انتهت علاقتى الأسبوع الماضى بعنوانى الأول. تعلمت فيه كل شىء حتى غادرته شابًا إلى منزل آخر بعيد أبنيه مع من أحببت. ورغم تعدد الانتقال من عنوان إلى آخر، ومن سفر إلى عودة، ظلت الشقة رقم 2 بالدور الأرضى فى العقار رقم 46 فى شارع الرياض بالمهندسين هى بيتى وملاذى الآمن، حتى غادره أصحابه تاركين للأبناء أكثر من نصف قرن من الصور والمتعلقات والدروس. • • • لو تعلم كم أتعبتنى الحيرة هذه الأيام الأخيرة؟ كلما وقع نظرى على شىء، تذكرت درسًا أو مشهدًا يُعاد فى غياب أطرافه. هل أتخلص من هذه القطعة من الأثاث؟ سأسأل إخوتى أو أحفادك، فقد يمنعونى ويطلبون حيازتها. هذه دفاية غاز كهربائية من الثمانينيات، وقفت أسأل: من يحتاج إليها الآن؟ أعلم أنك كنت سعيدًا بها يوم دخلت بها إلى البيت، وكتمت هى حيرتها، وتحصنت بالصمت بدلًا من أن تجاهر برأيها بأن لا حاجة لنا بها، ولأن موعد أقساط المدارس قد اقترب. • • • كومة منسية من جرائد قديمة فاجأتنى، فاستدعت يومًا قديمًا مثلها أمسكت فيه «الأهرام» لأول مرة من باب الفضول، فقلت لى: «لو أنك مهتم بقراءة الصحف اليومية فعليك أن تبدأ يومك مع عمود الأستاذ بهاء. ستتعلم منه كيف تكون مستقلًا ومحترمًا فى التعبير عن فكرتك دون أن تجرح». وكأنه يسمعنى، وقفت فى غرفة المكتب التى تعرت حوائطها من دفء كتب عاشت ملاصقة لها نصف قرن، وقلت: هل تتخيل أننى حكيت اليوم عن الأستاذ بهاء لشباب من الصحفيين لا يعرفونه! حكيت لهم عن الأستاذ سلامة أحمد سلامة، وأحمد بهجت، وكاريكاتير صلاح جاهين، وصلاح حافظ، وفتحى غانم، ويوسف فرنسيس، وفلان، وفلان. وعندما عاتبتهم بأنهم مقصرون فى حق أنفسهم ومهنتهم بعدم معرفة هذه الأسماء وغيرها، تلقيت نظرات تبدلت بين الدهشة والسخرية والشفقة! سمعوا الأسماء، وأفصحت وجوههم بأن ما أشير له تاريخ لم يعد ذا صلة بما يتعاملون معه كل يوم، من ضوضاء ما يسمى بالمنصات التى امتلأت بمعظم ما لا يهم، وجعلته مهمًا لساعات. • • • سأحتفظ بهذه الصورة القديمة لك مع بعض أصدقائك. سمعتك فى هذه الجلسة تحكى لهم أن ياسر عرفات كان فى زيارة إلى القاهرة، وقابل مجموعة من الصحفيين، فابتسم لصحفى كبير المكان، ضئيل المكانة، وقف وسطهم يحاول تجنب نظرات عرفات، الذى وجه له الحديث: «لا تنجر لإهانة ستضطر لابتلاعها والتنكر لها عندما تنقشع غمامات الاختلاف. لا ثابت فى عالم السياسة».
• • • سأحتفظ أيضًا بصورة أخرى من رحلة مجلة «صباح الخير» إلى أهرامات الجيزة. وقفت يومها مندهشًا لأننى رأيت لأول مرة وجهًا جميلًا كنت أراه على الشاشة ولم أعرف أنها صديقة. قلت لى إن اسمها سعاد حسني، ثم حكيت لى فى طريق العودة عن الفارق بين الأستاذ رءوف توفيق، وبين آخر عند التعامل مع كبار النجوم. النجم يسأل رءوف توفيق عن رأى يتعلم منه، بينما يشترى رأى الآخر بهدية قد لا تتعدى وجبة عشاء وشراب. • • • سأحتفظ بمطفأة البايب العميقة، فقد حضرت بيننا نقاشات كثيرة. وقفت يومًا أراجع معك قرارًا أوشك على اتخاذه. استمعت لى وأنت تنظف غليونك، ثم جاء ردك بأنك لا ترى ما أرى، لكنك قلت: «آباء كثر يتوقعون أن يعيشوا حياة أبنائهم كحياة ثانية يعوضون فيها ما يظنونه أخطاء أو إخفاقات. لن أفعل ذلك، وسأؤيد أى اختيار لك. هى حياتك وليست حياة أخرى أعيشها بدلًا منك». • • • المشاهد هنا لن تتوقف لو استسلمت لها، ولا بد من العودة مع أحفادك الآن بعدما سمعوا كل ما سبق مرارًا، ولا داعى للإثقال عليهم بمشاعر تفيض ولا تتوقف. وقفنا جميعًا لصورة نخفى فيها دموع الافتقاد للإمساك بلحظة خاصة أمام لافتة تملكها وزارة الثقافة وتقول إنك عشت هنا. • • • لم تمر أيام معدودة منذ أن نزعت اسمك عن الباب وأغلقته للمرة الأخيرة، حتى سمعت صوتك مجددًا يقول صباح الرابع من يناير الجديد: «كل سنة وأنا طيب». لم يمر تاريخ هذا اليوم من كل عام إلا وجاءتنى هذه المكالمة، حتى وإن كانت استدعاءً مما مضى.
• • • فهمت مغزى العبارة متأخرًا، لكنى تعودت منك هذا الأسلوب المختلف. ما زال الأصدقاء يضبطون بعض مفرداتك تنطلق على لسانى، فيضحكون وكأنك من يتكلم. قال لى صديق تحبه منذ يومين: «لو أنه سيناريو مكتوب، لكانت هذه كلماته». أحكى لك ذلك لأطمئنك أننا جميعًا طيبون كما أنت، وأنه رغم انتقال حيازة المتعلقات، بقيت الدروس، وتواصلت النقاشات.. كأنك هنا.