لا يغيب الحاضر المضطرب عن الشاشة، سواء عبر أفلام عن القمع والمنفى، أو عن الصورة بوصفها فعل مقاومة. وبين هذا الثقل، يستعيد المهرجان كلاسيكيات مفصلية، فى تذكير بأن التجريب الجمالى نفسه كان - ولا يزال - موقفًا سياسيًا. هكذا يؤكد برلين 76 إيمانه بالسينما كفعل وعى، لا كمنتج استهلاكى عابر. من أبرز أفلام برنامج المهرجان الفيلم البرازيلى الوثائقى «آلة الزمن الرائعة» إخراج إليزا كاباى، بطولة: مانويلينها، مانو، صوفيا، وتدور أحداثه فى مناطق نائية وقاحلة من البرازيل، حيث تعيش فتيات على تخوم الذاكرة والأمل، بين ماضٍ مثقل بتجارب الأمهات القاسية، وأحلام بمستقبل أكثر رحابة. يرصد الفيلم لحظة الانتقال من الطفولة إلى المراهقة داخل مجتمع لا تزال الهيمنة الذكورية تطبع علاقاته. ومن ألمانيا، يُعرض فى قسم البانوراما فيلم «أليجرو باستيل» إخراج آنا رولر، بطولة: سيلفين فاليجانت، جانيس نيونر، هالى لويز جونز، لونا ويدلر، مارتينا جيديك. حول علاقة عاطفية عن بُعد تجمع روائية ومصمم مواقع فى الثلاثينيات من العمر، حيث يتأرجح الحلم بين القرب والابتعاد، وتُطرح أسئلة الاستقرار، وما إذا كان ما نريده فعلًا هو ما نسعى إليه. جودار يستدعى ألمانيا عام 90 ضمن كلاسيكيات الإنتاج الفرنسى - الألمانى، يُعرض فيلم «ألمانيا عام 90، تسعة صفر» للمخرج الكبير جان لوك جودار، بطولة إيدى كونستانتين، هانز زيشلر، كلوديا ميكلسن. الفيلم يستكشف تعقيدات التاريخ والسياسة الألمانية فى أعقاب سقوط جدار برلين عام 1989 من خلال شخصية ليمى كوشن. ورحلة تجريبية متعددة الطبقات لعميل استخبارات غربى يجوب ألمانياالشرقية السابقة، تطارده أشباح التاريخ، فى عمل يمزج الصوت بالصورة، ويستدعى ذاكرة السينما الألمانية الكلاسيكية.وهو يتميز بمزجه بين الأسلوبين السردى والوثائقى ويُعد عملًا مهمًا فى مسيرة غودار السينمائية، وفى دراسة السينما الأوروبية ما بعد الحرب. أما فى إطار الكلاسيكيات الوثائقية، فيُعرض الفيلم الألمانى «برلين.. محطة فريدريش شتراسه» إخراج كونستانزه بيندر، ليلى جروت، أولريكه هيردين، جوليا كونرت. يوثق العمل شهادات حية لحراس الحدود والمسافرين فى واحدة من أهم نقاط العبور بين شطرى ألمانيا، فى لحظة تاريخية كان فيها اليقين يتفكك مع الحدود. فى يونيو 1990 تم تفكيك نقطة التفتيش الحدودية فى محطة قطار فريدريش شتراسه - لحظة تاريخية تفكك فيها العالم وأعيد تركيبه. أرادت أربع مخرجات أفلام من ألمانياالغربيةوالشرقية توثيق هذه اللحظة: تدفقات المسافرين، والمارة المتأملون والقلقون، ووجه ضابط الجمارك الحائر.. كل يوم، تتحول المحطة، وتُعاد مسارات السكك الحديدية، ويُعاد ضبط مجرى التاريخ. تذكر مادلين بيرنستورف، التى كانت أيضًا مديرة مواقع التصوير لهذا الفيلم: «كل هذه الرموز والإشارات، الحقائب، الأقدام، الوجوه، وصور الشاشة، بالإضافة إلى حوار مثير للتفكير حول المال والسلع مع اثنين من تجار العملات الأجنبية الروس.. من أين أتوا، وإلى أين كانوا ذاهبين.. وما الحدود الجديدة التى رُسمت؟ أصبحت هذه هى الأسئلة المحورية للفيلم». ومن ألمانيا أيضًا، فيلم «حارس الحدود» إخراج ستيفان ترامبى، بطولة هيرمان باير، أولريكه كرومبيجل، يوجين كروسنر، الفيلم دراسة نفسية لرجل يعجز عن تقبّل سقوط جدار برلين، ويواصل أداء عمله فى معبر مهجور، حتى تنتهى عزلته بمأساة. العنصرية الأمريكية ومن كلاسيكيات السينما الأمريكية، يُعرض فيلم المخرج سبايك لى «بامبوزلد.. حان وقت العرض»، بطولة دامون وايانز، سافيون جلوفر، جادا بينكيت سميث. وهو هجاء لاذع لعنصرية الثقافة الشعبية الأمريكية، موجهًا رسالة استفزازية جريئة إلى المبدعين والمستهلكين، على حد سواء. تحت ضغط إنعاش نسب المشاهدة المتدنية لشبكته التليفزيونية عن كاتب تليفزيونى أسود بيير ديلاكرو، يحاول التمرد على نظام إعلامى عنصرى عبر عرض ساخر قائم على الصور النمطية، قبل أن يتحول العمل إلى نجاح جماهيرى يفضح تناقضاته. ومن الولاياتالمتحدة، يُعرض فيلم «أولاد الحى» إخراج جون سينجلتون، بطولة: لورانس فيشبورن، آيس كيوب، كوبا جودينج جونيور أحد أبرز أفلام السينما السوداء الجديدة، ويتناول تحديات النشأة فى جنوب وسط لوس أنجلوس وسط ثقافة العصابات والعنف، كما يتناول الفيلم مواضيع العرق، والعلاقات، وتأثير البيئة على الخيارات الشخصية، حيث يرصد نشأة شاب ترى ستايلزفى حى يرزح تحت العنف والمخدرات، فى صراع يومى مع إغواءات الجريمة. وفى قسم «الجيل»، يشارك فيلم الرسومات المتحركة السويسرى القصير «الخفافيش والحشرات» إخراج لينا فون دورين. حكاية بصرية مكثفة، حيث يتسبب مصباح شارع فى طريق ريفى بفوضى بين الحشرات، ليصبح وليمة غير متوقعة لخفافيش جائعة، فى تأمل بسيط وعميق حول التوازن الطبيعى. من جنوب إفريقيا، يأتى فيلم «أسود يحترق سريعًا» إخراج ساندويلا أساندا، بطولة إيسيلى ندلينى، معادى إيلونج. عن فتاة مراهقة فى مدرسة داخلية مرموقة، تهتز صورتها الذاتية مع وصول طالبة جديدة تُوقظ مشاعر مكبوتة، وتضعها أمام اختبار الهوية والرغبة. كما يُعرض الفيلم الوثائقى الأمريكى «باكس هاربور» إخراج بيت مولر، عن فتيان فى ولاية مين، حيث تُقاس الرجولة فى المجتمع بالقدرة الجسدية، وسط شتاء قاسٍ وتقاليد أبوية صارمة. ومن بلجيكا، فيلم شانتال أكرمان الوثائقى «من الشرق فون أوستن»، رحلة صامتة من الغرب إلى الشرق، ترصد بالكاميرا وجوه البشر وسكون الأماكن، فى تأمل بصرى عميق للزمن والجغرافيا. مدرسة الأشباح وفى إنتاج باكستانى - سعودى، يُعرض فيلم «مدرسة الأشباح» إخراج سيماب جول، بطولة نازواليا أرسلان وآخرين. حول طفلة فى العاشرة تبحث عن سبب إغلاق مدرستها المفاجئ، فى مواجهة الخرافة والفساد والصمت المجتمعى. كما يشارك فيلم فيرنرهيرتسوج الوثائقى «أجراس من الأعماق الإيمان والخرافات فى روسيا» رحلة إلى سيبيريا بعد انهيار الاتحاد السوفييتى، حيث تتقاطع الروحانية الصادقة مع الدجل، فى دراسة بصرية للإيمان. ومن يوغسلافيا السابقة، يُعرض فيلم دوشان ماكافيجيف الساخر «جوريلا تستحم عند الظهر»، عن ضابط روسى تائه فى برلين ما بعد الاشتراكية، يمزج بين الوثائقى والخيال فى رؤية عبثية للعالم. ويستعيد المهرجان الفيلم الفرنسى-البولندى «الحياة المزدوجة لفيرونيك»، إخراج كريستوف كيشلوفسكى، بطولة: إيرين جاكوب. الفيلم دراما شاعرية عن رابط غامض بين امرأتين متشابهتين فى بلدين مختلفين، حيث تتقاطع الأرواح عبر الحدود. كما يُعرض الفيلم الألمانى الشهير «اركضى يا لولا» للمخرج توم تيكوير، وهو سباق محموم مع الزمن فى عشرين دقيقة مصيرية بثلاث نهايات محتملة، فى واحد من أكثر أفلام التسعينيات تأثيرًا وتجديدًا. ومن لبنان وفرنسا، يشارك فيلم «لا ينتصر إلا الثوار» إخراج دانييل عربيد، بطولة: هيام عباس. قصة حب غير متوقعة فى بيروت المثقلة بالأزمات، تجمع أرملة فلسطينية بشاب سودانى بلا أوراق، فى مواجهة واقع قاسٍ ومفتوح على الخسارة.